ultracheck
راصد

حرب المسيّرات في لبنان... فجوة المعرفة والجاهزية في الجيش الإسرائيلي

3 مايو 2026
حرب المسيّرات في لبنان ... فجوة المعرفة والجاهزية في الجيش الإسرائيلي
ياسر منّاع
ياسر منّاع باحث في برنامج الدراسات الإسرائيلية

في لبنان لم تعد الطائرات المسيّرة عنصرًا مساعدًا في القتال، إذ تحولت إلى اختبار مباشر لقدرة الجيش الإسرائيلي على التكيف مع نمط جديد من الحرب منخفض التكلفة وعالي الأثر. فقد نقل حزب الله المواجهة إلى مستوى أكثر تعقيدًا عبر استخدام مسيّرات انقضاضية صغيرة بعضها موجّه بالألياف البصرية بما يمنحها قدرة على تجاوز منظومات التشويش التقليدية واستهداف الجيش الإسرائيلي بدقة. 

لذلك، يكتسب اعتراف مسؤول أمني إسرائيلي رفيع لقناة i24 بأن "المسيّرات المفخخة مفاجأة حقيقية في ساحة المعركة". في الواقع، يكشف هذا التصريح مأزقًا مؤسسيًا أعمق، إذ عرفت إسرائيل مسار تطور هذا السلاح في أوكرانيا، لكنها لم تنجح في تحويل المعرفة المسبقة إلى جاهزية عملياتية كافية. بذلك، لا تظهر أزمة المسيّرات كمسألة تقنية فقط وإنما كفجوة بين سرعة الابتكار العسكري لدى الخصم وبطء التعلم داخل المؤسسة العسكرية الإسرائيلية.

يكشف تعامل الجيش الإسرائيلي مع مسيّرات حزب الله عن إخفاق في الاستباق أكثر مما يكشف عن نقص في المعرفة

من المسيّرة الرخيصة إلى المعضلة العملياتية

تتمثل المعضلة الجديدة في مسيّرات FPV الانقضاضية، وهي طائرات صغيرة يقودها المشغّل من منظور الرؤية المباشرة عبر كاميرا أمامية مستخدمًا عصا تحكم ونظارات أو خوذة تعرض صورة المسار الجوي لحظة بلحظة. لا تعمل هذه المسيّرات كأداة استطلاع تقليدية؛ لأنها تتحول عند لحظة الهجوم إلى ذخيرة موجهة تصيب الهدف مباشرة. وقد استخدمها حزب الله ضد دبابات وناقلات جند ومعدات هندسية وتجمعات للجيش الإسرائيلي في جنوب لبنان، مستفيدًا من بساطة التشغيل وسرعة التدريب وقدرة الطائرة الصغيرة على الاقتراب من الهدف قبل أن ينجح الخصم في رصدها أو اعتراضها.

تزيد مواصفات هذه المسيّرات من صعوبة التعامل معها. تتراوح كلفة النموذج الواحد وفق التقديرات الإسرائيلية غالبًا بين 400 و500 دولار، ويمكن تركيب مكوناته من قطع تجارية متاحة أو من أجزاء مطبوعة بتقنية الطباعة الثلاثية الأبعاد. وتحمل بعض النماذج عبوات متفجرة محدودة الحجم يصل متوسطها إلى نحو 2.5 كيلوغرام بينما تستطيع نماذج أخرى حمل ما بين كيلوغرام واحد وستة كيلوغرامات. أما المسيّرات الموجهة بالألياف البصرية فيصل مداها إلى نحو 10 - 15 كيلومترًا، وتكتسب ميزة أساسية لأنها لا تعتمد على قناة لاسلكية يستطيع الجيش الإسرائيلي تعطيلها عبر التشويش الإلكتروني.

تقدم الحرب الروسية الأوكرانية الخلفية الأوسع لهذا التحول، فقد صارت مسيّرات FPV في أوكرانيا سلاحًا يوميًا واسع الانتشار، بسبب رخصها ودقتها وسهولة إنتاجها بكميات كبيرة. حيث أن هذا النوع من المسيّرات يتسبب بما بين 60 - 80 % من الإصابات والجروح القاتلة في ساحة القتال الأوكرانية، كما تشير التقديرات الإسرائيلية إلى إنتاج أوكراني يبلغ نحو 7,000 مسيّرة يوميًا، أي ما يقارب 200 ألف مسيّرة شهريًا. بهذا المعنى، يظهر ما يجري في جنوب لبنان كامتداد إقليمي لنموذج قتالي اختبرته أوكرانيا على نطاق واسع.

بدأت المسيّرات اللاسلكية بوصفها التهديد الأكثر شيوعًا، ثم ظهرت النسخ المرتبطة بليف بصري لتقليص أثر التشويش والحرب الإلكترونية. وفي أوكرانيا، ما زالت المسيّرات اللاسلكية تمثل النسبة الأكبر، بينما تشكل مسيّرات الألياف البصرية نحو 15 % من الاستخدام، لكنها تمنح المشغّل ميزة نوعية في البيئات القريبة والخطرة. يستوعب حزب الله هذا الدرس ويعيد تطبيقه في جنوب لبنان فيحوّل أداة رخيصة إلى قنبلة دقيقة ويدفع الجيش الإسرائيلي إلى البحث عن منظومة حماية لا تكتفي بالتشويش ولا تراهن على التفوق التكنولوجي التقليدي وحده.

إخفاق الاستباق الإسرائيلي

يكشف تعامل الجيش الإسرائيلي مع مسيّرات حزب الله عن إخفاق في الاستباق أكثر مما يكشف عن نقص في المعرفة، فقد تابعت المؤسسة الأمنية والجيش الإسرائيلي تطور المسيّرات الموجهة بالألياف البصرية في ساحات أخرى، خصوصًا في الحرب الروسية الأوكرانية وفق ما ذكرت القناة 12، لكنهما لم يحولا تلك المعرفة إلى استعداد ميداني كاف قبل انتقال التهديد إلى جنوب لبنان. لذلك، لا تبدو الأزمة كصدمة أمام تكنولوجيا مجهولة وإنما كفشل مؤسسي في تقدير سرعة انتقال الابتكار العسكري من ساحة إلى أخرى.

تتمثل الفجوة الأساسية في المسافة بين المعرفة النظرية والجاهزية العملياتية، حيث اعتمد الجيش الإسرائيلي على مدار سنوات طويلة على منظومات التشويش والحرب الإلكترونية بوصفها ردًا رئيسيًا على المسيّرات. تفترض هذه الأدوات أن المسيّرة تستخدم إشارة لاسلكية أو نظام GPS أو قناة اتصال قابلة للتعطيل. لكن المسيّرات الموجهة بليف بصري تنقل أوامر التشغيل عبر اتصال مادي مباشر ما يقلص قيمة التشويش على الترددات والملاحة. هكذا وجد الجنود أنفسهم أمام هدف صغير وسريع ودقيق لا تكفي الوسائل التقليدية لتعطيله قبل وصوله.

أظهرت حادثة مقتل الجندي عيدان فوكس وإصابة جنود آخرين يوم 26 نيسان 2026 حجم هذا القصور، إذ لم تقف المشكلة عند إصابة القوة الأولى، إذ أطلق حزب الله مسيّرة إضافية باتجاه قوة الإخلاء، فانفجرت قرب مروحية الإنقاذ. يكشف هذا التفصيل أن المسيّرة لم تعمل كضربة منفردة وإنما كجزء من تكتيك ميداني يستهدف القوة ثم يلاحق طبقة الإخلاء والإنقاذ. ومن هنا تصبح المسيّرات أداة لتعطيل الحركة العسكرية بأكملها.

جاء النقاش الإسرائيلي حول حلول هذه المعضلة بعد أن فرضت الخسائر نفسها على الميدان، حيث بدأ الحديث عن وسائل كهروبصرية ومجسات صوتية ورادارات وكواشف RF وشبكات حماية فوق المواقع والمنشآت، إضافة إلى أفكار عن مسيّرات اعتراضية وشبكات إسقاط جوية.

الحلول الإسرائيلية وحدود الحسم

يعرض النقاش الإسرائيلي الأزمة بوصفها مشكلة تقنية وميدانية في آن واحد، إذ تسعى المؤسسة الأمنية إلى تطوير رد جديد على مسيّرات حزب الله المتفجرة، لكن جوهر المعضلة يكمن في أن أخطر النماذج لا تعتمد على ترددات راديو أو إشارات GPS. وعندما ينتقل مسار التحكم إلى الليف البصري تفقد الحرب الإلكترونية التقليدية جزءًا مهمًا من فعاليتها. ومن هنا لا يكفي امتلاك منظومات تشويش متقدمة إذا تغيرت بنية الاتصال التي تقوم عليها المسيّرة نفسها.

يركز جزء من التفكير الإسرائيلي على الكشف المبكر قبل وصول المسيّرة إلى نقطة الهجوم. وفي هذا السياق، تطرح المؤسسة الأمنية نشر وسائل كهروبصرية في عمق الميدان، بهدف رصد المسيّرات على مسافة عدة كيلومترات من مواقع الجيش الإسرائيلي مع دمج مجسات صوتية ورادارات وكواشف RF ضمن شبكة إنذار متعددة الطبقات. يعكس هذا التوجه إدراكًا بأن المسيّرة الصغيرة والمنخفضة الارتفاع تضيق هامش القرار أمام الجندي، وأن كل دقيقة إنذار إضافية قد تمنح القوة فرصة للاحتماء أو التفرق أو تغيير الموقع حتى عندما يفشل الاعتراض المباشر.

وفي ظل غياب حل متعدد المنظومات من القيادة العليا للجيش الإسرائيلي، ذكرت يديعوت أحرنوت في 30 نيسان 2026 أن جنودًا في الميدان بدأوا يطورون مبادرات ذاتية لحماية أنفسهم أثناء القتال. ومن بين هذه الأفكار بناء شبكة حول الآليات تلتقط المسيّرة المفخخة وتمنع انفجارها فوق القوات. تكشف هذه المبادرات حجم الضغط الذي تعيشه الوحدات الإسرائيلية في جنوب لبنان، كما تكشف انتقال البحث عن الحماية من مستوى التخطيط المركزي إلى مستوى الارتجال القتالي داخل الوحدات. كما يتحدث الجيش عن تدريب الجنود على التباعد والاحتماء والمناورة والمرور عبر التحصينات. وهذا يعني أن المؤسسة العسكرية لا تبحث عن سلاح اعتراض فقط وإنما تحاول تقليل أثر الإصابة عندما تعجز منظومات الكشف والحماية عن منع الهجوم.

في المحصلة، يظل التقدير المركزي واضحًا، لا يملك الجيش الإسرائيلي في هذه المرحلة حلًا شاملًا أمام المسيّرات المتفجرة الموجهة بالألياف البصرية. لذلك يدخل الطرفان سباق تعلم وتسليح مفتوحًا، إذ أن كل حل إسرائيلي يدفع حزب الله إلى تعديل أسلوب القتال، وكل ثغرة في الكشف أو الحماية تمنح المسيّرة فرصة جديدة لإعادة تعريف كلفة البقاء الإسرائيلي داخل جنوب لبنان.

الكلمات المفتاحية

النووي الإيراني.jpg

ما الذي تخشاه إسرائيل من فترة المفاوضات المقبلة مع طهران؟

يديعوت أحرونوت: اليورانيوم المخصب لدى إيران يكفي نظريًا لأكثر من 12 قنبلة نووية.


كيف غيّر التفاهم الأميركي الإيراني أجواء الكابينت الإسرائيلي؟

كيف غيّر التفاهم الأميركي الإيراني أجواء الكابينت الإسرائيلي؟

كشفت القناة 12 عن تسريبات من داخل جلسة الكابينت، أظهرت أجواءً متوترة سبقت إعلان رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو عن تطورات تتعلق بتفاهمات أميركية إيرانية


هآرتس: المؤسسة العسكرية الإسرائيلية تخشى تقييد حرية عملها في لبنان

هآرتس: المؤسسة العسكرية الإسرائيلية تخشى تقييد حرية عملها في لبنان

يأتي ذلك في وقت تتواصل فيه العمليات العسكرية هناك بوتيرة متصاعدة


مسؤولون أميركيون وإسرائيليون: الانسحاب من لبنان ليس جزءًا من الاتفاق مع إيران

مسؤولون أميركيون وإسرائيليون: الانسحاب من لبنان ليس جزءًا من الاتفاق مع إيران

قال مسؤولون إسرائيليون إن حدود ما هو مسموح وما هو محظور ضمن التفاهمات لم تتضح بعد بشكل كامل

عن بعد.. الولايات المتحدة وإيران توقّعان مذكرة تفاهم لإنهاء الحرب
أخبار

عن بعد.. الولايات المتحدة وإيران توقّعان مذكرة تفاهم لإنهاء الحرب

كان في الأصل مقررًا إتمام التوقيع الرسمي يوم الجمعة في سويسرا، غير أن مصادر دبلوماسية أفادت بأن مناقشات جرت لتقديم الموعد، وذلك بهدف فتح مضيق هرمز في أقرب وقت ممكن، وهو ملف توصّل إليه الطرفان إلى اتفاق مسبق.

إسرائيل تسرع اتصالاتها مع لبنان لسـحب ورقـة انـسحاب الجيش الإسرائيلي من يد إيران
أخبار

إسرائيل تسرع اتصالاتها مع لبنان لسـحب ورقـة الانسحاب من الجنوب من يد إيران

قال مسؤول إسرائيلي إن تل أبيب لا تتوقع ضغطًا أميركيًا عليها للانسحاب من لبنان في الوقت الحالي


نقاش في الكنيست: تصاعد الهجرة من إسرائيل بين الشباب وأصحاب الكفاءات
أخبار

نقاش في الكنيست: تصاعد الهجرة من إسرائيل بين الشباب وأصحاب الكفاءات

تسلط الأرقام الضوء على تنامي ما يُعرف بـ"هجرة الأدمغة"، إذ تتركز الهجرة بصورة متزايدة بين أصحاب المؤهلات العلمية والمهنية العالية

"سي أن أن" تنشر نسحة من الاتفاق الأميركي الإيراني المكون من 14 بندًا
أخبار

"سي أن أن" تنشر نسحة من الاتفاق الأميركي الإيراني المكون من 14 بندًا

وصف مسؤولون أميركيون المذكرة بأنها "وثيقة سياسية" لا تعكس الالتزامات الجوهرية التي قدمتها إيران للولايات المتحدة عبر القنوات الخلفية

الأكثر قراءة

1
تقارير

البحر لم يعد متنفسًا.. كيف تغيّر صيف غزة بعد الحرب؟


2
قول

مروان البرغوثي وكأس العالم


3
تقارير

هكذا يُستهدف الأطفال في غزة.. والد الطفل جاد لـ"الترا فلسطين": قبَّل يدي ثم خطفه الصاروخ


4
تقارير

خاص | لقاءات فصائلية قبيل جولة تفاوضية بين حماس والوسطاء: لرد موحد على ملادينوف


5
تقارير

بعد اقتحام سموتريتش.. تصاعد المخاوف من الاستيلاء على برك سليمان