ultracheck
تقارير

حرب تمحو تفاصيل الطفولة في غزة.. والألعاب أول ضحاياها

6 يونيو 2026
 حرب تمحو تفاصيل الطفولة في غزة.. والألعاب أول ضحاياها
سفيان نايف الشوربجي
سفيان نايف الشوربجي صحفي من غزة

أمام خيمتها في أحد مراكز النزوح، تجلس الطفلة ميار فارس (12 عامًا) تتأمل قطعة بلاستيكية مكسورة حوّلتها إلى لعبة صغيرة تشغل بها بعض وقتها. قبل الحرب، كانت تملك ألعابًا تعليمية وترفيهية تقضي ساعات في اللعب بها مع أصدقائها، لكن النزوح المتكرر وتدمير منزل العائلة شرق مدينة خان يونس حرماها من كل ذلك.

روت ميار لـ"الترا فلسطين": إن طفولتها تغيّرت تمامًا منذ بداية الحرب، إذ لم تعد هناك ساحات للعب أو ألعاب جديدة، ولا حتى مكان آمن تستطيع أن تعيش فيه يومها بشكل طبيعي كما كان في السابق.

تجسد قصة ميار واقع آلاف الأطفال في قطاع غزة الذين فقدوا ألعابهم وبيئاتهم التعليمية ومساحات الفرح الآمنة، لتصبح الطفولة نفسها واحدة من أبرز ضحايا الحرب المستمرة

وأضافت أن العيد الأخير مرّ مثل أي يوم ثقيل آخر، لكنه كان أكثر إيلامًا لأنها لم تستطع شراء أي لعبة كما كانت تفعل في كل عيد قبل الحرب.

وأشارت إلى أن آخر لعبة حصلت عليها كانت قبل اندلاع الحرب، لافتة إلى أن الألعاب اليوم إما غير موجودة في الأسواق أو أصبحت أسعارها مرتفعة جدًا، لافتةً إلى أن معظم الأطفال لم يتمكنوا اليوم من الحصول على الألعاب، خصوصًا في ظل الظروف الصعبة التي تعيشها العائلات داخل مخيمات النزوح.

وتقضي الطفلة معظم وقتها داخل الخيمة، حيث تحاول مع أطفال آخرين ابتكار ألعاب بدائية من الكرتون والعبوات البلاستيكية الفارغة، في محاولة لملء فراغ فرضته الحرب على تفاصيل طفولتهم اليومية.

وأكدت أن الأطفال في غزة لم يُحرموا فقط من ألعاب التسلية، بل أيضًا من الألعاب التعليمية والوسائل التي تساعدهم على التعلم وتنمية مهاراتهم، بعدما منع الاحتلال ادخال هذه المنتجات منذ بداية الحرب.

وعن أمنيتها، أجابت ميار: "أتمنى الحصول على لعبة مثل التي كانت عندي قبل الحرب". قبل أن تتوقف للحظة وأضافت: "لكنني أتمنى أكثر أن نعود إلى بيتنا وأن أعيش مثل أي طفل في العالم".

تجسد قصة ميار واقع آلاف الأطفال في قطاع غزة الذين فقدوا ألعابهم وبيئاتهم التعليمية ومساحات الفرح الآمنة، لتصبح الطفولة نفسها واحدة من أبرز ضحايا الحرب المستمرة. وبين النزوح المتكرر، وغياب المساحات الآمنة، وتوقف دخول الألعاب وارتفاع أسعار ما تبقى منها، بات اللعب بالنسبة لكثير من الأطفال حقًا غائبًا وذكريات بعيدة أكثر من كونه جزءًا من واقعهم اليومي.

منذ اندلاع الحرب في تشرين الأول/ أكتوبر 2023، أدت القيود المفروضة على المعابر وحركة البضائع، إلى جانب الدمار الواسع الذي طال المدارس ورياض الأطفال والمراكز المجتمعية، إلى حرمان الأطفال من الألعاب والوسائل التعليمية التي كانت تشكل جزءًا من نموهم وتعلمهم، ومع تفاقم الأوضاع الاقتصادية والنزوح المستمر، تراجعت قدرة الأسر على تلبية احتياجات أطفالها الأساسية، فيما اختفت معظم الألعاب من الأسواق أو أصبحت أسعارها خارج متناول أغلب العائلات.

وبهذا الواقع، لم يعد الأطفال يفتقدون أدوات الترفيه فقط، بل أيضًا الوسائل التعليمية التي تساعدهم على التعلم والتفكير والتعبير عن أنفسهم، في وقت باتت فيه الخيام بديلًا عن الغرف، والركام بديلًا عن الساحات، والحجارة عوضًا عن الألعاب والانتظار خيارًا آخر عن تفاصيل الطفولة.

وأشارت منظمات أممية ومختصون في شؤون الطفولة إلى أن الأزمة لا تقتصر على الاحتياجات الأساسية من غذاء ومأوى، بل تمتد إلى فراغ نفسي واجتماعي متزايد يعيشه الأطفال في بيئة تفتقر إلى اللعب والأنشطة المنظمة، رغم تأكيد هذه الجهات أن اللعب يمثل جزءًا أساسيًا من حماية الأطفال ودعم صحتهم النفسية خلال الأزمات والنزاعات.

من جانبها، قالت إيمان أبو نصر، (33 عامًا) وهي أم لأربعة أطفال نازحين في خان يونس، إن الحرب لم تنتزع منهم منازلهم ومدارسهم فقط، بل سرقت أيضًا أبسط ملامح الطفولة، وفي مقدمتها الألعاب التي كانت تشكّل متنفسًا يوميًا للأطفال ومصدر فرحهم الوحيد.

وأوضحت لـ" الترا فلسطين" أن ألعاب أطفالها التي جمعت على مدار سنوات ضاعت مع النزوح المتكرر، فيما اختفت بدائلها تمامًا من الأسواق بسبب منع إدخالها منذ بداية الحرب وارتفاع أسعار ما تبقى منها بشكل يفوق قدرة العائلات المنهكة أصلًا بتأمين احتياجاتها الأساسية، "كيف يمكن أن تفكر بشراء لعبة لأربعة أطفال بينما تعجز أحيانًا عن توفير الغذاء"، تقول الأم.

وأشارت إلى أن يوميات أطفالها تغيّرت بشكل لافت؛ إذ باتوا أكثر عزلة وقلقًا، يقضون ساعات طويلة داخل الخيمة دون نشاط حقيقي، في ظل غياب أي مساحة آمنة للعب أو الترفيه، ومع ذلك، يحاولون ابتكار ألعاب بدائية من الكرتون والعبوات البلاستيكية، أو يلعبون بين الركام والحجارة، إلا أن هذه المحاولات لا تعوّض طفولتهم التي سلبتها الحرب ولا تشبه تفاصيل حياتهم السابقة.

وبينت أن أطفالها كثيرًا ما يسألون عن ألعاب جديدة أو عن العودة إلى المنزل، أسئلة لا تملك لها إجابات، فيما يترك هذا الفراغ أثرًا نفسيًا واضحًا عليهم، بين انفعال سريع وانطواء متزايد.

وأضافت أبو نصر أن حرمان الأطفال من الألعاب لا يرتبط بالترفيه فقط، بل يمسّ قدرتهم على التعبير عن مشاعرهم في بيئة يسيطر عليها الخوف والضغط اليومي، متمنية أن ترى أطفالها يبتسمون بلعبة بسيطة، بعد طفولة اختُصرت بين النزوح والحرمان قبل أن تكتمل.

وفي أحد أسواق مدينة خان يونس التي كانت تعجّ قبل الحرب بمتاجر الألعاب واحتياجات الأطفال، يقف أحمد المصري، صاحب محل "رزان" لألعاب الأطفال، متأملًا رفوفًا شبه خالية لم يتبقَّ عليها سوى عدد محدود من الأصناف التي أوشكت على النفاد. 

وعمل المصري في هذا المجال منذ أكثر من خمسة عشر عامًا، لكنه لم يشهد أزمة كتلك التي فرضتها الحرب، والتي لم تحرم الأطفال من ألعابهم فحسب، بل شلّت أيضًا قطاعًا تجاريًا كاملًا كان يوفر آلاف الأصناف التعليمية والترفيهية لأطفال القطاع.

وقال المصري لـ"الترا فلسطين": "إن سوق الألعاب في غزة كان يشهد حركة تجارية نشطة قبل الحرب، لا سيما خلال الأعياد والمواسم والعطلة الصيفية، حيث كانت المتاجر تستورد تشكيلة واسعة من الدمى والسيارات وألعاب الذكاء والتركيب والوسائل التعليمية التي يقبل عليها الأهالي لتلبية احتياجات أطفالهم وتنمية مهاراتهم".

وأوضح أن دخول الألعاب إلى القطاع توقف بشكل شبه كامل منذ اندلاع الحرب وإغلاق المعابر أمام معظم السلع التجارية، ما أدى إلى استنزاف المخزون المتوفر تدريجيًا واختفاء غالبية الأصناف من الأسواق، مشيرًا إلى أن الأسعار ارتفعت بصورة غير مسبوقة، إذ تجاوزت في بعض الحالات ثمانية أضعاف قيمتها السابقة نتيجة شح المعروض وغياب التوريد المنتظم.

ولفت إلى أن قطاع الألعاب تكبّد خسائر فادحة خلال الأشهر الماضية، سواء بسبب تدمير عدد من المحال التجارية والمخازن، أو نتيجة توقف الاستيراد وانهيار حركة البيع والشراء، ما دفع العديد من التجار إلى إغلاق محالهم أو التحول إلى بيع سلع أساسية تتناسب مع أولويات السكان في ظل الأزمة الإنسانية المتفاقمة.

واستذكر المصري مواسم الأعياد السابقة التي كانت تشهد إقبالًا كبيرًا على شراء الألعاب، مؤكدًا أن المشهد تبدّل كليًا خلال الحرب، إذ بات الكثير من الأطفال يكتفون بالنظر إلى ما تبقى من ألعاب دون القدرة على شرائها بسبب الأوضاع الاقتصادية الصعبة.

وأشار إلى أن الأسواق تكاد تخلو من الألعاب بمختلف أنواعها، لا سيما الألعاب التعليمية والإلكترونية وألعاب البناء والتركيب والدمى والسيارات التي تعمل بالبطاريات، بعدما اختفت غالبية الأصناف التي كانت تشكل جزءًا أساسيًا من حياة الأطفال ووسائل ترفيههم قبل الحرب.

بدورها، أكدت الإخصائية النفسية آية المقيد أن اللعب لا يُعد وسيلة للترفيه فحسب، بل يمثل أداة أساسية في النمو النفسي والعاطفي والمعرفي للطفل، إذ يساعده على التعبير عن مشاعره وتطوير مهارات التفكير والتعلم والتفاعل مع الآخرين، كما يشكل متنفسًا طبيعيًا للتخفيف من الضغوط والصدمات التي يتعرض لها.

وأوضحت لـ"الترا فلسطين" أن حرمان الأطفال من الألعاب والأنشطة الترفيهية والتعليمية، إلى جانب الحرب والنزوح وفقدان الأمان، فاقم معاناتهم النفسية وحرمهم من وسيلة مهمة للتكيف مع الظروف القاسية، ما انعكس بارتفاع معدلات القلق والخوف واضطرابات النوم والانطواء والاكتئاب لدى كثير منهم.

ولفتت إلى أن غياب الألعاب والمساحات الآمنة للعب دفع العديد من الأطفال إلى قضاء أوقاتهم بين الركام والأزقة الضيقة ومحيط الخيام، ما يعرضهم لمخاطر جسدية ونفسية متزايدة، كما أسهم غياب الأنشطة التعليمية التفاعلية والألعاب التربوية في تراجع التحصيل الدراسي والمهارات المعرفية للأطفال، خاصة في ظل تعطل العملية التعليمية لفترات طويلة.

وأشارت إلى أن الأطفال الذين يعيشون تجارب الحرب غالبًا ما يعجزون عن التعبير بالكلمات عما تعرضوا له من أحداث قاسية، فيلجؤون إلى اللعب لإيصال مشاعرهم ومخاوفهم، لذلك فإن فقدان الألعاب يحرم المختصين والأسر أيضًا من وسيلة مهمة لفهم ما يمر به الأطفال من اضطرابات ومخاوف داخلية وكيفية التعامل معهم.

وأضافت: "أن بعض الأطفال يلجؤون خلال جلسات الدعم النفسي إلى تحطيم الألعاب أو المجسمات التي يصنعونها، في سلوك يُعدّ شكلًا من أشكال التفريغ الانفعالي والتعبير غير المباشر عن مشاعر الخوف والصدمات التي خلّفتها مشاهد القصف والدمار التي مروا بها".

وشددت المقيد على أن توفير الألعاب والأنشطة الترفيهية والتعليمية خلال الحروب يمثل جزءًا أساسيًا من حماية الأطفال ودعم صحتهم النفسية والاجتماعية، محذرة من أن استمرار حرمانهم منها، إلى جانب تعطل التعليم وتكرار الصدمات، قد يترك آثارًا طويلة الأمد على نموهم النفسي والمعرفي.

الكلمات المفتاحية

نهج الاسترضاء.. تصاعد التعيينات والترقيات العليا في السلطة الفلسطينية

نهج الاسترضاء.. تصاعد التعيينات والترقيات العليا في السلطة الفلسطينية

ائتلاف أمان لـ"الترا فلسطين": 179 حركة وظيفية في الفئات العليا خلال 2025 وسط أزمة مالية متفاقمة.. وبعض الترقيات والتعيينات استرضائية لا تخدم المصلحة العامة.


فقد ابنه وزوجته وأُسِر وعُذّب.. صاروخ ينهي رحلة الشرطي سميح الأسود في غزة

فقد ابنه وزوجته وأُسِر وعُذّب.. صاروخ ينهي رحلة الشرطي سميح الأسود في غزة

انتهت رحلة رجل لم تمنحه الحرب فرصة لوداع ابنه، ولا للحزن على زوجته، ولا حتى لبدء حياة جديدة مع بناته الأربعة


المرور عبر معبر كرم أبو سالم

رحلة العودة إلى غزة.. ساعات طويلة من التفتيش والمصادرة والاعتقال عند كرم أبو سالم

إجراءات إسرائيلية مشددة وانتهاكات متكررة بحق المسافرين تشمل سرقة المقتنيات والاعتقال وسوء المعاملة، ازدادت تعقيدًا عقب استحداث نقطة تفتيش جديدة داخل معبر كرم أبو سالم.


لماذا فُصلت الانتخابات التشريعية عن الرئاسية؟

لماذا فُصلت الانتخابات التشريعية عن الرئاسية؟

يرى محللون وخبراء أن من غير الممكن قراءة قرار الفصل بين الاستحقاقين التشريعي والرئاسي بمعزل عن الحسابات السياسية للقيادة الفلسطينية

جيش الاحتلال يعتقل شادي جمعة بعدما قضى 19 عامًا في سجون السلطة
أخبار

بعد 19 عامًا من اعتقاله لدى الأمن الفلسطيني.. الاحتلال يقدّم لائحة اتهام بحق شادي جمعة

الأسير شادي جمعة يقضي حكمًا بالسجن 20 عامًا في سجون السلطة الفلسطينية، وقد أفرج عنه مؤخرًا قبل أن يعلن الاحتلال اعتقاله في عملية خاصة.

انتهاك جديد بحق الأسرى المنوي الإفراج عنهم في صفقة التبادل المقبلة
أخبار

تقرير: الاحتلال يغلق عشرات التحقيقات الخاصة باستشهاد معتقلين من غزة

برر الجيش الإسرائيلي إغلاق الملفات بما وصفه بـ"صعوبات في جمع الأدلة"، رغم أن الوقائع حدثت داخل منشآت تخضع لسيطرته الكاملة.


أحزاب ألمانية تطالب إسرائيل بوقف تشريع عقوبة إعدام الأسرى الفلسطينيين
أخبار

"إسرائيل" تمهد لخطة بن غفير بإحاطة سجن للأسرى بالتماسيح

وزيرة حماية البيئة في حكومة الاحتلال أجرت تعديلًا على تعريف قانوني يتعلق بالحيوانات البرية، بهدف تجاوز اعتراض سلطة الطبيعة وتمكين نقل تماسيح إلى منشأة لاعتقال الفلسطينيين.

استطلاع "معاريف": تراجع الائتلاف الحاكم وصعود معسكر المعارضة إلى 61 مقعدًا
أخبار

استطلاع إسرائيلي: الائتلاف يتراجع إلى 48 مقعدًا والمعارضة ترتفع إلى 62

بيّن الاستطلاع استمرار تصدّر حزب "ياشار!" برئاسة غادي آيزنكوت المشهد السياسي بحصوله على 22 مقعدًا، متساويًا مع حزب الليكود الذي عزز تمثيله بمقعد إضافي.

الأكثر قراءة

1
مقابلات

خاص | محمود مرداوي: اتفاق على غالبية بنود مفاوضات القاهرة وإسرائيل تعطل التوصل لاتفاق


2
تقارير

الانتخابات التشريعية.. هل يصمد موعد نوفمبر أمام تحديات الانقسام والقدس وغزة؟


3
تقارير

شهادات لـ"الترا فلسطين": نساء بالضفّة يتعرضن للإرهاب الجنسي من المستوطنين


4
تقارير

قبل أن يحمل ابنته ويحرس عرين فلسطين.. رصاصة الاحتلال تُسقط حلم الحارس سليم الأشقر


5
تقارير

"بابا تعال عندنا".. آخر مكالمة بين مالك ووالده قبل استشهاده في دير البلح