ultracheck
تقارير

حسابات بنكية للإيجار في غزة.. أزمة مصرفية ومخاطر قانونية

26 فبراير 2026
حسابات بنكية للإيجار في غزة.. أزمة مصرفية ومخاطر قانونية
عندما يلجأ الناس إلى تأجير حساباتهم، فهذا يدل على صعوبة الوصول الرسمي للخدمات المالية
أحمد الأغا
أحمد الأغا صحفي من غزة، مهتم بالقضايا الاجتماعية

يجلس "رامي" على بوابة أحد متاجر بيع المواد الغذائية في منطقة المواصي غرب مدينة خان يونس، يُحاسب الزبائن عبر التطبيق البنكي ويراجع قيمة فواتيرهم، لكنه يُحيلهم للدفع عبر حساب بنكي آخر ليس مخصصًا باسمه. وعند سؤالنا عن سبب ذلك الاختلاف، أجاب: "لأن البنك يرفض حاليًا فتح حسابات للتجار، في حين أن معظم عمليات الدفع الآن تتم عبر التطبيق".

 تأجير الحسابات البنكية يوسع "الاقتصاد الموازي" غير الرسمي، ويؤدي لصعوبة تتبع الحركة المالية الحقيقية، وتضاربٍ في بيانات النشاط الاقتصادي، كما أنها تزيد من مخاطر الاحتيال والنصب

ونتيجة لهذا التضييق، اضطر "رامي" - الذي طلب عدم كشف هويته - إلى الاتفاق مع تاجر آخر على استخدام حسابه البنكي، بعد أن دمّر الاحتلال كل مشروعاته خلال الحرب، ولم يعد باستطاعته العودة من جديد في مجال عمله، "لذلك كلانا مستفيد من هذا الحل الاضطراري" وفق قوله.

ويشرح "رامي" تفاصيل الاتفاق مع صاحب الحساب مبينًا أنه يدفع له شهريًا 800 شيكلاً، وقال: "لم يكن بيننا اتفاق أو عقد مكتوب أو ضمانات على أي شيء. فالاتفاق كان شفهيًا، وفعليًا لا أحد متضرر من ذلك حتى الزبائن. وهو حلٌ مؤقت ريثما يستجيب البنك لمطالباتنا بفتح حسابات للتجار".

هذا الاتفاق بين التاجرين ليس استثناءً في غزة، بل بات ظاهرة مع رفض البنوك فتح حسابات مخصصة للتجار، أو فرض اشتراطات معقدة على تعاملات حسابات الشمول المالي المُخصصة للأفراد، ما يثير مخاطر قانونية ومالية قد تتحول إلى قنبلة موقوتة في القطاع المصرفي المحلي.

ما هي سلبيات تنامي الظاهرة؟

وبحسب الخبير الاقتصادي محمد بربخ فإن هذه الظاهرة برزت نتيجة للوضع الاقتصادي المضطرب والمعقد الذي يتسم بشح السيولة النقدية، بالإضافة إلى الإجراءات والقيود على التحويلات المالية وغياب الخدمات المصرفية.

وقال بربخ: "بات الحساب البنكيّ الفعّال موردًا ماليًا يُمكن استغلاله، بسبب الظروف المعيشية وارتفاع معدلات البطالة والفقر، ما يدفع البعض لتأجير حساباتهم مقابل عمولة معينة، فضلاً عن التشديد في فتح الحسابات، وكذلك الحاجة للحساب المصرفي بسبب نقص النقد وتزايد ثقة التعامل الإلكتروني".

ويشرح بربخ في حديث لـ"الترا فلسطين" سلبيات تنامي هذه الظاهرة في الهروب من الرقابة من خلال توزيع الأموال على عدة حسابات، وبالتالي عدم قدرة الجهات الرسمية على تحديد النشاط الحقيقي، فضلاً عن أنها وسيلة لتسهيل حركة استقبال الأموال ووسيلة للتهرب الضريبي.

وقال بربخ: "عندما يلجأ الناس إلى تأجير حساباتهم، فهذا يدل على صعوبة الوصول الرسمي للخدمات المالية، وضعف الثقة أو القدرة على الامتثال لمتطلبات البنوك، كما أنه يدل على وجود فئات تقع عليها إشكاليات لكنها تمتلك حسابات مصرفية".

وبيّن أن تأجير الحسابات البنكية يوسع "الاقتصاد الموازي" غير الرسمي، ويؤدي لصعوبة تتبع الحركة المالية الحقيقية، وتضاربٍ في بيانات النشاط الاقتصادي، كما أنها تزيد من مخاطر الاحتيال والنصب وهو الأخطر على مقدرات النشاط الاقتصادي، وتخفض الإيرادات الضريبية المحتملة بسبب زيادة في معدلات التهرب.

وأضاف أن الظاهرة تُحدث تأثيرات قاسية على الاستقرار المصرفي متمثلةً في تزايد مخاطر غسل الأموال التي تحاربها الجهات المختصة، وهذا ما قد يُعرض البنوك للعقوبات المحلية والدولية في مجال مكافحة الإرهاب، علاوة على إرباك النظام الاقتصادي في اتخاذ قرارات باحتمال تجميد حسابات مالية بشكل مفاجئ.

سيناريوهات متوقعة للحل

وتحدث بربخ عن عدة سيناريوهات لمستقبل هذه الأزمة، أولها الصمت عليها من الجهات الناظمة وبالتالي استمرارها، وهذا يعني انتشار السوق الموازي وارتفاع معدل الجريمة المالية وغياب الرقابة.

أما السيناريو الثاني فهو "التنظيم الجبري"، وهذا، وفقًا لبربخ، "يعني تجميد حسابات كثيرة، مما يؤدي لإرباك السوق ويُعطل التجارة، لكن تأثيره محدود حتى إعادة التوازن".

وأوضح بربخ أن السيناريو الثالث هو "التدخل الناعم"، من خلال تطوير أدوات دفع إلكترونية حديثة ومتابعة الحسابات البنكية أولاً بأول.

وفي ختام حديثه، شدد بربخ على ضرورة تسهيل فتح الحسابات للفئات المختلفة وتطوير المحافظ الإلكترونية و التوسع في الحدود المسموحة للحسابات الصغيرة كحلول منتظرة لتدارك هذه المعضلة، مضيفًا: "لا بد من تعزيز أنظمة تتبع العمليات المشبوهة، ومعالجة أزمة السيولة النقدية للوصول إلى تحسين ودعم الشمول المالي الحقيقي".

ماذا يقول القانون؟

يؤكد الباحث المتخصص في الشؤون القانونية عبدالله شرشرة أن تأجير الحساب البنكي "غير مشروع" لأنه يخالف طبيعة العلاقة التعاقدية بين العميل والبنك، التي تقوم على مبدأ "الشخصية"، أي أن الحساب مُنشأ لاستعمال صاحبه فقط.

وقال شرشرة: "لا توجد في القواعد القانونية أحكامٌ تُبيح نقل حق استعمال الحساب للغير مقابل منفعة".

وأكد شرشرة في حديثه لـ"الترا فلسطين" أن مبدأ "الضرورة" في القانون لا يبرر الأفعال التي قد تُستخدم كوسيلة لارتكاب جرائم مالية أو التحايل على الرقابة المصرفية، لذلك تبقى المخالفة قائمة قانونًا حتى إن كانت الدوافع معيشية.

وبيّن أن الخطورة في تأجير الحسابات لا تقتصر على مخالفة تعليمات مصرفية فحسب، بل تمتد إلى تهديد السلامة القانونية للأفراد والنظام المالي ككل. وأضاف: "الحساب المؤجَّر قد يُستخدم في الاحتيال الإلكتروني أو تحويل أموال مجهولة المصدر أو التحايل على القيود المالية".

 الخطورة في تأجير الحسابات لا تقتصر على مخالفة تعليمات مصرفية فحسب، بل تمتد إلى تهديد السلامة القانونية للأفراد والنظام المالي ككل

وأكد شرشرة أنه في بيئة متأزمة مثل قطاع غزة حيث تقل البدائل المصرفية بسبب إغلاق الفروع وتعطل الأنظمة، تزداد احتمالية انتشار هذه الظاهرة، ما يخلق "اقتصاد ظل مالي" غير خاضع للرقابة، ما يرفع مستوى المخاطر القانونية على المجتمع ككل.

وردًا على سؤالنا حول العقوبات المحتملة لطرفي تأجير الحساب، أوضح شرشرة أنها تتدرج بحسب خطورة الاستخدام الفعلي للحساب، وقال: "في الحالات البسيطة قد تقتصر العقوبة على إغلاق الحساب وإدراج صاحبه في قوائم الحظر المصرفي. أما إذا ارتبط الحساب بعمليات مالية مشبوهة فقد تصل العقوبات إلى الغرامات الكبيرة أو الملاحقة الجنائية، وقد تُفرض إجراءات تحفظية مثل تجميد الأموال أو مصادرتها مؤقتًا إلى حين التحقق من مشروعيتها".

وطالب شرشرة البنوك الفلسطينية باتخاذ إجراءاتٍ لتسهيل فتح الحسابات للتجار من أجل تفادي الظاهرة. وأكد أن الجهات الرقابية، وعلى رأسها سلطة النقد الفلسطينية، لها دورٌ أساسي في الحد من الظاهرة عبر أدوات رقابية بديلة مثل المتابعة الرقمية للعمليات، وتفعيل أنظمة الإنذار المبكر للحركات غير الاعتيادية، وتعزيز التوعية القانونية للعملاء.

كما طالب شرشرة بضرورة تطوير حلول رسمية طارئة للتحويلات المالية الآمنة، مشددًا على أن المعالجة الأمنية وحدها لا تكفي، "بل يجب توفير بدائل قانونية ميسّرة تمنع الناس من اللجوء إلى حلول غير نظامية" حسب قوله.

الكلمات المفتاحية

خاص الترا فلسطين | ترقّب لردّ حماس على "ورقة ملادينوف".. والوسطاء يسعون لتقديم مقترح جديد

خاص الترا فلسطين | ترقّب لردّ حماس على "ورقة ملادينوف".. والوسطاء يسعون لتقديم مقترح جديد

مصدر لـ"الترا فلسطين": ملادينوف حاول الضغط على حركة حماس خلال اللقاء الثنائي، مطالبًا إياها بالرد على ورقته بـ"نعم أو لا"


تفتيش مُهين وأمل خائب.. عودة مؤقتة لنساء مخيم جنين تكشف حجم الكارثة

تفتيش مُهين وأمل خائب.. عودة مؤقتة لنساء مخيم جنين تكشف حجم الكارثة

لساعتين فقط، سُمح لعشرات النساء من مخيم جنين بالدخول إلى ما تبقى من منازلهن، بعد شهور من التهجير القسري، ليجدن أن ما تركنه خلفهن لم يعد يشبه ما كان.


أزمة متعددة الأبعاد: نقص الوقود وقطع الغيار يعرقل إنقاذ الأرواح في غزة

أزمة متعددة الأبعاد: نقص الوقود وقطع الغيار يعرقل إنقاذ الأرواح في غزة

ولدت في قطاع غزة أزمة جديدة زادت المشهد تعقيدًا وتهدد بانهيار العمل الإغاثي والإنساني، وهي أزمة نقص الوقود وقطع الغيار


بؤرة استيطانية ترسم واقعًا جديدًا في تياسير: اعتداءات متصاعدة وتهديد بالتهجير

بؤرة استيطانية ترسم واقعًا جديدًا في تياسير: اعتداءات متصاعدة وتهديد بالتهجير

موقع البؤرة الاستيطانية بين تياسير والعقبة ليس عشوائيًا، فقد أقيمت في منطقة تشكل حلقة وصل بين ثلاثة تجمعات فلسطينية

مشروع الحاجز التحت أرضي في غزة: منظومة هندسية معقّدة لمواجهة الأنفاق
راصد

مشروع الحاجز التحت أرضي في غزة: منظومة هندسية معقّدة لمواجهة الأنفاق

كشفت قناة "آي 24 نيوز" الإسرائيلية، في تقرير خاص بثّت فيه تفاصيل ما وصفته بمشروع "الحاجز التحت أرضي"، الذي يعمل جيش الاحتلال على إقامته في قطاع غزة

بعد أوربان: المجر تواصل دعم نتنياهو بدعوة رسمية وزيارة مرتقبة
أخبار

بعد أوربان: المجر تواصل دعم نتنياهو بدعوة رسمية وزيارة مرتقبة

أجرى رئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو، يوم الأربعاء، اتصالًا هاتفيًا وُصف "بالودي" مع رئيس الحكومة المجري المنتخب بيتر ماغيار


تصاعد خروقات اتفاق غزة: إصابات في استهدافات متفرقة للمدنيين
أخبار

تصاعد خروقات اتفاق غزة: إصابات في استهدافات متفرقة للمدنيين

أفاد مراسل "الترا فلسطين" يوم الأربعاء، بوقوع إصابات نتيجة خرقين منفصلين للاتفاق في مدينة غزة

كتاب "ما ورد": تأمل سردي في المجزرة والألم الإنساني
منوعات

كتاب "ماء ورد": تأمل سردي في المجزرة والألم الإنساني

يقدّم الكتاب نصوصًا تتأمل المجزرة بوصفها حضورًا يوميًا يطال الوعي والذاكرة

الأكثر قراءة

1
تقارير

خاص الترا فلسطين | ترقّب لردّ حماس على "ورقة ملادينوف".. والوسطاء يسعون لتقديم مقترح جديد


2
قول

ما بين بائع التذاكر وبائع المرايا


3
تقارير

خاص | لقاء مرتقب لحماس مع ملادينوف: لا نقاش حول السلاح قبل إتمام المرحلة الأولى من اتفاق غزة


4
راصد

حُكام بريطانيا شركاء في إبادة قطاع غزة


5
تقارير

ريتاج ريحان.. طفلة قُتلت برصاصة إسرائيلية داخل خيمتها الدراسية في بيت لاهيا