حساسية الإبادة غير المفرطة
15 يوليو 2026
عندما يفقِد الإنسان شخصًا عزيزًا، لا يعود قادرًا على تَقبّل أي كلمة تُحوّل موته إلى مادة للخطابة، أو وسيلة للتملّق، أو رقم في خطاب سياسي. كما يزداد الأمر قسوة، عند فقدان أكثر من شخص عزيز دفعةً واحدة، خصوصًا لو ترافق ذلك مع خسارة المكان الذي احتضنَ الذكريات معهم، كالبيت والحارة والشارع.
أعادت الإبادة تشكيل علاقة الغزيين بالكلمات، وحوّلت بضعة حروف إلى رصاص قادر على القتل كالطائرات تمامًا
هذا تمامًا ما حدثَ مع الغزيين بعد تعرضهم للإبادة الجماعية، حيث أعادت الإبادة تشكيل علاقتهم بالكلمات، وحوّلت بضعة حروف إلى رصاص قادرٍ على القتل كالطائرات تمامًا. فالدماء التي سالت والبيوت التي دُمرتْ، والأحباء الذين لن يعودوا أبدًا؛ أخذوا معهم مجازًا كان محتملًا قبل الإبادة، ولم يعد له مكان اليوم. وهذا ما يجعل الكلمات اليوم تقاس بالأثر الذي تتركه في نفوس من عاشوا أقسى أنواع الفقد، لا بنية من قالها في لقاء تلفزيوني أو عبر بوست على الفيسبوك.
عندما قتلت الإبادة المجاز
قبل الإبادة، كانت هناك مساحة واسعة للمجاز، فعلى الرغم من حالة الفَقد التي لم تتوقف في حياة الغزيين طوال سنوات، إلا أن وقع الكلمات عليهم كان أهون، وكانت تؤخذ غالبًا في سياق "النِكات السمجة"، حتى إن البعض لم يكن يتعاطى معها أصلًا كونها كلمات ليست ذات أهمية، فلا ضير من وصف الغزيين بالأبطال، ولا مشكلة إن رأى البعض فيهم أسطورة لا تُهزم. ففي ظل استمرار الحياة، كانت هناك أشياء أكثر أهمية بالنسبة للناس من الكلمات طالما أنهم قادرون على العمل والبحث عن المستقبل، ويرجعون في نهاية اليوم إلى بيوتهم.
أما بعد بدء الإبادة، وقد فقدَ الناس أهلهم وذويهم وبيوتهم وأعمالهم، ولم يعد يشغلهم المستقبل بقدر ما يشغلهم كيف ينجون بأطفالهم، اتخذت الكلمات منحنًى مختلفًا تمامًا. عندها فقط أصبحت عبارات مثل: تضحيات، صمود، خسائر تكتيكية، قربان، إعادة إنتاج من ماتوا، كلمات تجرح شيئًا من كبريائهم، يتوقفون عندها كثيرًا كأنها نار تحرق صدورهم. فكيف يتحول الأهل والأحباء إلى خسائر تكتيكية؟ وأيّ أم يمكن أن ترى في طفلٍ جديد تعويضًا عن طفلٍ دفنته بيديها؟
المسافة تصنع اللغة
ألغت الإبادة الجماعية المسافة التي كانت تفصل اللغة عن الواقع في غزة، لذلك لم يعد ممكنًا التعامل مع الكلمات بوصفها مجرّد خطابات سياسية أو مجاز لا يستحق التوقف عنده طويلًا. فأيّ عبارة تُقال أصبحت تُقرأ وتُفهم من خلال ما عايشه الفرد، وتعيده مباشرةً إلى بيته الذي دُمّر، أو طفله الذي انتشلَ من تحت الركام، أو أمه التي فقد صوتها للأبد. وليس في ذلك أيّ مبالغة، فالغضب من الكلمات باتَ بمثابة الدفاع عن الوجود والإنسانية على حدٍّ سواء، لأنّ الاستهانة بهذه التجربة تعني ضمنيًا الاستهانة بأصحابها أيضًا، وبالتالي تجريدهم من كونهم بَشر يستحقون الحياة.
وإذا نظرنا إلى الطرف الآخر الذي يلقي الكلمات وهو جالس في بيته أو متأنقًا أمام شاشة التلفاز، نجدُ أن لغته مفصولة تمامًا عن الواقع، وهنا لا بد أن نشير إلى سببين رئيسيين، أولهما: المسافة الشاسعة بينه وبين ما يعيشه الناس في غزة، فمهما كان الإنسان مدركًا ورأى المجازر وتأمل الأطفال المقطّعين على الشاشات، لا يُمكن أن يشعر بِمَن عايش هذا الشعور واقعًا. أما السبب الثاني، فيرجع إلى أن العديد من الخطابات/المشاريع السياسية والثقافية ما زالت تتعامل مع غزة بأدوات ما قبل الإبادة، وهكذا تختزل الموت في شعارات وتبرر الخسارات الفادحة بالمفاهيم الكبرى.
لماذا لا يقتنعون أنها إبادة؟
على الرغم من مرور أكثر من 1000 يوم على بدء الإبادة، وسقوط عشرات آلاف الشهداء والمصابين، واختفاء الآلاف بين غياهب السجون وتحت الأنقاض، واحتلال إسرائيل لنحو 77% من مساحة غزة، ما زال الكثير من السياسيين والمثقفين يتعاملون مع ما حدث ويحدث بوصفه: جولة حرب جديدة، وليس بوصفه إبادة جماعية غيّرت كلّ شيء بدءًا من الحياة اليومية، مرورًا بصورة الغزي عن نفسه، وصولًا إلى علاقته مع اللغة والكلمات وكيفية تأويلها وفهمها.
ما يحتاجه الغزيون اليوم ليس مجرد كلمة، بل مراجعة شاملة للغة التي تُروى وتُكتب بها إبادتهم
ولعل هذا ما يبرر انشغالهم بتصنيف الضحايا أو وصف من تبقى على قيد الحياة بالأبطال، وإلصاق عبارات الصمود بهم، وكأنهم بذلك يساعدونهم على تعويض ما فقدوا، أو يمنحونهم الأمل بالخلاص، دون أن يدركوا أن كلماتهم هذه تعيد قتلهم مرةً أخرى وتزيد من شعورهم بالوحدة في هذا العالم الواسع. بينما لو تعاملوا مع ما حدث بوصفه إبادة فعلًا، لأصبح السؤال الأهم: ماذا فعلت الإبادة بالغزيين؟ وكيف أعادت تشكيل ذاكرتهم ولغتهم وعلاقاتهم؟ بدلًا من الانشغال بإنتاج أوصاف تجمّل خساراتهم وتحاول جعلها أقلّ وطأة، ما يحوّل الضحايا من بشر يستحقون أن تروى مأساتهم، إلى وسيلة لإثبات صواب فكرة أو مشروع سياسي.
الاعتذار ليس كافيًا
إذا جرحتَ إنسانًا بشتيمة عابرة أو بكلمة قاسية في ساعة غضب، ثمّ اعتذرت، فقد ينجح اعتذارك في مداواة شيء من أثر كلماتك، ومن الممكن أن تعود العلاقة بينكما كما كانت. ولكن عندما تجرحُ إنسانًا فقدَ أهله وبيته وتختزل ما عاشه من إبادة في كلمات لا تشبهها، يصبح اعتذارك أشبه بمحاولة متأخرة لإصلاح ما لا يمكن إصلاحه، لأنكَ بذلك لم تخطئ في اختيار المفردات فقط، بل مسستَ شيئًا يتعلق بذاكرته وكرامته، وطريقته في المحافظة على إنسانية من فَقدهم.
ربما هذا ما يُفسّر حساسية الإبادة عند الغزيين اليوم، وعدم اهتمام غالبيتهم بنية المتحدّث، بقدرِ اهتمامهم بما يسمعونه من قَوله. فمَن خسرَ كلّ شيء لن يقبلَ أن يُبخّس أيّ شيءٍ خسره حتى لو كان حَجرًا! لذلك، لا يُعدّ الاعتذار كافيًا، وما يحتاجه الغزيون اليوم ليس مجرّد كلمة، بل مراجعة شاملة للغة التي تروى وتُكتب بها إبادتهم التي لم تتوقف حتى اليوم.
الكلمات المفتاحية
عباءة الأمل من خيوط الحزن
كان نائل يقول في مقابلة مصوّرة جاءت أمي ذات يوم لزيارتي، وطلبت غطاء فِراشي، ولا أعلم ما الذي تفكّر فيه، وعندما جاءتني في زيارتها الثانية كانت قد حوّلت الغطاء إلى ثوب
هل الانقسام بين دولة إسرائيل ومملكة "يهودا والسامرة" التوراتية ممكن؟
اليمين الاستيطاني لا يريد الانفصال عن إسرائيل وإقامة مملكة مستقلة في الضفة. بل يريد شيئًا أكبر: يريد إعادة تشكيل إسرائيل كلها على صورته.
أول يوم في سجن النقب
دخلت وحدة قمع إلى الغرفة 8، واعتدت على الأسرى فيها بالضرب، قبل أن تُطلق النار داخل الغرفة. أصيب عدد من الأسرى، بينما كان صدى الانفجارات والصراخ يملأ القسم.
الاحتلال يواصل الخروقات.. قصف واستهدافات في خانيونس وانفجار قنبلة في دبابة
وصل جثمان الشهيد محمد بشير يوسف أبو عرمانة، من سكان مدينة دير البلح، إلى مستشفى العودة، بعد استهدافه في منطقة مفترق شارع العشرين بمخيم النصيرات وسط قطاع غزة.
حملة إسرائيلية جديدة لتوجيه إجابات "تشات جي بي تي" حول مجاعة غزة والجيش الإسرائيلي
ليست هذه المرة الأولى التي تعتمد فيها إسرائيل على شبكة "هافاس" لمحاولة التأثير على روبوتات الدردشة الذكية
برصاصة مستوطن.. الممرض محمد مطور يصارع الشلل النصفي ويحلم بالعودة إلى حياته
لم يكن الممرض محمد نبيل مطور، البالغ من العمر 26 عامًا، يتوقع أن تنتهي زيارته إلى منزل ابن خاله في خربة الدوارة، الواقعة بين بلدتي بني نعيم وسعير شرق الخليل، برصاصة إسرائيلية تستقر في عموده الفقري وتغيّر حياته في لحظات.
عباءة الأمل من خيوط الحزن
كان نائل يقول في مقابلة مصوّرة جاءت أمي ذات يوم لزيارتي، وطلبت غطاء فِراشي، ولا أعلم ما الذي تفكّر فيه، وعندما جاءتني في زيارتها الثانية كانت قد حوّلت الغطاء إلى ثوب