دفاتر على الحجارة وظهور منحنية: يوميات التعليم في خيام النزوح
5 مايو 2026
في قطاع غزة، يتشكل مشهد تعليمي خارج عن المألوف؛ خيام مهترئة تمتد فوق أرض رملية قاسية، ومساحات مفتوحة تحولت قسرًا إلى فصول تفتقر لأبسط التجهيزات، بلا مقاعد ولا طاولات.
في هذا الواقع المثقل بالحرمان الذي فرضته الحرب، يجلس الأطفال على الأرض بأجساد منحنية تقاوم ساعات طويلة من الجلوس غير المريح، يثبتون دفاترهم فوق حجارة صغيرة في محاولة متواضعة لمواصلة التعلم، وبين الرمل والخيام، يحملون أحلامًا صغيرة تقاوم الانكسار وسط قسوة الواقع.
"الجلوس على الأرض دون مقاعد وطاولات ينعكس مباشرة على تركيز الطلبة، إذ تظهر عليهم سريعًا علامات الإرهاق والنعاس، ويضطر بعضهم إلى تغيير وضعياتهم أو الاستناد إلى زملائهم بسبب الألم"
في مواصي خانيونس جنوب قطاع غزة، وداخل مدرسة "جورة اللوت الأساسية العليا – زهرة اللوتس للذكور"، يحاول الطفل أمير عسلية (14 عامًا) أن يصنع لنفسه مساحة صغيرة للتعلم وسط نقص حاد في المستلزمات الدراسية وظروف لا تشبه بيئة المدارس المعتادة.
يجلس أمير داخل خيمة تعليمية ضيقة تكاد لا تتسع له ولزملائه، باحثًا عن وضعية تخفف عنه وطأة الجلوس الطويل؛ فلا شيء يسند جسده الصغير سوى الأرض القاسية، ولا شيء يحتضن دفتره سوى ركبتيه المنحنيتين.

داخل هذه الخيمة تتصاعد درجات الحرارة بشكل خانق، لتتحول المساحة الضيقة إلى ما يشبه الفرن، خاصة مع اقتراب فصل الصيف، حيث يواصل أمير الجلوس وسط هذا الحر وهو يحاول التركيز، بينما يتصبب العرق من وجهه في بيئة لا تمنح جسده المنهك أي فرصة للراحة خلال ساعات الدراسة.
بصوت خافت، يقول أمير: "بعد فترة ما بقدر أتحمّل، بوجعني ظهري وبظل أغيّر مكاني عشان يخف الألم، وبضطر أوقف كل نص ساعة حتى أريح رجليّ"، مشيرًا إلى أن الألم مع الحر يبددان تركيزه، فتتحول الحصة إلى جهد مضاعف بين محاولة الفهم ومقاومة التعب.
وفي طريق عودته إلى مكان نزوحه، الذي يبعد نحو ثلاثة كيلومترات عن مدرسته، تتفاقم معاناة أمير؛ إذ يرافقه الألم حتى بعد انتهاء الدوام، فيحتاج إلى وقت ليستعيد قدرته على الحركة بشكل طبيعي، قبل أن يتمكن—إن استطاع—من البدء بواجباته المدرسية، في يوم يتكرر بتفاصيله الثقيلة دون تغيير يُذكر.
مشهد أمير ليس استثناءً، بل هو القاعدة اليومية لعشرات الأطفال الذين يتقاسمون المساحة نفسها ويواجهون الظروف ذاتها.
حجر صغير بدل الطاولة
على بُعد عدة كيلومترات، وفي نقطة "المستقبل المشرق" التعليمية وسط مدينة خانيونس، تتكرر القصة ذاتها مع الطفلة سهيلا شراب (10 أعوام)؛ إذ تمضي ساعات يومها الدراسي جالسة على الأرض في غياب تام للمقاعد والطاولات، محاولةً التأقلم مع واقع مفروض عليها، فتضع حجرًا صغيرًا لتكتب عليه، غير أن جسدها الصغير يعجز عن مجاراة هذا التكيّف القسري.
تقول سهيلا لـ"الترا فلسطين" إن آلام الظهر والرقبة أصبحت جزءًا ثابتًا من يومها الدراسي، ورفيقًا لا يغادرها منذ لحظة الجلوس حتى نهاية الدوام.

ومع مرور الوقت، بدأت تشعر بتراجع قدرتها على التركيز، إذ تتداخل آلام الجسد مع الانتباه للشرح، فتتحول الحصص إلى اختبار إضافي للصبر والتحمّل.
الأهالي بين القلق والعجز
وبينما يحاول الأطفال التمسك بحقهم في التعلم، يقف الأهالي عاجزين أمام واقع لا يملكون تغييره. يروي صبري كنعان (38 عامًا)، والد الطفل بشار (8 أعوام)، كيف تبدلت ملامح يوم ابنه منذ انضمامه إلى النقطة التعليمية.
يقول كنعان لـ"الترا فلسطين": "الطفل يخرج كل صباح متحمسًا، لكنه يعود مثقلًا بالتعب، وأصبح يشتكي من وجع رقبته وظهره طول الوقت"، مضيفًا أن ابنه لم يعد يحتمل الجلوس الطويل وهو منحنٍ على الأرض.
ويتابع: "في بعض الأيام، يضطر للبقاء في المنزل بعدما تشتد عليه الآلام، ويزداد شعوره بالإحباط لأنه غير قادر على مواصلة تعليمه كما يجب". ولا يتوقف الأمر عند الجسد فقط، كما يوضح والده، بل يمتد إلى الجانب النفسي أيضًا؛ إذ بدأ الطفل يفقد حماسه تدريجيًا، وهو يرى نفسه وزملاءه عالقين في الظروف ذاتها.
ويشير إلى أن حتى التفاصيل الصغيرة لم تسلم من هذا الواقع القاسي؛ فملابس الأطفال تتسخ يوميًا من الجلوس على الرمل، ما يضيف عبئًا جديدًا على العائلات التي تعاني أصلًا من شح الإمكانيات.
تعليم بلا مقومات
من جانبه، يصف شعبان صافي، مدير مدرسة "جورة اللوت الأساسية العليا – زهرة اللوتس للذكور" والمختص التربوي، واقع الطلبة داخل الخيام التعليمية بأنه "بيئة تفتقر إلى الحد الأدنى من مقومات التعلم الأساسية".
ويؤكد صافي لـ"الترا فلسطين" أن التحديات لا تقتصر على نقص المواد التعليمية، بل تمتد إلى غياب التجهيزات الأساسية، موضحًا أن العملية التعليمية تواجه صعوبات كبيرة في ظل عدم توفر الكراسي والطاولات والسبورات، إلى جانب نقص المرافق الضرورية مثل الحمامات وخزانات المياه الصالحة للاستخدام.
ويشير صافي إلى أن الخيام تتحول خلال فصل الصيف إلى "بيئة خانقة تشبه البيوت البلاستيكية الزراعية"، في ظل ارتفاع درجات الحرارة والاكتظاظ، لافتًا إلى أن المدرسة تستقبل أكثر من 1200 طالب موزعين على فترات متعددة، ما يحدّ من إمكانية تخصيص فترات استراحة كافية بسبب ضغط الوقت.
كما يلفت إلى وجود طلبة مصابين جراء الحرب، وآخرين يعانون من حالات صحية خاصة لا تمكنهم من الجلوس على الأرض، في وقت تعجز فيه الإدارة عن توفير احتياجاتهم ضمن الإمكانيات المتاحة.
تراجع في التحصيل الدراسي
ومن الناحية التربوية، يوضح صافي أن الجلوس بهذه الطريقة ينعكس مباشرة على تركيز الطلبة، إذ تظهر عليهم سريعًا علامات الإرهاق والنعاس، ويضطر بعضهم إلى تغيير وضعياتهم أو الاستناد إلى زملائهم بسبب الألم، ما يخلق حالة من الشرود الذهني داخل الحصة، ويضعف تفاعلهم مع المعلم، وتتراجع قدرتهم على التركيز والتكيف مع بيئة التعلم.
ويختتم بالتنبيه إلى أن تداعيات هذه الأوضاع لا تقتصر على الجانب التعليمي، بل تمتد إلى الصحة النفسية للأطفال، الذين يواجهون يوميًا بيئة تعليمية قاسية لا تساعدهم على التعلم أو الاستقرار.
تشوهات صامتة في النمو
بدوره، يحذر الدكتور محمود أبو شحادة، استشاري ورئيس قسم العظام في مستشفى ناصر الطبي، من المخاطر الصحية لجلوس الطلبة لساعات طويلة على الأرض داخل الخيام التعليمية، مؤكدًا أن ذلك يهدد نمو العمود الفقري لدى الأطفال.
ويوضح أبو شحادة لـ"الترا فلسطين" أن الجلوس بوضعيات غير سليمة يؤدي إلى انحناء الجسم ونمو غير طبيعي قد يتطور إلى تحدّب أو انحراف دائم يصعب علاجه لاحقًا.
ويشير إلى أن التأثيرات لا تقتصر على العظام فقط، بل تمتد إلى العضلات والمفاصل، مسببة إجهادًا مستمرًا وآلامًا في الظهر والرقبة والركبتين، خاصة لدى الأطفال في مراحل النمو المبكرة. كما يمكن رصد مؤشرات مبكرة مثل انحناء الظهر أو الرأس، والتي قد تتفاقم إلى آلام مزمنة وتشوهات في العمود الفقري على المدى البعيد.
ويضيف أن آثار الجلوس غير الصحي قد تؤدي إلى انكماش القفص الصدري وزيادة الجهد التنفسي، ما يقلل من وصول الأكسجين إلى الدماغ ويضعف التركيز والقدرة على الفهم والتعلم.
ويشدد على ضرورة توفير بيئة جلوس صحية للأطفال، تتضمن مقاعد مناسبة تدعم الظهر وطاولات بارتفاع ملائم، إلى جانب تشجيعهم على ممارسة التمارين الرياضية التي تعزز قوة عضلات الظهر والرقبة وتحافظ على استقامة العمود الفقري، بهدف الحد من الأضرار المحتملة.
الكلمات المفتاحية
نقص أدوية وديون بمليارات الشواكل.. القطاع الصحي في الضفة على حافة الانهيار
أكثر من 35.5% من الأدوية في وزارة الصحة رصيدها الصفر، و50 صنفًا دوائيًا من أصل 97 صنفًا دوائيًا لمرضى السرطان رصيدها صفر
حرب تمحو تفاصيل الطفولة في غزة.. والألعاب أول ضحاياها
بات اللعب بالنسبة لكثير من الأطفال في غزة حقًا غائبًا وذكريات بعيدة أكثر من كونه جزءًا من واقعهم اليومي
9 إصابات وسرقة 50 رأسًا من الأغنام في هجوم للمستوطنين على حوارة جنوب نابلس
تزامن الهجوم على حوارة مع اعتداءات أخرى نفذها مستوطنون في بلدتي عينبوس وجماعين القريبتين من حوارة جنوب نابلس، في إطار تصاعد هجمات المستوطنين على قرى وبلدات المحافظة
استشهاد المنفد.. مقتل مستوطن وإصابة 5 آخرين في عملية إطلاق نار في "كوخاف يائير"
عملية إطلاق نار متدحرجة وقعت في عدة مواقع، شملت محطة وقود قرب مستوطنة كوخاف يائير، ومنطقتي تسور يتسحاق وتسور ناتان
الضفة: 9 معتقلين بينهم أكاديميّ ومستوطنون يهاجمون عمالًا في جلجليا
اعتقلت قوات الاحتلال، فجر اليوم، المحلل السياسي ورئيس قسم العلوم السياسية في جامعة الخليل، بلال الشوبكي، بعد الاعتداء عليه بالضرب.
إعلان حالة الاستثناء الفلسطينية
يجب الرد على هذه الحالة الاستبدادية التي تتلبس الطوارئ لتخفي قاعدتها، بحالة استثناء أخرى تتمثل بإعلان الثورة والخلاص من الطغيان
حرب حزيران 1967: جرائم موصوفة في الضفة وغزة والجولان وسيناء
جندي خدم في قطاع غزة، قال إن حياة البشر لم تكن ذات قيمة هناك، مضيفًا: "كان بإمكانك أن تقتل، لم يكن هناك قانون. لم يكن أحد سيقول لك شيئًا".