ultracheck
ذاكرة وطنية

في أيام الإبادة.. رحلة البحث عن الطبيب عدنان البرش والأسئلة التي تُعذّب زوجته

26 نوفمبر 2024
الطبيب الشهيد عدنان البرش.png
(ultrapal) الطبيب الشهيد عدنان البرش، اعتقل يوم 19 كانون الأول/ديسمبر 2023 خلال الإسرائيلية المستمرة على قطاع غزة
هديل عطا الله
هديل عطا الله كاتبة صحفية من غزة

في أزقة جباليا كان عدنان البرش، واحدًا من أطفال الحجارة، وله قصة يعرفها المقربون منه عندما كان في الصف الأول الإعدادي، حين صعد إلى سقف المدرسة، وكان من القرميد، وفي تلك الأثناء ألقى الحجارة على جيب إسرائيلي كان مارًّا، فسقط من السقف أرضًا، وفي إثر ذلك كُسر حوضه، وكانت النتيجة أنه أُلْبِس "الجبس الكامل" كالبنطال، ولمدة ستة أشهر بقي ممددًا على ظهره.

الآلام التي شعر بها في تلك الفترة، دفعته لاتخاذ القرار بأن يصبح طبيبًا للعظام حتى يخفّف آلام الأطفال، وهذا ما حدث، لقد أضحى أحد أشهر جراحيّ غزة، ماهر وطموح، تمامًا كما أراد.

ولم يتوقع يومًا، رئيس قسم العظام في مستشفى الشفاء واستشاري جراحة العظام والمفاصل، الذي تعرفه كل غزة، أن يستشهد، ولا ألمح يومًا إلى أن الاحتلال قد يستهدفه. وهو من قال بصوت دامع في مقابلة سابقة: "الحمد لله.. والله أدينا الرسالة، وأجرنا على الله"، فيما وصل خبر استشهاده إلى زوجته ياسمين، في ظهيرة يوم كانت تحضّر فيه وجبة الغداء، وهذه المرة كانت "فاخرة" قياسًا بما يُعد في الحرب، ملوخية باللحم، وكانت تنوي عند رؤيته أن تخبره بهذا التفصيل الصغير؛ لأنه يحب الملوخية.

الطبيب عدنان البرش، تحول من طفل كُسر حوضه، إلى طبيب عظام، يسعى جاهدًا إلى ترميم ما يصله من إصابات أهالي قطاع غزة

وفي تلك اللحظة تركت الطبخ لتتلقى صدمة العمر، أراد أخ عدنان البرش، تخفيف وقع الخبر بصيغة أخرى، لكنها صُعقت وصرخت فاقدة الوعي: "لا لا لا.. عدنان لم يستشهد.. مستحيل"، ثم نادته بأعلى صوت: "حبيبي راح.. من سيهديني الورد كل أسبوعين، من سيزّف إيلين حين تكبر، من سيعلّم أولاده، من سيزوجهم، من سيكون سندي حين أكبر".

وبعد يومين أُصيبت بجلطة خفيفة، ولم تغمض جفنها إلا بأخذ "منوم". كان الخبر من أقسى ما يمكن أن يواجهه المرء في حياته، ولا يتركها السؤال في حالها: "لماذا فعلوا هذا بزوجي من دون الأسرى؟"، سؤال يوجع قلبها، ويبكي صوتها.

وتقول بحزن عميق: "حتى اللحظة أنا مصدومة، ويراودني الشيطان أحيانًا موسوسًا أنه ما زال حيًا، أنا وكل من أعرفهم نراه في أحلامنا، ما زال حيًا وسعيدًا ومستمرًا في أداء مهامه في المستشفى، وكأن حياتي الطبيعية معه في الأحلام، وعندما أنهض أدرك أن ما أعيشه هو الكابوس". وبقلبها تُخرس كلمات الجزع ليحل مكانها: "الحمد لله على كل حال، ربنا أكرمه في الحياة والممات، ووصل صيته للعالم كله".

عالجَ حالات ميؤوس منها

تقصّ ياسمين حمادة لـ"الترا فلسطين"، حكاية الرجل الذي رمّم الكسور "بحب دافق"، مستهلّة الحديث، قائلة: "تزوجت عدنان في جباليا عام 2009، لم يكن بيده أي فرصة عمل، وبعد زواجنا بأسبوعين حصل على وظيفة في مستشفى الوفاء، في تلك السنة عاد إلى غزة بعد رحلة طويلة من دراسة الطب، وتخصصه في العظام، القرار الأهم الذي اتخذه بعد أن رأى كثيرًا من الإصابات المعقدة، خاصة مع افتقار كلٍ من مستشفى الشفاء والأوروبي لكوادر طبية ماهرة في مجال العظام".

يشار إلى أن البرش أنهى بكالوريوس الطب من رومانيا من جامعة ياش عام 2000، واتجه إلى دراسة البورد عام 2003 في الجامعة الأردنية، وحصل عليه عام 2008، وهو حاصل على شهادة البورد الفلسطيني، والزمالة البريطانية من مستشفى "كينغز كوليدج" في لندن. وحقق عدنان هدفه الذي حدده في صباه، ليعود بعدها إلى قطاع غزة، حتى "ينتفع أهل بلده بعلمه" بعد أن تعب من الغربة، رافضًا عروض العمل في دول عربية وأجنبية.

أدركت أم يزن، كما تُكنّى، باكرًا دور زوجها الطبيب الذي عُرفت عنه المهارة الفائقة، وما يتطلبه عمله من غياب طويل عن البيت، وما يحمله على عاتقه من مسؤولية تجاه غزة التي تعاني جراء نقص الأدوات والكوادر الطبية، وقابلت ذلك كله بالتفهم والتقبّل.

وتضيف في حديثها الذي تكشف فيه عن جوانب جديدة من حياة البرش: "المريض عادة يتعلق بقشة، خاصة عندما يكون من الصعب علاجه، كنت أعرف من البداية أنه سيُشغل عنا، ويكرّس وقته وجهده للمرضى الذين يضعون أملهم فيه، كنت أفخر به، بكل ما فيه، بعلمه وخُلقه ومهارته في علاج الناس وطيبته وتواضعه وأمانته، لم يقصده أحد إلا خرج من عنده مرتاحًا على المستوى النفسي والجسدي".

ومن أهم ما استطاع أن ينجزه في السنوات الطويلة من عمله، أنه عالج حالات عدة لـ "خلع الحوض" عند الأطفال، وساعدهم على المشي، وكما تقول زوجته، كان يملؤه الإحساس بالإنجاز والفخر أنه أعطاهم "حياة دون إعاقة"، ولطالما شعر أن كل الأطفال المرضى أطفاله.

وتحكي لنا أم يزن قصة نجاح للبرش لا تُنسى: "هناك فتاة أصيبت عام 2014 ونُقلت إلى إسرائيل بتحويلة طبية، وقرر الأطباء الإسرائيليون بتر ساقها، اتصل والدها حينها بزوجي ليستشيره، فطلب منه أن يأتي بها لمحاولة علاجها، وقال له إن كانت ستُبتر فليكن ذلك على يد فلسطينية، والمفاجأة أنه نجح في إجراء عملية جراحية لها، وبفضل الله دبّت الروح في البنت، ومشت على قدميها، إلى درجة أن إسماعيل هنية عندما كان رئيس الوزراء حينها، وكذلك وزارة الصحة كرّموه على هذا العمل، لقد كان سعيدًا بكل حالة كان ميؤوسًا منها وعالجها، وبكل ساق نجح في ترميمها، دون أن ينتهي الحال بها إلى بترها".

ومن المثير للاهتمام، أن الطبيب عدنان البرش، حصل على الماجستير في العلوم السياسية، والسبب وفقًا لما أخبرَ به ياسمين، أنه "في داخل غرفة العمليات يعرف أدق التفاصيل، ولكنه كان يتوق دائمًا لمعرفة ما يحدث داخل أروقة المفاوضات السياسية المغلقة، وكيف تُنجز الطبخة السياسية في التعامل مع المحتل، كيف تُقاد ويخطط لها".

حلم عدنان البرش

كان الجراح المرموق يحلم بإنشاء مستشفى خاص بالعظام والأطراف، تتوفر به الأجهزة والكوادر اللازمة لعلاج كل أنواع المفاصل، وكم تمنى أن يعلّم أولاده الطب وخصوصًا مجال العظام، أراد أن يكملوا المشوار من بعده، ويعطيهم أسرار مهنته، وينقل إرث براعته في إجراء العمليات الجراحية.

ومع أولاده كان أبًا مختلفًا، ورغم غيابه طوال اليوم عنهم، فإنه لا ينفك عن التواصل خلال النهار للسؤال عنهم، ويحبهم حبًا جمًا، ويوم الجمعة كان مقدسًا عنده، يُحضّر الفطور لهم بنفسه وأحيانًا الغداء، يصحبهم إلى صلاة الجمعة، وإلى البحر صباحًا، يلعب معهم، ويرافقهم في نزهة لأي مكان يختارونه، تقول ياسمين.

وحين وُلد ابنهم كِنان "آخر العنقود"، الذي يبلغ ثلاث سنوات من العمر، من شدة فرحه، هاتفَ أخيه الأكبر ليبشرّه، وأخطأ في التعبير قائلاً: "أنا ولدت ولدًا"، كان "يحب العزوة، ويتمنى لو أنه ينجب 12 ولدًا"، تبتسم وهي تستحضر تفاصيله.

وثمة صورة مشهورة للدكتور عدنان البرش وملابسه غارقة في الدماء، ينام منهكًا على الكرسي، لهذه الصورة التي التقطها له أحد زملائه على سبيل المداعبة، قصة تخبرنا بها ياسمين: "إذ إنها تعود إلى مسيرات العودة عام 2018 التي أدت إلى كثير من الإصابات، ففي ذلك اليوم بمجرد أن رأيته قلت له بابتسامة دافئة "يعطيك العافية والحمد لله أن سخرّك لترمّم جروح الناس"، حزنتُ عليه حين رأيته بهذه الهيئة المرهقة، وكيف لا يُجهد، وقد أجرى 28 عملية جراحية بمفرده في يوم واحد، وكان هذا أكبر عدد من العمليات يجريه في وقت قياسي".

وتتذكر ياسمين أن زوجها من شدة تعبه لم يستطع أن يستحم، وقد اعتادته عندما يتحدث معها بعد عودته من العمل أن يغفو فجأة،  وتشير إلى الدور المهم الذي لعبه في فترة "مسيرات العودة"، بفضل تخصصه في "ترميم الكسور المعقدة"، فالطلق الناري حين كان يصيب القدم يفتتها على الفور، مما كان يتطلب منه جهدًا مضاعفًا، معتبرة أن الصورة تعبّر عن الجهد الذي يبذله الأطباء، وعن هول الإصابات التي كانت تصل. حينها، نُشر تقرير، كشف عن "تفاخر" جنود الجيش الإسرائيلي، بإصابة شبان قطاع غزة في "ركبهم".

لقد عاش الطبيب عدنان كل الحروب السابقة، لكن لم تمر عليه مجازر ببشاعة جرائم الحرب الأخيرة التي ما تزال مشتعلة، مخبرًا زوجته قبل رحيله، أن قلبه كاد يتوقف من قسوة مناظر الأطفال الممزقة أشلائهم، والمقطوعة رؤوسهم، والمبتورة أطرافهم، "كان حقًا يتألم كثيرًا من أجلهم"، كما تستذكر.

المرحلة التي سبقت أسره

بعد 7 تشرين الأول/أكتوبر، لم تخالج الطبيب عدنان، أي حيرة بشأن النزوح إلى الجنوب، بعد أن استجاب أغلب الأطباء لهذا الخيار، حتى إن سفره للسعودية مع عائلته كان مطروحًا، لكنه رفض ودون تردد.

وتحدّثنا أم يزن بصوت متعب؛ مما رأت في الشهور الأخيرة: "كان عدنان يرى أنه لو انصاع للنزوح لسقط مستشفى الشفاء، لذا رفض الأمر قطعيًا، وبقي مرابطًا في مكان عمله، لم يكن واردًا أن يتخلى عن المرضى، أو يحقّق غاية الاحتلال الذي سعى لجعل القطاع غير قابل للحياة".

تقلّص مستشفى الشفاء، إلى قسم واحد، يعمل به عشرة أطباء، وقد تحمّل البرش مسؤولية القسم بمفرده إلى حين حصار المستشفى، وحينها رفض الإخلاء كما النازحين، وكان يجري العمليات في أثناء الحصار، وفي نهاية المطاف عندما اضطّر للإخلاء توجه إلى المستشفى الإندونيسي؛ نظرًا لعدم وجود أي كوادر في شمال القطاع، وبقي فيه إلى حين إصابته، وقصف الغرفة التي يعمل فيها، مستمرًا في مداواة الجرحى.

بعد اليوم الرابع من بدء الحرب لم يعد إلى البيت أبدًا، ولم يشبع أحباؤه منه، وفي أول يوم من الهدنة في تشرين الثاني/نوفمبر من العام الماضي، تمكّن من العودة إلى عائلته، بعد فكّ الحصار عن المستشفى الإندونيسي، ووقتها فوجئ أن الاحتلال قصف منزله الذي كان حلم حياته، وكذلك سيارته، واعتراه الحزن ثم قال: "فدا الأقصى"، وقضى مع أسرته خمسة أيام، إذ كان ينهض كل صباح، ويذهب لمستشفى العودة، وفي جسمه رضوض جراء الإصابة، فوزارة الصحة أصدرت تعليمات بضرورة توجه الكوادر الطبية له ولمستشفى كمال عدوان، لكثرة حالات الإصابات، و"لم يكن بوسعه إلا أن يلبي النداء".

وتواصل ياسمين كلامها: "في الأيام الخمسة، كان عدنان يعود إلينا في المساء متعبًا من العمليات، ويأخذ قسطًا من الراحة، ولم نتوقع فشل الهدنة، لكن بعد انتهائها ودّعنا، وأوصاني الاهتمام بالأولاد، والحفاظ عليهم، وأن أحضر لهم كل ما يشتهونه، وقد كان معتادًا في كل يوم أن يعود إلى البيت ومعه كيس من الشوكولاتة والأشياء التي يحبها الأطفال".

وعن طريقة التواصل بينهما في أيام البعد الطويلة، قالت: "في كل ساعتين كان يتواصل معي، وإذا كان هاتفه لا يمكن الوصول إليه تحل الرسائل القصيرة بيننا، وكان يسألني دائمًا عن الأخبار والصفقة، وماذا أكلنا، في ذلك الوقت حاصرَ القنّاصة مستشفى العودة، وأخبرني أن أحد الأطباء فتح النافذة، وقنصوه على الفور، كنت أخاف عليه، وألّح أن يجلس في مكان آمن بعيدًا عن النوافذ، وكنت أخاف عليه من الجوع، حيث لم يتوفر للكادر الطبي في حينه، سوى طبق صغير من الأرز في النهار، ونصف ساندويش مربى في وجبة العشاء".

وفي المقابل، كما تقول، كان يخاف على عائلته، يفكر بها وبأطفاله؛ لأن المكان الذي يقيمون فيه، مرمى المدفعية الإسرائيلية، حيث كانت الحجارة تتساقط عليهم من قصف البيوت المجاورة.

وعن موقفها من استمراره في عمله في هذه الظروف الخطرة، لم تتردد وهي تقول: "كأي زوجة خشيت أن يصاب زوجي بمكروه، لكن كان يجب أن أقف خلفه، وأن أشجعه على البقاء مع مرضاه، وكان ممتنًا لدعمي؛ لأني لم ألمه يومًا على تأخيره، أو مخاطرته بحياته، كنت أرى أنه طالما أخلصَ في عمله سيحمينا الله ويعوضنا خيرًا".

وعن مزاعم الاحتلال أنه يستهدف المستشفيات "لكونها معقلًا لقيادة حماس، وفيها تخبّئ الأسرى"، تؤكد ياسمين أنها في أثناء نزوحها إلى مستشفى الشفاء، حيث كان يعمل زوجها ليل نهار، ومكثت فيه لـ35 يومًا، كانت كل ليلة تأخذ جولة في ساحة المستشفى للتعرف على مبانيه، وأحيانًا كان يرافقها زوجها إلى الأقسام، ولم ترَ في أي منها ما يدل على وجود حماس أو مسلحين.

وتواصل حديثها: "الاحتلال يعمد إلى تدليس الروايات، بدليل أنه اقتحم المستشفيات وفتّش أقبيتها، ولم يجد أي دليل على وجود أنفاق تحت الشفاء، ولو أن روايته صحيحة كان سيعلن ذلك، كل ادعاءاته محض كذب وافتراء، وهدفه تدمير المرافق الصحية، حتى لا تقدم أي من الخدمات الطبية للجرحى، كي ينزف المصابون حتى الموت، وبالتالي يصبح القطاع غير صالح للحياة وتتفشى الأمراض، جرّاء استهداف الكوادر الطبية بقتلهم وأسرهم، وقصف المستشفيات".

وتأسف لما وصل إليه حال غزة والشمال من افتقار للطواقم الطبية والمعدات، موضحة: "نتوخى الحذر من أي إصابة كانت، كل ما يتوفر الآن ممرضون متطوعون وطلاب طب في السنة الأولى والثانية متطوعون في وزارة الصحة، وما يتلقاه المرضى إسعافات أولية فحسب، أما الأطباء البارعون إما اُستشهدوا أو أسروا أو سافروا أو نزحوا إلى الجنوب".

رحلة البحث عن عدنان

أردنا الحديث مع أحد الأطباء الذين كانوا رفقته في اليوم الذي أُسر فيه، الدكتور محمد عبيد، إلا أن الأخير اعتقل في تشرين الأول/أكتوبر الفائت من مستشفى كمال عدوان، وحتى الآن لم يُعرف مصيره.

ويقول رامي عبده رئيس المرصد الأورومتوسطي في تغريدة له: "دعونا لا ننسى أن مشافي غزة دُمرّت، وطواقمها الطبية قُتلت وسجنت وعذبت في السجون حتى الموت، ولم تخرج وقفة واحدة في مشفى عربي، ولم تنفذ نقابة واحدة أي احتجاج، ولم تتداع جموع الأطباء العرب لفضح إبادة القطاع الصحي". وهذا ما تؤكده زوجة البرش، وتستغرب منه في الوقت نفسه، إذ أفادت أنه لا توجد أي منظمة دولية طبية تواصلت مع العائلة في محاولة لاتخاذ أي خطوة متوقعة بعد اغتياله، والملابسات التي تناولها الإعلام لاحقًا.

ولا يتوقف استهدف المرافق الصحية في شمال القطاع، حيث يقبع مستشفى "كمال عدوان" تحت حصار جيش الاحتلال منذ أزيد من 40 يومًا، وحسب مدير عام المستشفيات الميدانية بوزارة الصحة الفلسطينية في غزة مروان الهمص "الجيش الإسرائيلي أُعدم حتى الآن أكثر من 1000 طبيب وممرض". فيما أصيب مدير مستشفى كمال عدوان بجروح، بعد أسابيع من استشهاد نجله.

جانب آخر، وقف عليه "الترا فلسطين"، بعد اعتقال عدنان البرش في كانون الأول/ديسمبر الفائت، مرت ياسمين بفترة عصيبة لا تنقطع فيها لحظة عن التفكير في زوجها، وتنهال الأسئلة التي عذّبت روحها، عن وضعه في السجن، وكيف عذبوه، وكيف كانت آخر ساعة له، وهل نطق الشهادتين، وسط إشاعات تتوارد إلى مسامعها، عن طريق ما يتناقله الأسرى في الجنوب الذين يخرجون من سجون الاحتلال، منهم من قال إن السجانين كسروا فقرات ظهره، وأنهم قطعوا أوتار يديه، وآخرون قالوا إنهم قطعوا أصابعه، واقتلعوا عينه، وحتى عندما أفرجوا عن الطبيب محمد أبو سلمية مدير مجمع الشفاء الطبي، أخبرها الدكتور عدنان استشهد بنوبة قلبية، وفق رواية أخرى للأسرى، وبدت لها أن ثمة حلقة مفقودة، لذا لم تقتنع بها، كما تقول أم يزن.

وتمضي في حديثها وروحها تتألم: "كنت لا أعرف هل أفكر فيه، أم أفكر في حالنا ونحن تحت وابل الصواريخ، كيف سأوفر الأمن والطعام لأولادي، وأين أذهب بهم لأحميهم، وكيف سيكفي المال الذي معي، فالناس أصبحوا في وضع يحتم عليهم التعامل بمبدأ ’نفسي نفسي’، عندما كان عدنان محاصرًا كنت أشعر بالأمان ’على حسه’، لكن الآن ’لا حس ولا خبر’، واحترت من أستشير، المسؤولية صعبة وثقيلة، كان علي أن أقوم بدور الأب والأم والطبيب، كنت أخرج إلى السوق والخطر أينما التفتّ، وأخشى ألا أعود إلى صغاري، أخذتني الأفكار لكل مكان، خفت أن يخرج من الأسر، ويجدنا قد فارقنا الحياة، وأنا علي أن أصون الأمانة كما أوصاني، مررنا بفترة مجاعة قاسية، وأكلنا طحين الشعير والذرة، ونزحنا إلى مراكز الإيواء، ومرضنا، وعطشنا، كنت أضطر للخروج والبحث عن مياه مالحة للشرب".

وتقول: "عندما أُسر عدنان توقعتُ أن يخرجوه بعد 24 أو 72 ساعة كأقصى حد، بعدها ذهبتُ لمركز الصليب الأحمر، ولمؤسسة أطباء بلا حدود، ووجدتهما تحولّا إلى مركز إيواء، وفشلتُ في الحصول على أي وسيلة تواصل معهما، لم أجد أي مؤسسة دولية تقف إلى جانبي". 

وفي اليوم الرابع من أسره، وكلّت محاميًا من الداخل لزوجها، وتبيّن أنه موقوف إداري لمدة 45 يومًا، ويُحظر على المحامي الدخول عنده لـ90 يومًا، ولم تُعرف أي أخبار عن وضعه الصحي والقانوني، أو إذا كان سيتجدّد الحكم الإداري لديه. وفي الفترة التي تلت اعتقاله، وقبل الإعلان عن خبر استشهاده في مطلع أيار/مايو، نزحت عشر مرات، من بيت لآخر لجامعة، كل ذلك وهي تعدّ أيام غيابه.

والمحزن أن المرأة، بقي الأمل يداعبها حتى قبل فترة وجيزة، في أن الاحتلال قد يكون أخطأ في اسمه أو رقمه، وأنه لم يفارق الحياة، إلى أن خرج أسير موثوق، حسب تعبيرها، وروى لها رواية بدت لها صحيحة، حيث استشهد الطبيب عدنان أمام عينيه في إثر اغتيال السجان له، وبعدها استسلمت، و"هذا لا يمنع أنها تضعف في لحظات، وتبتهل لله أن يكون حيًا"، كما تبوح ياسمين.

وفي التاسع عشر من نيسان/أبريل، صدر قرار بنقل البرش من سجن الجلمة إلى سجن عوفر، منتقلًا عبر البوسطة، والمسافة التي تفصل بين بوابة السجن حتى القسم الذي فيه زنزانته نحو 350 مترًا، وطيلة هذه المسافة التي اقتاده الحراس فيها وهم يضربونه بالهراوات على رأسه وظهره وقدميه، وحينها كان مقيدًا بالسلاسل، يداه للخلف وكذلك قدماه مكبلتان، بوضعية الركوع، وهو من قال في تغريدة أخيرة له "نموت واقفين ولن نركع".

ووصل البرش إلى باب القسم، وكان يجب أن يصعد الدرج، حيث زنزانته تقع في الطابق العلوي، وهذا كان يتطلب فك الأصفاد التي تلفّ قدميه، وأمروا الأسرى بالجلوس على رُكبهم، من أجل فك أقدامهم، وحينها جاء سجان ضخم البنية، طويل القامة، باتجاه الطبيب، وبكل عزم أمسك الأصفاد، ثم سَحبها بقوة للأعلى، ما أدى إلى وقوعه على رأسه، وتسبّب في نزيف في دماغه، وبعدها انهال الجنود يضربونه بأرجلهم، وثم حمله سجانان من يديه، وصعدا به على الدرج، وفتحا باب الزنزانة وألقياه، وعلى الفور فارق الحياة، فيما أخذ الأسرى هناك ينادون "ممرض ممرض"، وبعد عشرين دقيقة استجاب السجان، وتبيّن أنه استشهد ونقلوه على الحمالة، ثم إلى "ثلاجة أبو كبير"، هذا المشهد استغرق ربع ساعة، وكان ذلك بعد صلاة الجمعة. وتتساءل أم يزن بقهر: "عندما يفعل سجان هذه الفعلة عمدًا، فهذا يعني اغتيالًا غير مباشر، والسؤال لماذا عدنان؟".

وبشأن ما جاء في تقرير لقناة سكاي نيوز البريطانية حول تعذيب البرش في أواخر أيامه، وأن الجزء السفلي من جسده كان عاريًا وفق شهادة أسير كان معه، عقبّت ياسمين في ردها: "هي ذات التفاصيل تقريباً التي أخبرني بها الأسير الذي تطرّقت إليه سابقاً، ولكن يبدو أنه لم يرد أن يجرحني، لذا لم يخبرني بخصوص تعريته من الأسفل، وهذا ليس دليلًا قاطعًا على أن زوجي قد اغتصب، ربما رفضَ التفتيش العاري، لذا عرّوه قسرًا، وبطبيعة الحال لا يمكن الحكم على ما حدث من اعتداءات إلا بعد فحص جثمانه".

وقال الكاتب الإسرائيلي جدعون ليفي في مقال بـ"هآرتس"، إن "البرش كان عرضة لتعذيب بشع طوال الأشهر القليلة التي قضاها في مركز التحقيق، حتى إن طبيبًا فلسطينيًا شاهده في مركز الاحتجاز، وقال إنه بالكاد تعرّف عليه، فقد تحوّل البرش الذي كان يعتني بلياقته البدنية إلى شبح". فيما أثارت فرانشيسكا ألبانيز، مقررة الأمم المتحدة المعنية بالأراضي الفلسطينية المحتلة، احتمال أن يكون قد تعرّض لاعتداء جنسي قبل وفاته، بالنظر إلى التقرير الذي يفيد بأنه وُجد في وضع "شبه عارٍ".

وتصف ياسمين معنوياتها: "أناظر صوره باستمرار، منذ علمت بالتقرير والدموع تنهمر وحدها كلما خلوت بنفسي، اجتمع عليّ الهم والتفكير والبكاء، هذا أمر لا يغتفر للاحتلال، نكَّل به وعذّبه، وبكل وقاحة ودناءة هتك إنسانية طبيب له مكانته محليًا ودوليًا". وفي رسالة للفصائل الفلسطينية، تقول ياسمين: "عند عقد صفقة تبادل مع الاحتلال فليكن استرداد جميع جثامين شهداء الأرقام التي يحتجزها الاحتلال أولوية، كما هم قتلاهم أعزاء عليهم، فشهداؤنا كذلك، صحيح أن الروح تصعد إلى بارئها، لكن جثمان صاحبها إذا أكرمنا مثواه، وودّعنا شهيدنا ودفناه سيبرّد نار القلب قليلًا".

وحيدة في ليالي النزوح

يشتد أوار الحرب، ولا تتوقف الصعوبات التي تواجه سيدة يتمازج فيها الحب بقوته ووهنه، هي التي اضطرت للنزوح من جباليا إلى غزة، وتقول: "عدنان كان سندي وظهري، لو كان معنا لوفّر لنا أساسيات الحياة، كان سيحمينا ونحن تحت جناحه، لو أن بيتنا لم يُستهدف لبقينا فيه معززين مكرمين، لا نهان ونذهب هنا وهناك، نتوسل أحدهم أن يأوينا لفترة، نعيش حصارًا لا مثيل له، لا لحوم ولا خضار، أجسامنا ذوت، ولو جُرح أحدنا بخدش بسيط سرعان ما يتحول إلى قيح، ويطول شفاؤه".

وبعد استشهاد من كان لها "الدنيا وما فيها"، تشتتت وتشردت ياسمين مع صغارها الستة بالتنقل بين ثلاثة مراكز إيواء، كان آخرها في الصفطاوي، وما لبث أن صدر أمر بالإخلاء، وكان ذلك بعد الساعة الثانية عشرة من منتصف الليل، وقت الاجتياح البري الأخير لجباليا. وتتحدث عن الليلة الصعبة، قائلةً: "ارتفعت درجة حرارتي وتسارعت دقات قلبي وحضنت أطفالي، وسارعت لأوقظهم من النوم، وارتديت عباءتي وأخذت أمشي بين الأراضي حتى أصل لمكان أكثر أمانًا، ومن شدة هلعي نسيت حقيبة الأوراق الرسمية المهمة، ولم آخذ أي طعام أو ملابس، هربت بنفسي وأولادي. النجاة من الموت غنيمة".

تقول زوجة الطبيب عدنان البرش، إن الأمل بقي يداعبها حتى قبل فترة وجيزة، في أن الاحتلال قد يكون أخطأ في اسمه أو رقمه، وأنه لم يفارق الحياة، إلى أن خرج أسير موثوق، وروى لها رواية بدت لها صحيحة، حيث استشهد الطبيب عدنان أمامه

وبتأثر بالغ، تذكرت أحد المواقف، وقالت: "أنا الآن امرأة وحيدة لا سند لي إلا ربي، أنا الأب والأم معًا في زمن التهجير والإبادة، أفرّ من مكان لآخر وقلبي يرتجف خوفًا، وأتضرع لله أن يحفظني وأولادي، في تلك الليلة أخذت أبكي ولا أعرف أين أذهب، ودعوت الله أن يسخر لي عباده الصالحين، وأن يقويني ويصبرني ويعوضني، وهذه واحدة من ألطافه، استضافني رجل في بيته، مُرّحبًا بي حين عرف أني زوجة الدكتور عدنان، وأخبرتني زوجته أن أبو يزن عالج ابنها الذي سقط من الطابق الثالث، وانكسر رأسه وحوضه، وأدركت حينها عظم ما زرعه، وها نحن نحصد من خير عمله الصالح".

"ما يبقى في الوادي إلا حجارته.. واحنا حجارته"، مقولة ستسجل للطبيب والجراح البرش، الذي كانت شعاره في غزة وفي الحرب، التي جعلته "المخلص المثابر الشجاع في عين غزة وأهلها"، وعين ياسمين التي زادت في وصفها له: "أثبت أنه كان حجرًا في حلق المحتل، وزِور منه إلى أن اغتاله، ضحى بنفسه وبيته وأولاده لأجل شعبه، ويبقى عمله وأثره إلى يوم الدين، ودخل التاريخ من أوسع أبوابه، سيُدّرس عمله وأداؤه الأمانة في كليات الطب بإذن الله، وسيُحكى للأجيال عن إصراره وصلابته وشموخه وصموده لآخر لحظة".

الكلمات المفتاحية

فصل الخريف في التقويم الزراعي الفلسطيني: المعاني والطقوس والظواهر الشعبية

فصل الخريف في التقويم الزراعي الفلسطيني: المعاني والطقوس والظواهر الشعبية

يُمثّل التقويم الزراعي الفلسطيني نسيجاً حضارياً وإنسانياً متكاملاً، ينبع من ارتباط الفلاح الأزلي بأرضه وحركتها الفلكية


الأراضي المشاع في التراث الفلسطيني: العُرف الزراعي وآليات العدالة الشعبية

الأراضي المشاع في التراث الفلسطيني: العُرف الزراعي وآليات العدالة الشعبية

تميز التراث الزراعي بتصنيف دقيق للقطع؛ ففي حين يُشير "المارس" إلى الشريط الطولي الممتد في السهول والمخصص لزراعة الحبوب، تُطلق تسمية "الحَبَلَة" (جمعها حبايل) على القطعة السهلية المنبسطة الواقعة على سفوح الجبال بين المدرجات.


موسم النبي روبين: حكاية "الكرنفال" الفلسطيني الذي وهب الساحل روحه الشعبية

موسم النبي روبين: حكاية "الكرنفال" الفلسطيني الذي وهب الساحل روحه الشعبية

يُعتبر موسم النبي روبين أعظم المواسم الشعبية والدينية في الساحل الفلسطيني قبل نكبة عام 1948


موسم العنب والتين وطقوس التعزيب والمنطرة

موسم العنب والتين وطقوس التعزيب والمنطرة

يُعدّ موسم العنب والتين في فلسطين، والمعروف في الثقافة الفلاحية والتقويم الشعبي بـ "موسم القيظ"، أحد أهم المعالم الاجتماعية والزراعية والروحية التي تشكل الوجدان والذاكرة الجمعية للفلاح الفلسطيني

شو اللي رماك هالرمية يما؟ مهدي أبو عياش
قول

شو اللي رماك هالرمية يما؟

"شو اللي رماك هالرمية يما؟"، سؤال ما زال معلّقًا في ذاكرتي، بوجع أمي عندما سألت السؤال فوق جسد "مهدي". لم أبحث عن إجابة، وربما ليس لي حق في معرفتها، لأنها، قبل كل شيء، حق لأمي

هل تخيّل الغزيون أن يصبح مصاغهم المادة الخام لسوق الذهب والفضة؟
تقارير

هل تخيّل الغزيون أن يصبح مصاغهم المادة الخام لسوق الذهب والفضة؟

شمل الدمار أفران الصهر والصب، والقوالب، وماكينة التفريغ، ومعدات النقش والطلاء. كما انقطعت مواد حمض النيتريك والبورق والشمع والجبس، فتوقفت صناعة أصناف تحتاج إلى تجهيزات متخصصة، وفي مقدمتها السلاسل وبعض الخواتم.


فرنسا تأسف لتأجيل الانتخابات الفلسطينية وتدعو عباس إلى التراجع عن القرار
أخبار

فرنسا تأسف لتأجيل الانتخابات الفلسطينية وتدعو عباس إلى التراجع عن القرار

أبدت باريس استعدادها، إلى جانب شركائها الأوروبيين، للمساعدة في إنجاح العملية الانتخابية، بما في ذلك عبر بعثة الاتحاد الأوروبي لمراقبة الانتخابات التي أطلقت بطلب فرنسي

غارة للاحتلال الإسرائيلي على خان يونس تخلّف 4 شهداء
أخبار

غارة للاحتلال الإسرائيلي على خان يونس تخلّف 4 شهداء

أشارت مصادر محلية إلى أن عرف من بين الشهداء: محمد رمزي حجاج، وعبد الحميد جاد الله، ويوسف أبو رزق.

الأكثر قراءة

1
تقارير

تأجيل الانتخابات الفلسطينية: هروب من المسؤولية وحرمان للشعب في اختيار ممثليه


2
مقابلات

حوار | رمزي رباح: قرار تأجيل الانتخابات متسرع ولم نوافق عليه والحوار الوطني لا يتعارض مع إجرائها في موعدها


3
تقارير

ملف الترا فلسطين | الإبادة بعد عام من "وقف إطلاق النار": كيف حال غزة؟


4
تقارير

ملف | الانتخابات الإسرائيلية 2026: أسئلة الحرب واليمين والمعارضة وفلسطين


5
قول

الجنرالات التائبون