رحلة العودة إلى غزة.. ساعات طويلة من التفتيش والمصادرة والاعتقال عند كرم أبو سالم
14 يوليو 2026
بعد أشهر، وأحيانًا سنوات، من العلاج خارج قطاع غزة، يبدأ المرضى والجرحى رحلة العودة إلى منازلهم، حاملين أملًا بلقاء طال انتظاره مع عائلاتهم. لكن هذه الرحلة، التي لا تستغرق في الظروف الطبيعية سوى ساعتين، تحولت إلى معاناة تمتد لأكثر من 20 ساعة، في ظل إجراءات إسرائيلية مشددة وانتهاكات متكررة تشمل سرقة المقتنيات والاعتقال وسوء المعاملة، ازدادت تعقيدًا عقب استحداث نقطة تفتيش جديدة داخل معبر كرم أبو سالم.
رصد شكاوى متزايدة وموثقة من مسافرين تحدثوا عن مصادرة أموالهم ومقتنياتهم الشخصية أثناء عبورهم معبر كرم أبو سالم، دون مبررات قانونية معلنة.
ومنذ إعادة تشغيل معبر رفح في 24 شباط/ فبراير الماضي، لم يُفتح المعبر سوى نحو 60 يومًا، عاد خلالها قرابة أربعة آلاف مواطن إلى قطاع غزة، فيما غادر نحو 4900 مريض ومرافقيهم لتلقي العلاج. وفي معظم أيام التشغيل، لم يتجاوز عدد المغادرين أو العائدين 200 شخص، في مؤشر على استمرار القيود المفروضة على حركة العبور.
وقرر جيش الاحتلال نقل مجمع التفتيش الخاص بالعائدين إلى قطاع غزة من موقعه السابق قرب معبر رفح إلى معبر كرم أبو سالم، وفق ما أفادت به هيئة البث الإسرائيلية. وبرر الخطوة بسلسلة محاولات مزعومة لتهريب مواد ومقتنيات غير مصرح بإدخالها إلى القطاع، من بينها السجائر والتبغ والأراجيل، إلى جانب أجهزة إلكترونية مثل الهواتف المحمولة، وشرائح الاتصال، ووحدات التخزين المحمولة، والشواحن وملحقاتها.
"صادروا كل شيء"
من بين العائدين، يروي أيمن فروخ (30 عامًا) تفاصيل رحلة العودة التي تحولت، بحسب وصفه، إلى تجربة قاسية، بعدما أمضى عامين وثمانية أشهر في مصر لتلقي العلاج من إصابات خطيرة شملت كسورًا متعددة في الفخذ وتسممًا في الدم، خضع خلالها لـ27 عملية جراحية.
وقال فروخ، لـ"الترا فلسطين"، إنه غادر مصر متجهًا إلى غزة عند الساعة الثانية عشرة بعد منتصف الليل، ووصل إلى الجانب المصري من المعبر في الثامنة صباحًا، حيث خضع، مع بقية المسافرين، لتفتيش الحقائب والأشخاص، وأُبلغوا بأن المسموح به هو حقيبة كبيرة وحقيبة ظهر، من دون إبلاغهم بأي تعليمات جديدة.
وأضاف: "خضعنا للتفتيش ثلاث مرات لدى الجانب المصري والبعثة الأوروبية، ولم تتم مصادرة أي من مقتنياتنا، لكن عندما وصلنا إلى نقطة تفتيش تابعة للجيش الإسرائيلي، قرابة الساعة السادسة مساءً، اضطررنا إلى السير نحو كيلومتر ونصف سيرًا على الأقدام، وهناك فوجئنا بمصادرة حقيبة الملابس دون حتى تفتيشها".
وأوضح أنه حاول توثيق الممتلكات التي صودرت أو الحصول على إثبات رسمي بذلك، إلا أنه لم يتلقَّ أي استجابة، مضيفًا: "خرجنا من نقطة التفتيش من دون أي من مقتنياتي، ولم يقدم لي أحد أي معلومة أو مساعدة".
وأكد أن قوات الاحتلال صادرت هاتفه المحمول، وجهاز الحاسوب المحمول (اللابتوب)، ومبلغًا ماليًا يقل عن 600 دولار، إضافة إلى سلسلة ذهبية كان يحملها هديةً لزوجته، مشيرًا إلى أن اعتراضه على مصادرة تلك الأغراض دفع الجنود إلى مصادرة حقيبة الظهر أيضًا.
ويقول إن أكثر ما ترك أثرًا في نفسه كان رفض أحد الجنود السماح له بالحصول على أدويته الضرورية، رغم حالته الصحية، مضيفًا أن الجندي قال له: "اذهب إلى غزة لتموت".
وتابع: "وصلت إلى مستشفى ناصر بالكاد، مستندًا إلى عكازي، بعدما لم يتركوا معي حتى أجرة المواصلات، وقال لي أحد الجنود: أنت شاب، لماذا عدت؟ ارجع إلى مصر وستستعيد كل شيء".
مصادرات واختفاء أموال
تؤكد أم محمد (50 عامًا) أن عمليات المصادرة لم تقتصر على الأجهزة الإلكترونية، بل شملت أيضًا الحلي والمقتنيات الشخصية، قائلة: "أخذوا هواتفنا، وكان هناك ذهب وأشياء كثيرة أخرى فُقدت".
وأضافت أن إجراءات التفتيش اتسمت بالصرامة وشملت جميع المسافرين دون استثناء، موضحةً أن الحقائب خضعت للفحص بواسطة أجهزة إلكترونية، تحت إشراف جنود الاحتلال وعدد من العمال، في ظل وجود كاميرات مراقبة داخل موقع التفتيش.
وأشارت إلى أن عددًا من المسافرين اكتشفوا فقدان مبالغ مالية من حقائبهم عقب انتهاء إجراءات التفتيش.
الاعتقال بعد رحلة العلاج
ولم تقتصر الإجراءات على مصادرة المقتنيات، بل امتدت إلى اعتقال بعض العائدين، ومن بينهم أسامة عايد العرجا، الذي اعتقلته قوات الاحتلال عند حاجز كرم أبو سالم أثناء عودته إلى قطاع غزة من الأردن، بعد رحلة علاج استمرت نحو ستة أشهر برفقة نجله المريض.
وقال شقيقه، نايف العرجا، لـ"الترا فلسطين"، إن أسامة غادر غزة عبر اللجنة الدولية للصليب الأحمر لتلقي العلاج في الأردن، حيث كان يرافق ابنه المصاب باعوجاج في العمود الفقري.
وأضاف أن الصليب الأحمر نقلهما من خيمتهما إلى أحد المستشفيات في الأردن لاستكمال العلاج، إلا أن قوات الاحتلال اعتقلت أسامة فور عودته إلى غزة، أمام أنظار طفله، من دون مراعاة لوضعه الإنساني أو الحالة الصحية لنجله.
وقال نايف: "أنصح أي إنسان ألا يغادر غزة، فلا يوجد أي أمان"، متسائلًا: "كيف يسافر أخي للعلاج عبر الصليب الأحمر، وبعد أشهر من العلاج يُعتقل فور عودته إلى غزة أمام ابنه؟".
وأكد أن شقيقه لا يشكل أي تهديد، موضحًا أنه عامل بسيط يعتمد على عربة يجرها حمار لتأمين لقمة العيش وإعالة أسرته، مناشدًا الجهات المعنية واللجنة الدولية للصليب الأحمر تكثيف جهودها للإفراج عنه وتمكينه من العودة إلى عائلته ولمّ شملها.
المكتب الإعلامي: انتهاكات ممنهجة بحق العائدين
وأكد مدير عام المكتب الإعلامي الحكومي في قطاع غزة، الدكتور إسماعيل الثوابتة، في تصريح لـ"الترا فلسطين"، توثيق حادثة وصفها بـ"الخطيرة"، بعدما أفاد عدد من المرضى العائدين إلى قطاع غزة باعتقال المواطنين أنس الحاج وأسامة العرجا أثناء عودتهما عبر معبر كرم أبو سالم، مشددًا على أن السلطات الإسرائيلية لم تكشف حتى الآن عن مكان احتجازهما أو أوضاعهما الصحية والقانونية، معتبرًا ذلك حالة إخفاء قسري تستوجب تدخلًا دوليًا عاجلًا.
وأوضح الثوابتة أن المكتب رصد شكاوى متزايدة وموثقة من مسافرين تحدثوا عن مصادرة أموالهم ومقتنياتهم الشخصية أثناء عبورهم معبر كرم أبو سالم، دون مبررات قانونية معلنة، معتبرًا أن هذه الممارسات تهدف إلى تشديد الضغوط الاقتصادية على المواطنين، وإلحاق أضرار نفسية بالمرضى والمسافرين، من خلال تحويل رحلة العودة إلى تجربة مليئة بالخوف والابتزاز، بحسب تعبيره.
وأضاف أن المكتب الإعلامي الحكومي، بالتنسيق مع الجهات الحكومية المختصة والمؤسسات الحقوقية، يواصل توثيق الانتهاكات التي يتعرض لها العائدون عبر معبر كرم أبو سالم، مشيرًا إلى أن الإحصاءات الأولية، رغم صعوبة حصرها بدقة في ظل استمرار الأحداث، تفيد بتعرض مئات المسافرين للتفتيش المطول، ومصادرة ممتلكاتهم، واحتجازهم لساعات طويلة في ظروف قاسية، إلى جانب تسجيل حالات اعتقال تعسفي.
ورأى الثوابتة أن استحداث نقطة تفتيش جديدة داخل المعبر يهدف إلى تعزيز الطابع الأمني والعسكري للمعبر، وتوسيع عمليات جمع البيانات البيومترية، وإخضاع المسافرين لإجراءات أمنية مشددة، إضافة إلى إبطاء حركة المرضى والحالات الإنسانية والمساعدات المتجهة إلى قطاع غزة.
الكلمات المفتاحية
برصاصة مستوطن.. الممرض محمد مطور يصارع الشلل النصفي ويحلم بالعودة إلى حياته
لم يكن الممرض محمد نبيل مطور، البالغ من العمر 26 عامًا، يتوقع أن تنتهي زيارته إلى منزل ابن خاله في خربة الدوارة، الواقعة بين بلدتي بني نعيم وسعير شرق الخليل، برصاصة إسرائيلية تستقر في عموده الفقري وتغيّر حياته في لحظات.
إجازة بلا لعب.. أطفال غزة يعملون لإعالة أسرهم ويبحثون عن لقمة العيش
لم تعد الإجازة الصيفية في غزة تعني للأطفال وقتًا للراحة أو اللعب، كما كانت في السنوات السابقة، فمع استمرار الحرب وتفاقم الأوضاع الإنسانية والاقتصادية، تحولت العطلة إلى رحلة يومية في البحث عن لقمة العيش
أوامر هدم إسرائيلية تهدد نحو 80 فلسطينيًا بالتهجير من كفر صور جنوب طولكرم
أخطرت قوات الاحتلال الإسرائيلي، يوم الخميس، بهدم أربعة مبانٍ سكنية ومزرعة في المنطقة الغربية من قرية كفر صور، جنوب طولكرم، مهددةً نحو 80 فلسطينيًا بالتهجير من منازلهم
الاحتلال يواصل الخروقات.. قصف واستهدافات في خانيونس وانفجار قنبلة في دبابة
وصل جثمان الشهيد محمد بشير يوسف أبو عرمانة، من سكان مدينة دير البلح، إلى مستشفى العودة، بعد استهدافه في منطقة مفترق شارع العشرين بمخيم النصيرات وسط قطاع غزة.
حملة إسرائيلية جديدة لتوجيه إجابات "تشات جي بي تي" حول مجاعة غزة والجيش الإسرائيلي
ليست هذه المرة الأولى التي تعتمد فيها إسرائيل على شبكة "هافاس" لمحاولة التأثير على روبوتات الدردشة الذكية
برصاصة مستوطن.. الممرض محمد مطور يصارع الشلل النصفي ويحلم بالعودة إلى حياته
لم يكن الممرض محمد نبيل مطور، البالغ من العمر 26 عامًا، يتوقع أن تنتهي زيارته إلى منزل ابن خاله في خربة الدوارة، الواقعة بين بلدتي بني نعيم وسعير شرق الخليل، برصاصة إسرائيلية تستقر في عموده الفقري وتغيّر حياته في لحظات.
عباءة الأمل من خيوط الحزن
كان نائل يقول في مقابلة مصوّرة جاءت أمي ذات يوم لزيارتي، وطلبت غطاء فِراشي، ولا أعلم ما الذي تفكّر فيه، وعندما جاءتني في زيارتها الثانية كانت قد حوّلت الغطاء إلى ثوب