رغم فقدان البصر وبتر الأطراف.. كاراتيه غزة يحوّل الألم إلى قوة
10 سبتمبر 2026
في صالة رياضية نهضت من بين ركام حرب الإبادة على غزة، تتعالى أصوات خطوات اللاعبين ووقع ضرباتهم على بساط الكاراتيه، في مشهد يختزل حكاية أوسع من مجرد التدريب والمنافسة؛ أجساد أنهكتها الحرب، لكنها لم تستسلم، وإصابات غيّرت تفاصيل الحياة، دون أن تنجح في كسر الإرادة.
لاعب الكاراتيه أحمد عساف: "أتدرب أنا وزملائي من ذوي الإعاقة الحركية والذهنية والبصرية لإيصال رسالتنا للعالم بأننا قادرون على صنع المستحيل رغم كل شيء".
يجتمع لاعبو الكاراتيه في نادي المشتل الرياضي، الذي أُعيد ترميمه وفق الإمكانيات المتاحة، حول هدف يتجاوز الفوز بالمباريات؛ يريدون أن يثبتوا أن الإعاقة لا تعني نهاية الطريق، وأن الإنسان قادر على صناعة بداية جديدة حتى من بين الركام.
لكن طريق اللاعبين من ذوي الإعاقة لا يتوقف عند حدود العلاج؛ فالوصول إلى الصالات وممارسة الرياضة يمثل تحديًا آخر، في ظل تدمير الاحتلال للنوادي الرياضية، ونقص المستلزمات ووسائل النقل الملائمة.
الإصابة غيّرت حياته
بين هؤلاء، يقف الجريح الفلسطيني أحمد عساف (35 عامًا)، الذي تغيّرت حياته في لحظة واحدة، حين فقد بصره جراء قصف إسرائيلي.
يقول عساف، لـ"الترا فلسطين": "أول مرحلة من الإصابة كانت صعبة جدًا، كنت مبصرًا وفجأة فقدت بصري بمجرد وقوع القصف، ومرت سنتان على إصابتي، وما زلت حتى الآن فاقدًا للبصر".
منذ إصابته، أصبح عساف بحاجة إلى زوجته أو أحد أبنائه لمساعدته على الحركة، لكنه رفض أن تتحول الإصابة إلى نهاية لحياته، واختار أن يعود إلى الرياضة، بحثًا عن مساحة يستعيد فيها ثقته بنفسه، ويواجه آثار الإصابة النفسية.
كانت عودته إلى التدريب بمثابة خطوة أولى نحو حياة جديدة، إذ وجد في الكاراتيه وسيلة لاستعادة قدرته على الحركة والتفاعل، والخروج تدريجيًا من العزلة التي فرضها فقدان البصر.
ويقول عساف: "أتدرب أنا وزملائي من ذوي الإعاقة الحركية والذهنية والبصرية لإيصال رسالتنا للعالم بأننا قادرون على صنع المستحيل رغم كل شيء".
وبينما يواصل تدريباته، يتمسك عساف بأمنية واحدة، وهي مغادرة غزة لتلقي العلاج، والحصول على فرصة لإجراء عملية جراحية قد تمنحه أملًا في استعادة بصره.
من الإصابة إلى التدريب
على البساط نفسه، يحمل المدرب واللاعب محمد طوطح (38 عامًا) قصة أخرى مع الإصابة والصمود؛ فخلال حرب الإبادة، تعرض طوطح لقصف إسرائيلي أدى إلى بتر قدمه اليمنى وفقدان البصر في عينه اليسرى، لكنه عاد إلى الرياضة التي ارتبط بها منذ عام 2008، متمسكًا بمواصلة مشواره في الكاراتيه.
يقول طوطح لـ"الترا فلسطين": "أمارس رياضة الكاراتيه منذ عام 2008، وحصلت على العديد من الجوائز والميداليات في مجال رياضة الكاراتيه".
ويضيف: "رياضة الكاراتيه مثل أي رياضة، أي شخص يستطيع ممارستها، وهي إلى جانب الرياضات الأخرى وسيلة للتفريغ عن النفس والواقع الذي نعيشه".
ورغم فقدانه إحدى قدميه وإصابته في عينه، لا يزال طوطح يخطط للعودة إلى المنافسات، ويحلم بمغادرة غزة لتلقي العلاج وتركيب طرف صناعي، ثم استكمال مسيرته ورفع علم فلسطين في المحافل الدولية.
ويطالب طوطح الجهات المعنية بتوفير كراسٍ متحركة ومرافق رياضية مؤهلة، إلى جانب وسائل نقل تساعد اللاعبين من ذوي الإعاقة على الوصول إلى أماكن التدريب والمشاركة في الأنشطة الرياضية.
الكاراتيه.. طريق جديد للمكفوفين
أما مؤمن البيطار، البالغ من العمر 26 عامًا، فقد اختار هو الآخر أن يجعل من الرياضة طريقًا لتجاوز إعاقته البصرية، ليصبح لاعبًا ومدربًا مستجدًا، ويشارك ضمن منتخب فلسطين للكاراتيه للأشخاص ذوي الإعاقة.
تغلب مؤمن على فقدان بصره بالإرادة والرياضة، فبدأ ممارسة رياضة الكاراتيه عام 2014، قبل أن يخوض غمار المنافسات ويحقق سلسلة من الإنجازات، أبرزها حصوله على المركز الثالث عالميًا في بطولة دبي عام 2016، والمركز الأول في بطولة الكويت "أون لاين"، إلى جانب تتويجه بالمركز الأول في بطولة فلسطين الدولية عام 2019.
ولم تتوقف مسيرته عند ذلك، إذ واصل تدريباته ومشاركاته، ليحصد المركز الخامس في بطولة آسيا للكاراتيه التي أقيمت في ماليزيا عام 2023، مؤكدًا أن فقدان البصر لم يكن عائقًا أمام طموحه في الوصول إلى منصات التتويج.
يقول مؤمن، لـ"الترا فلسطين"، إنه حصد المركز الأول في بطولة "الوفاء والأمل" لألعاب الدفاع عن النفس للأشخاص ذوي الإعاقة لعام 2026، مشددًا على أنه إنجازًا جديدًا يُضاف إلى مسيرته الرياضية.
ويضيف: "رسالتي إلى العالم أننا، رغم الظروف الصعبة والحرب المتواصلة على غزة، متمسكون برياضتنا ومستمرون في تدريباتنا، من أجل رفع علم فلسطين في المحافل العربية والدولية".
وأعرب عن أمله بأن يحظى الأشخاص ذوو الإعاقة بمزيد من الاهتمام والدعم، بما يمكنهم من مواصلة مسيرتهم الرياضية وتحقيق طموحاتهم ورفع اسم فلسطين في مختلف المحافل.
واقع رياضة الكاراتيه بعد 34 شهرًا من حرب الإبادة
يقول حسن الراعي، نائب رئيس الاتحاد الفلسطيني للكاراتيه ومدرب الأشخاص ذوي الإعاقة، إن واقع رياضة الكاراتيه بعد 34 شهرًا من حرب الإبادة بات صعبًا للغاية، في ظل تدمير مقومات الحياة والأندية والمنشآت الرياضية، ما حرم اللاعبين من أماكن ملائمة للتدريب، إلى جانب تضرر الطرق وصعوبة الوصول إلى مواقع ممارسة الرياضة.
ويضيف الراعي، لـ"الترا فلسطين"، أن أبرز التحديات التي تواجه اللاعبين ذوي الإعاقة تتمثل في الحاجة إلى الكراسي المتحركة، والزي الرياضي، وتوفير وسائل النقل، في ظل غياب الجهات الراعية والداعمة.

ويوضح الراعي أن ممارسي الكاراتيه من الأشخاص ذوي الإعاقة ينتمون إلى عدة فئات، تشمل الإعاقة البصرية والذهنية والحركية واضطراب طيف التوحد، ولم يتجاوز عدد الذين يواصلون ممارسة اللعبة خلال الحرب نحو 20 لاعبًا من مختلف الفئات، بعدما كان العدد قبل الحرب يصل إلى نحو 70 لاعبًا، بفضل توفر الأندية ومرافق التدريب.
وعن الخسائر التي لحقت بالقطاع الرياضي، يشير الراعي إلى فقدان عدد من الكوادر الرياضية واللاعبين والمدربين والحكام الذين استشهدوا خلال الحرب، موضحًا أن عدد الرياضيين الشهداء، من ذوي الإعاقة وغيرهم، بلغ نحو 1120 شهيدًا، فضلًا عن الرياضيين المفقودين، ومن تعرضوا لإعاقات مختلفة نتيجة الحرب.
ورغم حجم الخسائر، يرى الراعي أن من أبرز قصص النجاح القدرة على إعادة دمج الأشخاص ذوي الإعاقة في المجتمع من خلال الرياضة، وإتاحة الفرصة لهم لاستعادة نشاطهم ومواصلة ممارسة الكاراتيه.
ويستشهد بعدد من النماذج التي تجسد هذه الإرادة، من بينها الشاب أحمد عساف الذي فقد بصره بالكامل، ومحمد طوطح الذي فقد إحدى قدميه، إلى جانب اللاعب الكفيف مؤمن البيطار، الذي تمكن من تحقيق عدة إنجازات وحصد جوائز في بطولات عربية ودولية ومحلية.
الكلمات المفتاحية
عامٌ على اتفاق وقف إطلاق النار بغزة.. القطاع الصحي أمام أزمات ممتدة
منذ بداية الحرب في أكتوبر 2023، لم يدخل إلى قطاع غزة أي جهاز طبي أو تشخيصي جديد فيما تعاني المستشفيات من نقص حاد في الأدوية والمستهلكات الطبية والمواد المخبرية.
"كأن جسمي يتمزق".. مستوطنون يستولون على أرض أسامة عايدة ويسرقون زيتونه
وصف إحساسه قائلًا: "كأن جسمي يتمزق"، بسبب استيلاء المستوطنين خلال أقل من ثلاثة أعوام على أكثر من 100 دونم من أرضه
كنيسة القديس برفيريوس تودّع ميساء وماري داود.. أمّ وابنتها استشهدتا تحت سقف واحد
يستحضر عياد مرارة ترسيخ المعاناة في وجدان الناس؛ قائلًا إن الفاجعة أضحت تحرم الأبناء في الغربة من حظوة وداع أمهاتهم، وتترك أجسادًا أخرى متفحمة يتعذر على ذويها إلقاء نظرة ألم أخيرة عليها.
مركز "مدار" يناقش الضم الإسرائيلي الجاري في الضفة الغربية
عقد المركز الفلسطيني للدراسات الإسرائيلية - مدار، طاولة مستديرة ثانية، لنقاش ورقة بعنوان "لا هل وإنما كيف: الضم الإسرائيلي الجاري في الضفة الغربية"
تحليل إسرائيلي: أربعة سيناريوهات لتشكيل الحكومة المقبلة
تشمل السيناريوهات، تحالفات بين خصوم سياسيين، وانشقاقات داخل الليكود، وحتى تشكيل حكومة أقلية بدعم غير مباشر من الأحزاب العربية
حماس ترد على مزاعم الاحتلال بشأن استخدام مستشفيات غزة وتحذّر من استهدافها
حماس: نحذّر من اتخاذ الادعاءات الكاذبة ذريعة للاعتداء على ما تبقى من مستشفيات غزة، وندعو الأمم المتحدة إلى زيارتها والتحقق من زيفها
مؤسسات الأسرى: 26 ألف حالة اعتقال وأكثر من 100 شهيد منذ بدء الإبادة
مؤسسات الأسرى: 92 شهيدًا بين صفوف الأسرى المعلومة هوياتهم خلال ثلاثة أعوام.. والإخفاء القسري يحجب مصير العشرات من شهداء معتقلي غزة