ultracheck
تقارير

رمضان في غزة: حين تتحول المائدة إلى سؤال والاقتصاد إلى انتظار

10 فبراير 2026
رمضان في غزة: حين تتحول المائدة إلى سؤال والاقتصاد إلى انتظار
محمد نشبت
محمد نشبت كاتب صحفي من فلسطين

مع اقتراب شهر رمضان، تواجه عائلات غزة واقعًا اقتصاديًا واجتماعيًا خانقًا، حيث تلتقي البطالة المرتفعة، ونقص الإمدادات، وغلاء الأسعار، مع ذاكرة مثقلة بالفقد، في موسم يفترض أن يكون شهر الطمأنينة لا اختبار القدرة على الصمود.

في غزة هذا العام، لا تنشغل العائلات بزينة الشوارع أو قوائم الأطباق، بل بحسابات أكثر إلحاحًا: كم تبقى من المال؟ هل تكفي أسطوانة الغاز؟ وهل سترتفع الأسعار أكثر مع دخول الشهر؟ في مدينة لم تتعافَ بعد من آثار الحرب، يصبح السؤال اليومي أكثر مباشرة: كيف نصوم بكرامة في ظل هذا الاختناق الاقتصادي والاجتماعي؟

تستقبل غزة رمضانها الثالث منذ بداية الحرب، بين بطالة مرتفعة، وسوق يعرض ما لا يستطيع الناس شراءه، وبيوت فقدت أبناءها ومساكنها

رغم تراجع زخم الحرب، فإن الإحساس بعدم الاستقرار لا يزال حاضرًا. فبحسب بيان صادر عن المكتب الإعلامي الحكومي في غزة بتاريخ 4 فبراير 2026، تم تسجيل 1,520 خرقًا لاتفاق وقف إطلاق النار خلال 115 يومًا منذ دخوله حيّز التنفيذ في 10 أكتوبر 2025، ما أسفر عن استشهاد 556 فلسطينيًا وإصابة 1,500 آخرين، بينهم نسبة مرتفعة من المدنيين وفق البيان.

اقتصاديًا، يشير البيان ذاته إلى دخول 29,603 شاحنات مساعدات وتجارية ووقود من أصل 69,000 شاحنة كان يفترض دخولها خلال الفترة نفسها، بنسبة التزام لا تتجاوز 43% أما الوقود، فقد دخلت 808 شاحنات فقط من أصل 5,750 شاحنة مفترضة، بنسبة 14%، في حين ينص البروتوكول الإنساني على دخول 600 شاحنة يوميًا بينها 50 شاحنة وقود.

هذه الفجوة بين الأرقام المفترضة وما يدخل فعليًا تنعكس مباشرة على الأسواق والمنازل، وتفسر جزءًا كبيرًا من أزمة الأسعار والندرة.

سوق مزدحم بلا قدرة شرائية

بيانات الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني وسلطة النقد تشير إلى أن معدلات البطالة في قطاع غزة تجاوزت 77%، مع انكماش اقتصادي حاد خلال العامين الماضيين. هذا الواقع أفقد شريحة واسعة من السكان دخلها المنتظم، وجعل أي ارتفاع في الأسعار عبئًا مضاعفًا.

محسن غانم، من مخيم البريج، يقول إن دخله توقف منذ أشهر، وإن مدخراته استُهلكت في الحد الأدنى من الاحتياجات. ومع اقتراب شهر رمضان، تبدو الفجوة بين الاحتياج والقدرة أكثر قسوة. يوضح أن أسعار عدد من السلع الأساسية ارتفعت بنسب تتراوح بين 40 و70 في المئة مقارنة بما قبل الحرب، بينما القدرة على الشراء تآكلت بالكامل تقريبًا.

“رمضان كان شهر تحضير وتخزين، اليوم نسأل فقط: كيف نكمل الأسبوع؟”، يقول. بالنسبة له، لم يعد السوق مساحة اختيار، بل مساحة عجز، حيث يسأل عن السعر ثم يعيد السلعة إلى مكانها، مؤجلًا حتى أبسط متطلبات الشهر.

وفي أحد أسواق القطاع، يقف خالد مهنا إلى جانب بسطته، بينما تُعلّق فوانيس رمضانية قليلة فوق بعض الأكشاك في مشهد لا يعكس واقع البيع. يؤكد أن السوق يبدو مزدحمًا للوهلة الأولى مع اقتراب رمضان، لكن المعروض يتركز في سلع ثانوية مثل الشوكولاتة والعصائر، بينما السلع الأساسية كالزيوت واللحوم والحبوب إما محدودة أو مرتفعة الثمن.

يقول: “الناس بتيجي تتفرج أكثر مما تشتري. رمضان زمان كان موسم حركة، اليوم هو موسم حسابات دقيقة”. كثيرون، بحسبه، يغادرون دون شراء، لأن الأولوية أصبحت لتأمين الخبز وبعض الخضروات فقط، حتى في شهر يفترض أن يكون شهر موائد لا شهر تقشّف قاسٍ.

رمضان الثالث بعد الحرب موائد ناقصة وذاكرة لا تلتئم

نقص الوقود يضيف طبقة أخرى من المعاناة. في دير البلح، تنظر رندة المبحوح إلى جدول تعبئة الغاز وتدرك أن دورها لن يحين خلال رمضان. تقول إن الكميات المدخلة لا تكفي لتغطية الطلب، وإنها وفق الجدول المعلن لن تتمكن من تعبئة أسطوانتها خلال أيام الصيام. تضيف أن استخدام الحطب داخل مساحة ضيقة مرهق وخطر، لكنه الخيار الوحيد في ظل دخول الوقود بنسبة 14 في المئة فقط من الكميات المفترضة.

الواقع الاجتماعي يبدو أكثر قسوة من الأرقام. سمية داود، التي فقدت نصف عائلتها خلال الأشهر التي تلت وقف إطلاق النار، تقول إن جمعة رمضان هذا العام ستكون مختلفة تمامًا. المائدة التي كانت تجمع إخوتها وأبناءهم صارت ناقصة، والفراغ حولها أكبر من أن يُملأ. تشير إلى أن المواسم تكشف حجم الغياب أكثر مما تخففه، وأن رمضان الذي كان يجمع العائلة بات يذكّرها بمن لم يعودوا.

يرى الخبير الاقتصادي أحمد أبو قمر أن انخفاض تدفق السلع إلى نحو 43% من الكميات المفترضة، ودخول 14% فقط من الوقود، خلقا سوقًا مختنقة ترتفع فيها الأسعار بفعل قلة العرض، ويتفاقم الضغط مع زيادة الطلب الموسمي قبيل شهر رمضان. ويشير إلى أن سلة الاستهلاك الرمضانية، التي تعتمد تقليديًا على مواد غذائية أساسية وزيوت وحبوب، تواجه اليوم فجوة حادة بين الحاجة والتوفر، ما يدفع الأسعار إلى مستويات تفوق قدرة معظم الأسر.

ويضيف أبو قمر أن استمرار حالة عدم اليقين الأمني يحدّ من ضخ كميات إضافية في السوق، ويمنع التجار من المجازفة بالتخزين أو الاستيراد المحدود، الأمر الذي يعمّق اعتماد الأسر على المساعدات الإنسانية في وقت لا تغطي فيه الشاحنات المدخلة سوى أقل من نصف الاحتياجات المفترضة، في ظل موسم يُفترض أن يشهد ذروة في الاستهلاك لا ذروة في العجز.

هكذا تستقبل غزة رمضانها الثالث. بين بطالة مرتفعة، وسوق يعرض ما لا يستطيع الناس شراءه، وبيوت فقدت أبناءها ومساكنها، يتشكل الشهر على إيقاع مختلف. ليس السؤال كم صنفًا ستضم المائدة، بل كيف يمكن الحفاظ على ما تبقى من تماسك عائلي وكرامة معيشية في مدينة ما زالت تحاول أن تعيش بين اقتصاد منهك وهدنة لم تتحول بعد إلى استقرار كامل.

الكلمات المفتاحية

إرهاب المستوطنين

حرب إيران تفتح شهية المستوطنين: تصعيد في القتل والاعتداء وتهجير للتجمعات البدوية

هيئة مقاومة الجدار والاستيطان لـ"الترا فلسطين": منذ حرب إيران، سقط 6 شهداء برصاص مستوطنين، والاحتلال أصدر 11 أمرًا عسكريًا لإزالة أشجار في مساحات واسعة من الضفة الغربية.


أحلام العمصي والحكاية الفلسطينية على لسان النساء

أحلام العمصي والحكاية الفلسطينية على لسان النساء

لم تأتِ فكرة الحكاية لدى أحلام من فراغ، بل من قصص عاشت بعضها وورثت بعضها الآخر منذ طفولتها


   في يوم المرأة العالمي.. نساء غزَّة بين الفقد وصناعة الأمل.

في يوم المرأة العالمي.. نساء غزَّة بين الفقد وصناعة الأمل

رغم الخسارات الكبيرة والندبات المؤلمة، لا تزال النساء الغزيات يتمسكن بالأمل ويكتبن حكايات صمود مستمرة.


تصاعد اعتداءات المستوطنين يشرّد عشرات الفلسطينيين شرق طوباس وجنوب نابلس

تصاعد اعتداءات المستوطنين يشرّد عشرات الفلسطينيين شرق طوباس وجنوب نابلس

تأتي هذه التطورات في وقت تشهد فيه الضفة تصاعدًا في اعتداءات المستوطنين، حيث وثّقت هيئة مقاومة الجدار والاستيطان 511 اعتداء نفذها مستوطنون خلال فبراير الماضي

اليوم العاشر للعدوان: صواريخ من إيران ولبنان نحو إسرائيل وغارات على جنوب لبنان
أخبار

اليوم العاشر للعدوان: صواريخ نحو إسرائيل وغارات على جنوب لبنان

دخل العدوان الأميركي الإسرائيلي على إيران يومه العاشر. وأعلنت وكالة تسنيم صباح الإثنين، إطلاق متزامن لصواريخ من لبنان وإيران نحو الأراضي المحتلة

3 شهداء إثر قصف مركبة غربي غزة
أخبار

3 شهداء إثر قصف مركبة غربي غزة

استٌشهد ثلاثة فلسطينيين إثر غارة إسرائيلية على مركبة غربي مدينة غزة مساء الأحد.


العدوان على إيران
أخبار

تقديرات إسرائيلية: كلفة العدوان على إيران قد تصل إلى 100 مليار شيكل

تشير تقديرات اقتصادية متداولة في إسرائيل إلى أن كلفة المواجهة العسكرية مع إيران قد ترتفع إلى أكثر من 100 مليار شيكل إذا استمرت لعدة أسابيع

وليد الخالدي: رحيل المؤرخ الفلسطيني
ذاكرة وطنية

وفاة وليد الخالدي.. أحد أبرز المساهمين في توثيق تاريخ فلسطين ونكبتها

ولد وليد الخالدي في القدس عام 1925، وهو ابن أحمد الخالدي، عميد الكلية العربية في القدس، وإحسان عقل شقيقة أمين عقل

الأكثر قراءة

1
تقارير

كيف تأثر قطاع غزة بالعدوان على إيران؟


2
تقارير

آلاف المرضى مهددون بالعمى.. شقورة: الاحتلال يمنع إدخال معدات طب العيون لغزة


3
راصد

وثائق "الخطيئة الأولى": أرشيف جولاني المتروك في "قمامة" تل أبيب ينسف رواية النكبة


4
تقارير

الجثامين المتبخرة: مأساة مفتوحة أنتجتها الإبادة الجماعية في غزة


5
تقارير

أزمة المياه تُحوّل عودة نازحين غزة إلى معركة يومية من أجل البقاء