ultracheck
تقارير

رمضان وكورنيش غزة في ذاكرة الغزيين.. عن "المتنفس الاجتماعي" الذي دمره الاحتلال

5 مارس 2026
كورنيش غزة قبل حرب الإبادة وبعدها
أميرة نصَّار
أميرة نصَّار صحافيّة وكاتبة

قبل أن تميل الشمس نحو الغروب بنحو ساعةٍ ونصف، وتبدأ غزَّة في عدّ الدقائق لموعد الإفطار الرمضاني، كان الشاب الثلاثيني أيمن سكيك يرتدي زيه وحذاءه الرياضي، وينطلق لممارسة طقسه الرمضاني المفضل: المشي على كورنيش غزّة برفقة شقيقه وثلّةٍ من أصدقائه.

تدمير الاحتلال الإسرائيلي للكورنيش لم يكن تدميرًا لمكانٍ جغرافي فحسب، إنما تعطيلاً لجوانب اجتماعية ونفسية كانت تسمح للأفراد والجماعات بالتلاقي والتخفف من الضغوط، مما يفاقم في الوقت الحالي من مشاعر العزلة والانغلاق

يعود أيمن بذاكرته إلى ما قبل حرب الإبادة ويقول: "كان المشي على الكورنيش في رمضان واجبًا يوميًا فرضته على نفسي، فهو الشهر الوحيد في العام الذي كنت أتفرغ فيه من عملي في معرض العطور قبل الساعة الخامسة، لألتقي بصديقي سراج الشوا، وننفصل عن واقع الحياة وزحمتها وأجواء  العمل".

ويستعيد سكيك تفاصيل التحديات الصغيرة التي كانت تضفي على مشيهم روحًا مرحة، فيروي "كنا نجُري تحديًا بيننا حول من يمتلك معارف وأصدقاء أكثر يصافحونه خلال المشي على الكورنيش، وغالبًا ما كنت أحرز النقاط الأعلى وأتغلب على سراج".

يضيف أيمن: "كنت أقطع مسافة ستة كيلومترات ذهابًا وإيابًا على الكورنيش، كان المشي بالنسبة لي حمية صحية، خصوصًا مع العزائم الرمضانية المليئة بالسعرات الحرارية". فضلاً عن ذلك فقد كان المكان يُشعره بأنه "يلامس قطعة من الجنة" وفق وصفه، حيث "غروب الشمس الساحر بتدرجاته البرتقالية مع زرقة البحر، والهواء النقي بعيدًا عن ضجيج المدينة".

أما الآن، فقد بات الكورنيش "واجهة  غزَّة المحاصرة والمدمرة، ومعه مُحيت ملامح الحياة والروح الرمضانية" بحسب أيمن، مضيفًا أنه "يشعر بالأسى وانتكاسة نفسية لما حل بالكورنيش، ولا يحتمل رؤيته ولو بجولة سريعة في السيارة".

يحاول أيمن تعويض المشي على الكورنيش بالمشي في الباحة الخلفية لمنزله وعلى سطحه، لكن أين الثرى من الثريا؟ "فالمساحة صغيرة، وفي كل مرة أمشي فيها تعود بي الذاكرة إلى هواء الكورنيش، وذكرياته، وجمعات الأصدقاء الذين استُشهد بعضهم وغادر آخرون القطاع".

أما السيدة الخمسينية سهام موسى فتتحسر من فوق ركام منزلها قائلة: "هالرمضان ما في كورنيش بحر، ولا في مائدة رمضانية يجتمع عليها أحباؤنا، ولا سيارة تُقلّنا لنفطر على شاطئ  البحر. فالإفطار الرمضاني على البحر لم يكن طقسًا عاديًا، بل لمة لكل الحبايب من أشقائي وشقيقاتي وأولادهم وأحفادهم".

وتلخص سهام حكاية أسرتها التي تُشبه حكايات عائلاتٍ كثيرة نكأ رمضان جراحها قائلة: "شقيقتي فقدت كل أسرتها وباتت الناجية الوحيدة، وأشقائي أطفالهم بين مصابين ونازحين، وبيتي بيت العمر الذي كُنت أعدّ فيه أشهى الأطباق الرمضانية بات ركامًا ورمادًا".

وتستذكر سهام الطقوس العائلية الرمضانية قبل الإبادة قائلة: "كنا نجري اتصالات مع بعضنا البعض من أجل تحضير المائدة الرمضانية، ونقسم المهام فيما بيننا من جلب الشراشف والطاولات والكراسي وأسياخ الشواء و إعداد العصائر. كنا نُعد أطباقًا متعددة: من ورق العنب إلى مكرونة البشاميل والبيتزا وتتبيل الدجاج والفتوش والسمبوسك والسلطات والمقبلات، وصولاً لشراء الحلويات من القطايف والكلاج والمسليات".

تضيف: "كانت جلسة الكورنيش تجمعنا ككل ولمّة العيلة تسعدنا. من تقاسم الأطباق بين بعضنا البعض و تأدية صلاة التراويح في الهواء الطلق وفرحة الأطفال بلعبهم على الشاطئ مع بعضهم البعض. لكن هالحرب مسحت كل شيء، وسلبت أرواحنا وأحبابنا، ودمرت أماكننا وذكرياتنا بتفاصيلها الصغيرة وأخذت ذكرياتنا الحلوة".

الشابة العشرينية شيماء زين الدين اعتادت هي الأخرى الإفطار في الاستراحات البحرية على الكورنيش مع صديقتها المقربة. كان هذا قبل الإبادة، أما اليوم فتقول: "رأيت البحر مرَّة واحدة في طريق العودة من نزوحنا الأخير من جنوب القطاع. الشاطئ كله مدمر ليس فيه أثر للحياة، فلا كافتيريات ولا مطاعم، ليس هناك سوى خيام النازحين الممتدة على مدَّ البصر".

وتستذكر كورنيش غزة مضيفة: "كان الشاطئ يتزين بالمقاعد والمراجيح التي تكسوها حبال الزينة الذهبية، فيما الكافتريات تفوح منها رائحة القهوة وشواء الذرة، حيث  كانت تفتح أبوابها وتقدم وجبة السحور الرمضاني. كان الكورنيش يعج بأصوات بائعي القهوة والعصائر، وألعاب الأطفال وضحكاتهم ودراجاتهم التي كانوا يتسابقون عليها".

يُعد كورنيش غزة الواجهة الترفيهية لغزة ومتنفسها الأبرز قبل حرب الإبادة الإسرائيلية، كما شكّل مقصدًا للرياضيين، حيث تتنوع الأنشطة بين المشي، والركض، وركوب الدراجات الهوائية، إلى جانب الرياضات الجماعية من لعب كرة القدم وكرة الطائرة.

ولطالما كان كورنيش غزة يعج بالكافتيريات والاستراحات والباعة المتجولين الباحثين عن أرزاقهم: كوب شاي، كوز ذرة أو حفنة من الفستق، بطاطا حلوة مشوية، وغزل البنات، وبالونات ملونة. فضلاً عن أكشاك بيع القهوة والمثلجات التي باتت مصدر رزق لخريجي الجامعات الذين لا يجدون فرصة عمل تناسب تخصصاتهم العلمية.

وقبل الحرب بخمسة أشهر، شهد كورنيش غزة حملة تطوعية أطلقتها بلدية غزة بعنوان "كورنيش غزة نظيف" للتوعية بالحفاظ على نظافة الكورنيش مع استقبال الصيف، وكان مقررًا أن تستمر 200 يوم. أما اليوم، فلم يبق للنظافة مكانٌ في غزة، مع تدمير المنازل والبنية التحتية وخطوط المياه والصرف الصحي، ومواصلة الحصار المطبق الذي يمنع إدخال الآليات والمعدات اللازمة لإزالة الركام والأنقاض وإصلاح الطرق وصولاً إلى عملية إعادة الإعمار.

تلخص المختصة الاجتماعية والنفسية سجود المدهون كورنيش غزة في نظرها بأنه "مساحة اجتماعية يلتقي فيها الغزّيون بعيدًا عن ضيق المساحة وضغوط الحياة والحصار المفروض عليهم منذ عدّة سنوات، حيث كان البحر بفضائه الواسع وبكونه أحد أبرز المظاهر الطبيعية الساحرة التي تمنح الزوار الأريحية الملائمة للطقوس الدينية والرمضانية".

وتقول المدهون: "تدمير الكورنيش أسهم في ضرب الروابط الاجتماعية وقلل من الترابط الأسرى الذي وجهت له الإبادة الإسرائيلية ضربة مباشرة، حيث باتت العائلات تفضل البقاء وحدها عن الاختلاط بالآخرين، بعد سلسلة الفقد التي مرت بها والنزوح، إلى جانب نشوء جماعات غير أخلاقية وميليشيات مسلحة ساهمت في ازدياد خوف الناس والحد من تواجدهم".

وتشير المدهون إلى أن الكورنيش البحري كان  يلعب دور "التنفيس الانفعالي" عن المحاصرين في قطاع غزَّة، الذي كان الناس فيه يفتقرون إلى أماكن الترفيه خلال سنوات الحصار التي قاربت عقدين، مشيرة إلى أن البحر بطبيعته الهادئة يساهم في تخفيف القلق والتوتر، والمشي على الشاطئ يمنح شعورًا بالتحرر ولو بشكل مؤقت من الواقع الضاغط.

وأكدت المدهون أن "تدمير الاحتلال الإسرائيلي للكورنيش لم يكن تدميرًا لمكانٍ جغرافي فحسب، إنما تعطيلاً لجوانب اجتماعية ونفسية كانت تسمح للأفراد والجماعات بالتلاقي والتخفف من الضغوط، مما يفاقم في الوقت الحالي من مشاعر العزلة والانغلاق".

الكلمات المفتاحية

خاص | لقاء مرتقب لحماس مع ملادينوف: لا نقاش حول السلام قبل إتمام المرحلة الأولى من اتفاق غزة

خاص | لقاء مرتقب لحماس مع ملادينوف: لا نقاش حول السلاح قبل إتمام المرحلة الأولى من اتفاق غزة

مصدر لـ"الترا فلسطين": حركة حماس ستبلّغ ملادينوف بشكل صريح أن بياناته حول الوضع الإنساني في قطاع غزة غير دقيقة


الأطفال الخُدّج في غزة

عامان من الفراق والانتظار.. حكايات أطفال غزة الخدّج العائدين من الموت

لم تكن قصص عودة الأطفال الخدج كلها فرح، فالشاب محمد لبد (38 عامًا) وجد نفسه في نزاع مع شخص آخر على طفل يعتقد كلٌ منهما أنه طفله


أزمة الخبز في غزة تتفاقم: ما أسبابها؟

أزمة الخبز في غزة تتفاقم: ما أسبابها؟

أكد مصدر مطلع على الأزمة، رفض الكشف عن هويته، خلال حديثه مع "الترا فلسطين" أن الأزمة تفاقمت نتيجة خفض برنامج الغذاء العالمي إنتاج الخبز بنسبة تتراوح بين 30 و40%


اقتصاد البقاء في غزة: حين يعيد الحصار تشكيل الحياة

اقتصاد البقاء في غزة: حين يعيد الحصار تشكيل الحياة

يعيشون الناس في غزة "اقتصاد البقاء"، ويتركز تفكيرهم على تأمين احتياجاتهم اليومية، في ظل غياب فرص العمل وارتفاع معدل البطالة لأكثر من 80%

إسرائيل توافق على مفاوضات مع لبنان وترفض بحث وقف إطلاق النار مع حزب الله
أخبار

سفير إسرائيل بواشنطن: موافقة على التفاوض مع لبنان ورفض وقف النار مع حزب الله

صرح سفير إسرائيل في الولايات المتحدة يحيئيل ليتر مساء السبت، أن إسرائيل وافقت على الدخول في مفاوضات مع لبنان يوم الثلاثاء، لكنها رفضت مناقشة وقف إطلاق النار مع حزب الله

غزة: 749 شهيدًا منذ وقف إطلاق النار في أكتوبر الماضي جراء خروقات الاحتلال
أخبار

غزة: 749 شهيدًا منذ وقف إطلاق النار في أكتوبر الماضي جراء خروقات الاحتلال

أفادت مصادر محلية باستشهاد عدد من المواطنين وإصابة آخرين، مساء اليوم السبت، بعد قصف طيران الاحتلال لمناطق في بيت لاهيا ودير البلح في قطاع غزة


شهيد برصاص مستوطنين في قرية دير جرير شرق رام الله
أخبار

شهيد برصاص مستوطنين في قرية دير جرير شرق رام الله

أعلنت وزارة الصحة الفلسطينية مساء اليوم السبت، استشهاد الشاب علي ماجد حمادنة (23 عامًا) برصاص مستوطنين خلال اعتدائهم على قرية دير جرير

قمع احتفالات "سبت النور" في القدس وإزالة العلم الفلسطيني من الكشافة
أخبار

قمع احتفالات "سبت النور" في القدس وإزالة العلم الفلسطيني من الكشافة

اعتدت شرطة الاحتلال اليوم السبت، على الكشافة الاحتفالية بـ "سبت النور" في القدس، فيما قيدت مسيرات الكنائس المسيحية للسبت المقدس في كنيسة القيامة

الأكثر قراءة

1
تقارير

خاص | لقاء مرتقب لحماس مع ملادينوف: لا نقاش حول السلاح قبل إتمام المرحلة الأولى من اتفاق غزة


2
تقارير

ريتاج ريحان.. طفلة قُتلت برصاصة إسرائيلية داخل خيمتها الدراسية في بيت لاهيا


3
تقارير

هجوم دموي على مخيم المغازي: الأهالي يتصدون لميليشيا مسلحة يحميها طيران الاحتلال


4
تقارير

تجميد الحسابات البنكية في غزة: أموال محجوزة وأرزاق معلقة


5
تقارير

خاص | مباحثات في القاهرة حول "ورقة ملادينوف" لنزع السلاح.. حماس تتمسك بأولوية إتمام المرحلة الأولى من اتفاق غزة