ultracheck
قول

سبعمائة يوم… على خطى الأمل والرماد

5 سبتمبر 2025
سبعمائة يوم… على خطى الأمل والرماد
Photo by EYAD BABA/AFP via Getty Images
محمد نشبت
محمد نشبت كاتب صحفي من فلسطين

في صباح السابع من أكتوبر/تشرين الأول، استيقظنا على وقع زلزال لم نعهده من قبل. كان أمل التحرير يرفرف في سماء القطاع المحاصر، نَهِمًا على سنوات الحصار الطويلة، وكأن الشمس التي أشرقت في ذلك اليوم تحمل وعدًا بكرامة طال انتظارها. لكن سرعان ما غابت هذه الشمس خلف سحابة سوداء من الخوف والدمار، لتبدأ رحلتنا عبر سبعمائة يوم، كان كل يوم منها جحيمًا قائمًا بذاته.

لم يكد صدى هتافات الحرية يخفت حتى دوّت تهديدات "القوة الجنونية"، التي أعلنت نيتها تحويل غزة إلى ركام. تلا ذلك الأمر الأكثر فظاعة: النزوح. كانت خريطة الوطن تتمزق أمام أعيننا إلى شظايا، يرسم الاحتلال حدودها بالدم والنار. نقطة نتساريم تحولت إلى ممر موت، حيث بدا الطريق إلى الجنوب، الذي ظننّاه ملاذًا، مصيدة كبرى. سقطت الجثث على جانبي الطريق، وكأننا نعبر من تحت نعش ضخم، نبحث عن حياةٍ في مكانٍ لا نجاة فيه.

سبعمائة يوم مرّت… لم نخرج منها أبطالًا فحسب، بل خرجنا محمّلين بجراح لن تندمل، وذاكرة لن تُمحى، وقصة يجب أن يسمعها العالم

وما إن تجاوزنا جحيم النزوح حتى بدأ جحيم آخر أكثر وحشية: القصف الجنوني. لم تكن المباني والحجر وحدها أهداف الغارات، بل كانت الحياة ذاتها في مرمى النار. البيوت سقطت على رؤوس ساكنيها، والشوارع تحولت إلى مقابر مفتوحة. بأعيننا رأينا اختطاف المدنيين وتعذيبهم في معسكرات مؤقتة، ورأينا الجنود يقتلون للتسلية، ويستبيحون حوائج الناس الصغيرة: خاتم امرأة، ساعة رجل، أو لعبة طفل، كأنها غنائم في حرب لا رحمة فيها. لقد تجردوا من إنسانيتهم قبل أن يجردونا من ممتلكاتنا.

في أماكن النزوح، حيث الخيم الهزيلة لا تقي حرّ الصيف ولا برد الشتاء، خضنا معركة البقاء على قيد الحياة. مع إغلاق المعابر بشكل كامل، تحوّل الطعام والماء إلى أحلام بعيدة المنال. استخدم الاحتلال التجويع والتعطيش كسلاح يطوق أعناقنا، فأصبح البحث عن رغيف خبز كأنه البحث عن كنز، وشربنا الماء المالح على أمل أن ينعش جسدًا أنهكه الجوع. حتى إعداد وجبة بسيطة صار بطولة يومية، ورحلة البحث عن الحطب ملحمة أخرى من معارك الصمود. ومع مرور الوقت، لم يكن الجوع مجرد إحساس عابر، بل مقصلة بطيئة أودت بحياة ما يزيد عن ثلاثمئة مدنٍ، معظمهم من الأطفال وكبار السن، بينما بقي أكثر من مليون إنسان يتأرجحون يوميًا على حافة الجوع الحاد.

وفي خضم هذا الجحيم، ارتُكبت مجازر علقت في ذاكرة العالم. جريمة مستشفى المعمداني، حيث قُتل الملاذ الآمن على رؤوس أكثر من خمسمئة مريض ونازح، لتتحول قاعة الصلاة إلى بحر من الدماء. جريمة المواصي، حيث ذُبح من اعتقدوا أن البحر سينجيهم، لكن أمواجه لم تحمل سوى جثث غارقة في الملح. وجريمة "البركسات" في رفح، حيث حُرق الناس وهم نائمون في ملاجئهم. وكل واحدة من هذه المجازر لم تكن مجرد حادثة، بل كانت شاهدًا على آلة إبادة لا تعترف بقانون إلهي أو بشري.

الأرقام لم تعد مجرد إحصاءات جافة، بل صارت وجعًا يوميًا يطاردنا. أكثر من ستون ألف إنسان رحلوا خلال هذه الحرب، سبعون في المئة منهم من النساء والأطفال. كل رقم منهم قصة مقطوعة قبل أوانها، وكل جرح من بين مئة ألف جريح هو شاهد حي على حجم الألم. أكثر من أربعين ألف طفل يتيم يبحثون عن معنى للحياة في عالم يصرّ على موتهم. أمراض لم نسمع بها من قبل تنهش أجسادًا ضعيفة لم تجد غذاءً ولا دواءً. قُتل الصحفيون ليُقتَل الخبر، واستُهدِفت فرق الإنقاذ ليموت الأمل الأخير في النجاة.

حتى عمليات الإنزال الجوي، التي صُوّرت كإغاثة إنسانية، تحولت إلى مشهد من الذل والإهانة، تذكيرًا بأن مصائرنا مرهونة بيد من يحاصرنا. وفي قلب هذا المشهد الموجع، تحولت مراكز المساعدات إلى ساحات موت جديدة؛ هناك، عند الطوابير التي تجمع الجياع، سقط المئات—ألف مدنٍ—بين قتيل وجريح، لا لشيء سوى أنهم بحثوا عن كيس طحين يسد رمقهم.

ورغم كل هذا الظلام، بقيت شموع صغيرة تضيء لنا الطريق. الجهود الجبارة لجنوب إفريقيا في محكمة العدل الدولية شكّلت بارقة أمل في زمن الصمت، إذ نادت بإنصافنا عندما تخلّى عنا كثيرون. لكن الألم تضاعف حين شعرنا بانسلاخ باقي الوطن عنا، وصمته الذي كان في كثير من الأحيان أقسى من القصف ذاته.

شهدنا هدنتين قصيرتين، أشبه بنسمة هواء في غرفة خانقة. خلال ستين يومًا عادت الحياة تدريجيًا، وعاد بعض النازحين إلى ديارهم المدمرة، لا ليعيدوا بناءها، بل ليبكوا على أطلالها. لكن الحلم انكسر سريعًا. ففي مارس/آذار 2025، كسر الاحتلال الهدنة بشكل مباغت، وأغلق المعابر من جديد، ليعيدنا إلى سجن أكبر وأقسى: سجن الجوع العمد.

تحولت مراكز المساعدات الأمريكية إلى مصائد موت متكررة، حيث كان الجوعى يتساقطون واحدًا تلو الآخر تحت جنازير الدبابات التي تحرس القوافل. لم يعد مشهد الأطفال الممددين أرضًا غريبًا، بل أصبح مشهدًا يتكرر كل يوم وكأنه أصبح جزءًا من طابور الموت الجماعي. ومع ذلك استمر عدّاد الشهداء في الصعود بلا توقف، حتى صار حديثنا عن مظلوميتنا صدى يتردد في وادٍ مقفر، لا يسمعه أحد.

لكننا وسط كل ذلك لم نستسلم. خضنا معاركنا الصغيرة اليومية: معركة توفير الماء الصالح للشرب، معركة وجبة الطعام، معركة الحفاظ على بقايا الكرامة.

سبعمائة يوم مرّت… لم نخرج منها أبطالًا فحسب، بل خرجنا محمّلين بجراح لن تندمل، وذاكرة لن تُمحى، وقصة يجب أن يسمعها العالم. لأننا لم نعد نخشى الموت، بل نخشى أن نموت دون أن يعرف أحد أننا عشنا، وعانينا، وصمدنا.

الكلمات المفتاحية

ثلاث سنوات بحثًا عن يوم عادي

ثلاث سنوات بحثًا عن يوم عادي

أشتاق إلى مشوار تكون لديّ في نهايته حكاية عادية


حين احتضنت قونية فلسطين

حين احتضنت قونية فلسطين

عندما ظهر أطفال غزة في الملعب، شعرت أنني لم أعد أشاهد المباراة من بعيد، بقيت عيني معلقة بهم؛ أطفال أعرف المكان الذي جاؤوا منه، وأعرف جيدًا ما تعنيه غزة حين تظهر في الأخبار


السؤال هل ستجري الانتخابات أم لا يكشف أزمة الحكم

السؤال هل ستجري الانتخابات أم لا يكشف أزمة الحكم

حين يسأل الفلسطينيون "هل ستجري الانتخابات التشريعية أم ستؤجل مرة أخرى؟"، فإنهم لا يعبرون عن فضول تجاه حدث سياسي مقبل، بل يكشفون عن أزمة عميقة في علاقتهم بالنظام الذي يحكمهم


إبادة المرأة الفلسطينية في زمن الإبادة

إبادة المرأة الفلسطينية في زمن الإبادة

الخطاب المضاد للإبادة ذكوري الطابع، فهو يعتمد أيضًا على لغة شمولية عنيفة وبطولية للغاية، يمارس من خلالها الضغط على إمكانيات بروز لغة أنثوية ونسوية مضادة

مركز "مدار" يناقش الضم الإسرائيلي الجاري في ضم الضفة الغربية
أخبار

مركز "مدار" يناقش الضم الإسرائيلي الجاري في الضفة الغربية

عقد المركز الفلسطيني للدراسات الإسرائيلية - مدار، طاولة مستديرة ثانية، لنقاش ورقة بعنوان "لا هل وإنما كيف: الضم الإسرائيلي الجاري في الضفة الغربية"

تحليل إسرائيلي: أربعة سيناريوهات لتشكيل الحكومة المقبلة
أخبار

تحليل إسرائيلي: أربعة سيناريوهات لتشكيل الحكومة المقبلة

تشمل السيناريوهات، تحالفات بين خصوم سياسيين، وانشقاقات داخل الليكود، وحتى تشكيل حكومة أقلية بدعم غير مباشر من الأحزاب العربية


حماس ترد على مزاعم الاحتلال بشأن استخدام مستشفيات غزة وتحذّر من استهدافها
أخبار

حماس ترد على مزاعم الاحتلال بشأن استخدام مستشفيات غزة وتحذّر من استهدافها

حماس: نحذّر من اتخاذ الادعاءات الكاذبة ذريعة للاعتداء على ما تبقى من مستشفيات غزة، وندعو الأمم المتحدة إلى زيارتها والتحقق من زيفها

مؤسسات الأسرى: 26 ألف حالة اعتقال وأكثر من 100 شهيد منذ بدء الإبادة
أخبار

مؤسسات الأسرى: 26 ألف حالة اعتقال وأكثر من 100 شهيد منذ بدء الإبادة

مؤسسات الأسرى: 92 شهيدًا بين صفوف الأسرى المعلومة هوياتهم خلال ثلاثة أعوام.. والإخفاء القسري يحجب مصير العشرات من شهداء معتقلي غزة

الأكثر قراءة

1
مقابلات

من الحبر إلى الأمن.. الخالدي يكشف لـ "الترا فلسطين" ترتيبات الانتخابات التشريعية بغزة


2
تقارير

ملف | الانتخابات الإسرائيلية 2026: أسئلة الحرب واليمين والمعارضة وفلسطين


3
قول

الجنرالات التائبون


4
تقارير

تسمم وأمراض تهدد النازحين.. من يضمن سلامة مياه الشرب في غزة؟


5
مقابلات

حوار | وليد حباس: المنافسة في الانتخابات الإسرائيلية على إدارة الاحتلال لا على إنهائه