ultracheck
قول

شعار أميركا أولًا لا يعني إسرائيل أخيرًا

26 يونيو 2026
شعار أميركا أولًا لا يعني إسرائيل أخيرًا
نبهان خريشة
نبهان خريشة صحفي وكاتب فلسطيني

ليس جديدًا على الحياة السياسية العربية أن تختلط الأمنيات بالتحليل، وأن تتحول الرغبات إلى ما يشبه الحقائق في أذهان كثيرين. فنحن كثيرًا ما نرى الواقع كما نتمنى أن يكون، لا كما هو بالفعل. ولعل أحد أكثر الأمثلة حضورًا في هذه المرحلة هو الاعتقاد المتزايد بأن الولايات المتحدة باتت على وشك التخلي عن إسرائيل، وأن التحالف الذي حكم سياسات البلدين لعقود طويلة يقترب من نهايته.

ويستند أصحاب هذا الرأي إلى جملة من المؤشرات. فهم يرون أن إدارة دونالد ترامب تتهم حكومة بنيامين نتنياهو دفعت المنطقة إلى حافة حرب إقليمية واسعة مع إيران، بما يهدد المصالح الأميركية ويستنزف الموارد العسكرية والاقتصادية لواشنطن. ويضيفون أن شعار "أميركا أولًا" يعني في نهاية المطاف، أن الولايات المتحدة لن تضحي بمصالحها من أجل أي حليف، بما في ذلك إسرائيل.

إسرائيل ليست مجرد دولة حليفة للولايات المتحدة، بل أصبحت جزءًا من الثقافة السياسية الأميركية نفسها

قد يبدو هذا الاستنتاج منطقيًا للوهلة الأولى، لكنه يبقى أقرب إلى التفكير الرغبوي منه إلى القراءة الواقعية لموازين القوى. فالسياسة لا تُقرأ من خلال حدث واحد أو أزمة عابرة، بل من خلال فهم البنى العميقة التي تحكم العلاقات الدولية، وخاصة عندما يتعلق الأمر بعلاقة استثنائية كالعلاقة الأميركية الإسرائيلية.

صحيح أن الولايات المتحدة لا تعرف الصداقات الدائمة، بل المصالح الدائمة. وهذه قاعدة أثبتها التاريخ مرارًا. لكن من الخطأ الاعتقاد بأن وجود خلافات بين واشنطن وتل أبيب يعني أن التحالف بينهما يقترب من الانهيار. فالخلافات ليست ظاهرة جديدة، بل رافقت معظم الإدارات الأميركية منذ قيام إسرائيل، وشهدت مراحل من التوتر السياسي والعسكري والدبلوماسي، من دون أن تمس جوهر العلاقة الاستراتيجية.

لقد اختلفت إدارات أميركية متعاقبة مع الحكومات الإسرائيلية حول الاستيطان، وحول إدارة الصراع مع الفلسطينيين، وحول ملفات إقليمية عديدة. ووصلت تلك الخلافات أحيانًا إلى مستويات غير مسبوقة، لكن الدعم العسكري والاقتصادي والسياسي لإسرائيل ظل مستمرًا، لأن العلاقة بين الطرفين لا تقوم على الانسجام الشخصي بين رئيس أميركي ورئيس وزراء إسرائيلي، وإنما على شبكة واسعة من المصالح والمؤسسات والرؤى المشتركة.

ومن هنا، فإن شعار "أميركا أولًا" لا ينبغي تفسيره على أنه يعني "إسرائيل أخيرًا". فالفكرة الأساسية لهذا الشعار هي أن الولايات المتحدة تريد إدارة تحالفاتها بما يخدم مصالحها الوطنية أولًا. وإذا رأت أن حكومة إسرائيلية معينة أصبحت عبئًا على هذه المصالح، فقد تمارس عليها ضغوطًا، أو تحد من اندفاعها، أو تعارض بعض سياساتها. لكن هذا يختلف تمامًا عن التخلي عن إسرائيل نفسها باعتبارها حليفًا استراتيجيًا.

إن الدولة الأميركية قادرة على التمييز بين الحكومة الإسرائيلية وبين المشروع الاستراتيجي الذي تمثله إسرائيل بالنسبة للولايات المتحدة. وقد تتغير الحكومات، وتتبدل الشخصيات، ويذهب نتنياهو ويأتي غيره، لكن المكانة التي تحتلها إسرائيل داخل منظومة التفكير الاستراتيجي الأميركي لا تتغير بهذه السهولة.

في المقابل، لا ينبغي أيضًا إنكار وجود تحولات حقيقية داخل المجتمع الأميركي. فخلال السنوات الأخيرة شهدت الجامعات الأميركية، ووسائل الإعلام، وبعض الأوساط الثقافية والسياسية، تزايدًا ملحوظًا في التعاطف مع الفلسطينيين، خاصة بين الشباب. كما بدأت أصوات تنتقد السياسات الإسرائيلية تظهر بصورة أكثر وضوحًا داخل الحزب الديمقراطي، بل وحتى داخل بعض الدوائر اليهودية الأميركية.

وهذه تطورات مهمة، لأنها تكسر احتكار الرواية الإسرائيلية الذي استمر عقودًا طويلة، لكنها لا تعني أن السياسة الأميركية ستنقلب في المستقبل القريب. فالرأي العام شيء، وصنع القرار شيء آخر. وبين الاثنين مؤسسات انتخابية، ومراكز أبحاث، وشبكات تمويل، وجماعات ضغط، وتحالفات اقتصادية وعسكرية، تحتاج جميعها إلى وقت طويل كي تتأثر بتغير المزاج الشعبي.

ولهذا فإن الاعتقاد بأن المظاهرات الجامعية، أو تراجع شعبية إسرائيل في استطلاعات الرأي، سيؤدي خلال سنوات قليلة إلى إنهاء التحالف الأمريكي الإسرائيلي، هو قراءة متعجلة لا تستند إلى فهم طبيعة النظام السياسي الأميركي. فالدول الكبرى لا تغير سياساتها الاستراتيجية بمجرد تغير المزاج الشعبي، بل بعد تراكم طويل يمتد سنوات وربما عقودًا.

والأهم من ذلك أن إسرائيل ليست مجرد دولة حليفة للولايات المتحدة، بل أصبحت جزءًا من الثقافة السياسية الأميركية نفسها. فمنذ عقود طويلة جرى بناء شبكة واسعة من العلاقات الأكاديمية والإعلامية والاقتصادية والعسكرية والدينية جعلت إسرائيل حاضرة بقوة داخل المجتمع الأميركي، وليس فقط داخل البيت الأبيض أو الكونغرس.

بل إن جذور هذه العلاقة أقدم من قيام إسرائيل نفسها. فالكثيرون ينسون أن الصهيونية اليهودية لم تكن البداية، وإنما سبقتها الصهيونية المسيحية التي ظهرت داخل الأوساط البروتستانتية الأوروبية وتحديدًا في بريطانيا منذ القرنين السادس عشر والسابع عشر. فقد تبنى عدد من اللاهوتيين والمفكرين البروتستانت فكرة "عودة اليهود إلى فلسطين" قبل ظهور الحركة الصهيونية اليهوديه بزعامة ثيودور هيرتزل بثلاثة قرون، انطلاقًا من تفسيرات دينية رأت في ذلك جزءًا من النبوءات التوراتية.

ثم انتقلت هذه الأفكار إلى الولايات المتحدة، حيث وجدت بيئة دينية وسياسية مناسبة للنمو، حتى أصبحت الصهيونية المسيحية إحدى القوى المؤثرة في الحياة العامة الأميركية. وعندما ظهرت الحركة الصهيونية اليهودية في أواخر القرن التاسع عشر، وجدت أمامها أرضية فكرية وسياسية كانت مهيأة أصلًا لتقبل مشروع إقامة دولة يهودية في فلسطين.

كما التقت هذه الرؤية الدينية مع المصالح الاستعمارية الغربية. فالقوى الاستعمارية الأوروبية (خاصة البريطانية)، رأت في إقامة كيان موالٍ لها في فلسطين وسيلة لحماية طرق التجارة، وضمان النفوذ في شرق البحر المتوسط، ومنع نشوء قوة إقليمية مستقلة في قلب المنطقة العربية. ولم يكن البعد الديني منفصلًا عن البعد الجيوسياسي، بل تداخل الاثنان في إنتاج المشروع الصهيوني كما عرفه العالم لاحقًا.

من هنا، فإن الاعتقاد بأن هذا البناء التاريخي والسياسي والثقافي يمكن أن ينهار بسبب خلاف بين إدارة أميركية وحكومة إسرائيلية، أو بسبب حرب واحدة مهما كانت خطورتها، لا يعكس قراءة دقيقة لطبيعة العلاقة بين الطرفين.

ولا يعني ذلك أن التحالف الأميركي الإسرائيلي ثابت إلى الأبد، أو أنه غير قابل للتغيير. فكل التحالفات الدولية قابلة للمراجعة عندما تتغير موازين القوى والمصالح. لكن هذه التحولات لا تحدث بصورة فجائية، ولا نتيجة أزمة واحدة، وإنما عبر مسارات تاريخية طويلة تتراكم فيها المتغيرات السياسية والاجتماعية والاقتصادية.

ولهذا، فإن الفلسطينيين والعرب مدعوون إلى استثمار التحولات الحقيقية داخل المجتمع الأميركي، لا إلى المبالغة في تفسيرها. فبدل انتظار أن تتخلى واشنطن عن إسرائيل من تلقاء نفسها، ينبغي العمل على توسيع دائرة التأثير في الرأي العام الأميركي، ودعم العمل الأكاديمي والإعلامي والقانوني، وبناء تحالفات مع القوى المؤيدة للعدالة والحقوق الفلسطينية داخل الولايات المتحدة. فالسياسة لا تكافئ من ينتظر، وإنما من يعمل. أما الرهان على أن أميركا ستستيقظ صباحًا لتعلن نهاية تحالفها مع إسرائيل، فهو رهان أقرب إلى الأمنيات منه إلى التحليل السياسي.

لقد دفع التفكير الرغبوي العرب أثمانًا باهظة في محطات عديدة من تاريخهم، لأنه استبدل قراءة الوقائع بترديد الأمنيات. واليوم، نحن بحاجة إلى عقل سياسي أكثر نضوجا، وأكثر قدرة على التمييز بين ما نرجوه وما تشير إليه الوقائع. فالتحولات الحقيقية موجودة، لكنها ما تزال في بداياتها، وإذا أُحسن استثمارها فقد تؤتي ثمارًا في المستقبل. أما تحويلها إلى انتصار مكتمل قبل أوانه، فلن يغير الواقع، بل سيزيد من قدرتنا على خداع أنفسنا. 

الكلمات المفتاحية

هل يعيش النظام الصهيوني سنواته الأخيرة؟

هل يعيش النظام الصهيوني سنواته الأخيرة؟

الأزمة الداخلية الصهيونية يتوجب قراءتها بعمق، بعيدًا عن الصور النمطية المعبأة باليأس والإحباط نتيجة إمعان النظام الصهيوني في كيّ وعي الجماعات المقاومة والمناوئة له


في غزة.. حتى الموتى ينتظرون دورهم

في غزة.. حتى الموتى ينتظرون دورهم

في غزة، فقد يسقط البيت فوق من فيه، ويعرف الناجون أن أهلهم تحته، لكنهم لا يملكون طريقًا إليهم. لا معدات كافية، ولا وقت آمن للحفر


نحو صياغة عهد تربوي جديد

نحو صياغة عهد تربوي جديد

إن فكرة المعهد الوطني التربوي، ضرورة وطنية ملحّة، فما نراه من ارتجالية في رسم السياسات التعليمية، ينذر بذهابنا في التعليم إلى هناك.


تركة الزميل الراحل أحمد طرازعة

تركة الزميل الراحل

أخرجوا المعتقل الإداري أحمد طزازعة (18 عامًا)، من بلدة قباطية جنوب جنين، وكان وحيد والديه. وبعد دقائق عادوا ليأخذوا غطاءه.

ضغوط أميركية لوقف النار ونزع سلاح حماس... وأوغندا تنضم للقوة الدولية
أخبار

ضغوط أميركية لوقف النار ونزع سلاح حماس... وأوغندا تنضم للقوة الدولية

هيئة البث الإسرائيلية: إسرائيل لم توقع بعد على الاتفاق الذي يتيح إدخال قوة الاستقرار الدولية إلى قطاع غزة

تحقيق: شهادات عن تعذيب واعتداء جنسي بحق نشطاء أسطول الصمود
راصد

تحقيق: شهادات عن تعذيب واعتداء جنسي بحق نشطاء أسطول الصمود

كشف التحقيق عن نمط منهجي من سوء المعاملة والانتهاكات الجسدية، وحالة اعتداء جنسي موثقة، تعرض لها نشطاء "أسطول الصمود العالمي" خلال احتجازهم لدى القوات الإسرائيلية في أيار الماضي


هيئة مقاومة الجدار: 59 أمرًا للاحتلال بإزالة الطبقة الشجرية من أراضي المواطنين منذ مطلع العام
أخبار

مقاومة الجدار: 59 أمرًا بإزالة الطبقة الشجرية من أراضي المواطنين منذ مطلع العام

أصدر الاحتلال ثمانية أوامر عسكرية، نصّت على إزالة النباتات البرية واقتلاع أشجار الزيتون من الأراضي المحددة في الخرائط المرفقة بالأوامر، واستهدفت مساحة إجمالية بلغت 316,636 دونمًا

غضب في الكابنيت من نتنياهو.. رئيس الشاباك: موافقة حماس على خريطة الطريق "7 أكتوبر سياسي"
أخبار

غضب في الكابنيت من نتنياهو.. رئيس الشاباك: موافقة حماس على خريطة الطريق "7 أكتوبر سياسي"

كشفت إذاعة الجيش الإسرائيلي أن اجتماع "الكابينت"، خصص جزءًا واسعًا من مداولاته لبحث تطورات الأوضاع في قطاع غزة ومسار المفاوضات مع حركة حماس بشأن الاتفاق

الأكثر قراءة

1
تقارير

خاص | مسودة قرار تعدّل تشكيل المجلس الوطني: 67 عضوًا من الداخل بـ"التوافق والتشاور" ومقعد للرئيس


2
تقارير

من أبو حسنة إلى أبو راشد.. تهم "الإرهاب" تلاحق نشطاء إغاثة غزة في الخارج


3
راصد

قراءة في التقرير السنوي لمعهد الأمن القومي الإسرائيلي: تآكل النواة الصلبة واستنزاف الجدار الحديدي


4
تقارير

خاص الترا فلسطين | بنود اتفاق غزة: السلاح وحقوق الموظفين والمساعدات


5
تقارير

منير البرش لـ"الترا فلسطين": 53% من أدوية غزة رصيدها صفر والقطاع يواجه انهيارًا صحيًا