طرود غذائية تتكرر في غزة.. بين رواية "الوفرة" وحاجة الأسر إلى التنوع
12 سبتمبر 2026
تفتح خديجة الدريملي الطرد الغذائي وهي تعرف ما ستجد داخله: أرزًا وبقوليات ومعلبات وزيتًا وطحينًا، وهي مواد تحتاجها الأسرة فعلًا، لكنها لا تكفي وحدها لتوفير نظام غذائي متنوع. أما الخضار والفواكه والبيض، التي لا تكون موجودة في الطرد، فعليها البحث عنها في الأسواق، إذا توفر المال.
بلغ متوسط تناول اللحوم والبيض ما يعادل يومًا واحدًا فقط في الأسبوع، والخضار نحو يومين، بينما بلغ استهلاك الفاكهة ما يعادل نصف يوم أسبوعيًا
خلال سنوات الحرب، لم يعد النقاش في غزة متعلقًا فقط بدخول الغذاء إلى القطاع أو توقفه. فمع تحسن تدفق المساعدات والسلع التجارية خلال الأشهر الماضية، برز سؤال آخر: هل تكفي الطرود التي تضم مجموعة محدودة ومتكررة من المواد لتلبية احتياجات أسر تعتمد عليها لفترات طويلة؟
هذا السؤال اكتسب بعدًا سياسيًا في نهاية آب/ أغسطس الماضي، بعدما نشر منسق أعمال الحكومة الإسرائيلية في المناطق الفلسطينية، مقاطع تظهر طرودًا غذائية تابعة لبرنامج الأغذية العالمي ومنظمات أخرى في مدينة غزة، وقال إن بعضها بقي دون استلام. واعتبر أن المشاهد، إلى جانب انخفاض أسعار بعض المواد في الأسواق، تثبت أن كمية الطعام التي تدخل القطاع تفوق احتياجات السكان، وأن غزة ليست أمام نقص غذائي، بل "غارقة" بالطعام.
غير أن البيانات الإنسانية تقدم صورة أكثر تعقيدًا، حيث تؤكد زيادة الكميات المتاحة مقارنةً بمراحل سابقة، لكنها تظهر في الوقت نفسه استمرار مشكلات تتعلق بالقدرة على الوصول إلى الغذاء، والقوة الشرائية، ونوعية ما تأكله الأسر.
وبحسب مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (أوتشا)، حصلت نحو 172 ألف أسرة، أي قرابة 620 ألف شخص، بين الأول و23 آب/ أغسطس الماضي على مساعدات ضمن دورة التوزيع الشهرية. وتلقت كل أسرة ثلاثة طرود غذائية وكيس طحين بوزن 25 كيلوغرامًا، وهي كمية قالت الأمم المتحدة إنها تغطي أكثر من 100% من الحد الأدنى للاحتياجات من السعرات الحرارية. وفي الفترة نفسها، كانت 24 منظمة تنتج 712 ألف وجبة يوميًا عبر 95 مطبخًا.
ترى رقية جابر، من مخيم البريج وسط القطاع، أن المشكلة ليست في وجود الأرز والبقوليات والزيت والمعلبات، وإنما في تكرارها. وأضافت أن البيت يحتاج أيضًا إلى الخضار والفاكهة وحاجات الأطفال، وهي أصناف لا تتوفر داخل الطرود بصورة منتظمة.
ولهذا ترى رقية أن المساعدة النقدية، حين تتوفر إلى جانب الطرد، تمنح الأسرة مساحة أكبر لاختيار ما ينقصها. فما تحتاجه عائلة لديها أطفال صغار قد يختلف عن احتياجات عائلة أخرى.
أما أسماء عبيد، من دير البلح، فقالت إن الطحين والأرز والبقوليات تظل أساسية، خصوصًا في الأيام التي لا يتوفر فيها المال، لكنها تفرق بين وجود شيء يمكن طبخه وبين امتلاك خيارات غذائية متنوعة على مدار الأسبوع.
في السياق، طرحت فاطمة حسان، من دير البلح أيضًا، مسألة أخرى تتعلق بالكمية. فما قد يكفي عائلة صغيرة لفترة، ينفد بسرعة في بيت يضم عددًا أكبر من الأفراد، فيما يؤدي تكرار الأصناف إلى تقديم الوجبات نفسها بصورة شبه يومية.
هذه الملاحظات لم تعد مقتصرة على الأسر. ففي 30 آب/ أغسطس المنصرم، دعت وزارة التنمية الاجتماعية الفلسطينية إلى تطوير وتنويع المساعدات الغذائية المقدمة إلى غزة، وقالت إن ملاحظات طواقمها وشكاوى المواطنين تشير إلى ضرورة تجنب توزيع الأصناف نفسها لفترات طويلة، وطالبت بسلال تشمل مصادر مختلفة للبروتين والخضار والفواكه، وغيرها من الأغذية ذات القيمة الغذائية الأعلى.
وقالت الوزارة إن الوزيرة سماح حمد ناقشت هذه القضية مع برنامج الأغذية العالمي خلال لقاء في رام الله في 24 آب، مؤكدة ضرورة أن تراعي الاستجابة الممتدة نوعية الغذاء وصحة الأهالي، إلى جانب الاستمرار في توفير المواد الأساسية.
جزء آخر من الرواية الإسرائيلية يستند إلى توفر المواد في الأسواق وانخفاض أسعارها مقارنة بالأشهر التي شهدت أشد مستويات النقص، وهذا التحسن موثق بالفعل.
لكن رصد لبرنامج الأغذية العالمي أظهر في الوقت نفسه أن 77% من الأسر التي شملها مسح خلال تموز/ يوليو الماضي كانت تواجه صعوبة في الوصول إلى الأسواق، وكان نقص السيولة وعدم القدرة على تحمل كلفة الغذاء من الأسباب الرئيسية.
ويظهر الفارق بصورة أوضح عند النظر إلى ما تأكله الأسر، فوفق بيانات نقلتها الأمم المتحدة عن البرنامج، بلغ متوسط تناول اللحوم والبيض ما يعادل يومًا واحدًا فقط في الأسبوع، والخضار نحو يومين، بينما بلغ استهلاك الفاكهة ما يعادل نصف يوم أسبوعيًا. وظل استهلاك هذه الأصناف أقل بكثير من مستويات ما قبل الحرب.
وبذلك يمكن أن تتوفر الخضار أو الفاكهة في السوق، وينخفض سعرها مقارنة بذروة الأزمة، فيما تبقى بعيدة عن مائدة أسرة فقدت مصدر دخلها.
وتظهر الفجوة نفسها في أحدث مسح SMART للتغذية الذي نشرته اليونيسف. المسح وجد انخفاضًا في سوء التغذية الحاد لدى الأطفال في المناطق التي تمكن الباحثون من الوصول إليها، وهو تحسن مهم تزامن مع توسع المساعدات وتدفق الإمدادات.
لكن النتائج أظهرت في الوقت نفسه أن 12.2% من الأطفال دون الخامسة يعانون من التقزم، وأن 22.4% فقط من الأطفال بين 6 و23 شهرًا حصلوا على الحد الأدنى المقبول من النظام الغذائي، فيما تناول 73% أغذية غير صحية خلال اليوم السابق للمسح.
وقالت اليونيسف إن النتائج تقدم صورة تغذوية معقدة، تجمع بين تحسن سوء التغذية الحاد واستمرار ضعف نوعية النظام الغذائي ومشكلات التغذية المزمنة. كما شددت على أن نتائج المسح تخص الفترة والمناطق التي أمكن الوصول إليها، ولا تكفي وحدها لوصف الوضع في جميع أنحاء القطاع.
كما عكس أحدث تحليل للتصنيف المرحلي المتكامل للأمن الغذائي، هذا التناقض. وخلص إلى أن التوسع الكبير في المساعدات أحدث تحسنًا في الأمن الغذائي والتغذية، لكنه صنف محافظات قطاع غزة الخمس جميعها في مرحلة الأزمة.
وبين منتصف نيسان/ أبريل ونهاية حزيران/ يونيو، واجه أكثر من 1.2 مليون شخص، أي نحو 59% من السكان، مستوى الأزمة من انعدام الأمن الغذائي الحاد أو ما هو أسوأ، بينهم قرابة 212 ألف شخص في مرحلة الطوارئ.
وتوقع التحليل أن يرتفع العدد خلال الفترة من تموز/ يوليو حتى كانون الأول/ ديسمبر إلى أكثر من 1.4 مليون شخص، بما يعادل نحو 67% من السكان.
هذه الأرقام لا تنفي التحسن في تدفق الغذاء، لكنها لا تدعم أيضًا اختزال الوضع في صورة "فائض". ومشهد طرود لم تُجمع في موقع واحد لا يجيب عن أسئلة التوزيع والوصول والدخل، ولا يكشف ما إذا كانت الأسرة التي حصلت على الأرز والعدس والطحين قادرة على شراء البيض واللحوم والخضار والفاكهة خلال بقية الشهر.
تواصل "الترا فلسطين" مع برنامج الأغذية العالمي للحصول على تعقيبه على هذه القضايا، لكنه لم يتلقَّ ردًا حتى تاريخ نشر التقرير.
بالنسبة إلى الأسر التي تحدث معها "الترا فلسطين"، لا يدور النقاش حول الاستغناء عن الطرود. خديجة ورقية وأسماء وفاطمة يعتبرن المواد الأساسية الموجودة فيها جزءًا مهمًا من غذاء أسرهن. الاعتراض يبدأ حين تصبح مجموعة محدودة من المواد مصدرًا رئيسيًا للغذاء لفترة طويلة.
خديجة لا تريد أن يختفي الأرز أو الطحين من الطرد، ما تريده هو أن تجد أسرتها إلى جانبهما طعامًا آخر. وفي قطاع تحسن فيه وصول الغذاء من دون أن تستعيد أعداد كبيرة من الأسر مصادر رزقها، يبقى الفرق واسعًا بين وجود الطعام داخل غزة وبين قدرة الناس على تناول غذاء كافٍ وصحي ومتنوع. وهذه المسافة تحديدًا لا تظهر في صورة صندوق ممتلئ.
الكلمات المفتاحية
عامٌ على اتفاق وقف إطلاق النار بغزة.. القطاع الصحي أمام أزمات ممتدة
منذ بداية الحرب في أكتوبر 2023، لم يدخل إلى قطاع غزة أي جهاز طبي أو تشخيصي جديد فيما تعاني المستشفيات من نقص حاد في الأدوية والمستهلكات الطبية والمواد المخبرية.
"كأن جسمي يتمزق".. مستوطنون يستولون على أرض أسامة عايدة ويسرقون زيتونه
وصف إحساسه قائلًا: "كأن جسمي يتمزق"، بسبب استيلاء المستوطنين خلال أقل من ثلاثة أعوام على أكثر من 100 دونم من أرضه
كنيسة القديس برفيريوس تودّع ميساء وماري داود.. أمّ وابنتها استشهدتا تحت سقف واحد
يستحضر عياد مرارة ترسيخ المعاناة في وجدان الناس؛ قائلًا إن الفاجعة أضحت تحرم الأبناء في الغربة من حظوة وداع أمهاتهم، وتترك أجسادًا أخرى متفحمة يتعذر على ذويها إلقاء نظرة ألم أخيرة عليها.
مركز "مدار" يناقش الضم الإسرائيلي الجاري في الضفة الغربية
عقد المركز الفلسطيني للدراسات الإسرائيلية - مدار، طاولة مستديرة ثانية، لنقاش ورقة بعنوان "لا هل وإنما كيف: الضم الإسرائيلي الجاري في الضفة الغربية"
تحليل إسرائيلي: أربعة سيناريوهات لتشكيل الحكومة المقبلة
تشمل السيناريوهات، تحالفات بين خصوم سياسيين، وانشقاقات داخل الليكود، وحتى تشكيل حكومة أقلية بدعم غير مباشر من الأحزاب العربية
حماس ترد على مزاعم الاحتلال بشأن استخدام مستشفيات غزة وتحذّر من استهدافها
حماس: نحذّر من اتخاذ الادعاءات الكاذبة ذريعة للاعتداء على ما تبقى من مستشفيات غزة، وندعو الأمم المتحدة إلى زيارتها والتحقق من زيفها
مؤسسات الأسرى: 26 ألف حالة اعتقال وأكثر من 100 شهيد منذ بدء الإبادة
مؤسسات الأسرى: 92 شهيدًا بين صفوف الأسرى المعلومة هوياتهم خلال ثلاثة أعوام.. والإخفاء القسري يحجب مصير العشرات من شهداء معتقلي غزة