طقوس الاستسقاء في التراث الفلسطيني: تزاوج الإيمان والمعتقدات الكنعانية
3 ديسمبر 2025
منذ أقدم العصور، كان المطر في فلسطين أكثر من مجرد ظاهرة طبيعية؛ لقد كان شريان الحياة، وعصب الزراعة البعلية التي اعتمد عليها الفلاح الفلسطيني في كل تفاصيل معيشته. فالأرض التي يزرعها الفلاح بقمحه وشعيره وعدسه وزيتونه تحتاج إلى غيثٍ موسميٍّ منتظم كي تعطي خيرها. لذلك ارتبطت الأمطار في الوعي الشعبي الفلسطيني بالخوف والأمل والرجاء، وارتبط تأخرها بالقلق الوجودي من الجوع والفقر.
ومع تواتر سنوات القحط، تطورت طقوس محلية للاستسقاء، يجتمع فيها الدعاء الديني مع الممارسات الشعبية، ويتم فيها إشراك الرجال والنساء والأطفال وحتى الحيوانات في مشهد يجمع بين الموروث الديني والتقاليد الكنعانية القديمة، التي ظل أثرها حاضراً في طقوس "شحدة المطر" ورموز طلب الغيث.
عندما يشعر أهل القرية بقلة الأمطار وحاجة الزرع إلى الماء كانوا يبدأون بالدعاء إلى الله بأن ينزل عليهم الغيث ثم يزداد هذا الدعاء كلما تأخر نزول المطر
دور الرجال والعمق الروحي
عندما يشعر أهل القرية بقلة الأمطار وحاجة الزرع إلى الماء كانوا يبدأون بالدعاء إلى الله بأن ينزل عليهم الغيث ثم يزداد هذا الدعاء كلما تأخر نزول المطر. ثم يعين شيخ القرية يوم جمعة لأداء صلاة الاستسقاء فيه، وقبل ثلاثة أيام من ذلك اليوم يأخذ الناس في التسامح ويصفحون عن بعضهم.
تؤدى صلاة الاستسقاء -وهي الممارسة الدينية الأبرز لدى الرجال- خارج القرية حيث يخرج معظم أهل القرية ذكورًا وإناثًا صغارًا وكبارًا ضارعين إلى الله أن يفرج كربهم وينزل عليهم الغيث رحمة منه. يخرج الرجال في مسيرة (المشوربة) خارج حدودها إلى مقام ديني أو منطقة عالية أو مكشوفة، حفاة مكشوفي الرؤوس، مقلوبي الثياب، تذللاً وتضرعاً ويؤدون صلاةً خاصة تسمى صلاة الاستسقاء.
وقبل الصلاة، يحرصون على التسامح والصفح عن بعضهم، اعتقاداً بأن الذنوب التي اقترفوها هي سبب حبس الغيث. كان الرجال يشركون الحيوانات في هذه المسيرة مثل الأغنام والحمير، لاعتقادهم ببراءة هذه المخلوقات، وأن الله قد ينزل المطر رحمةً بها فتعمّ الرحمة الإنسان.
ومن الممارسات الروحية العميقة التي يلجأ إليها كبار السن عند تأخر المطر، طقس "الصمدية"، الذي يعكس إيمانًا بقدرة الدعاء المكثف، حيث يتم جمع ألف حصوة من حصى الوادي، وتوزع على بيوت القرية كلها، وتُقرأ سورة الإخلاص ألف مرة على كل حصوة. توضع هذه الحصوات في كيس وتُلقى في مجرى عين الماء، أو في أحد الأودية الجافة، أو تُلقى في البئر الذي تشرب منه القرية. الاعتقاد السائد هو أن هذا التقرب سيستجلب الغيث بغزارة واستمرار، حتى أن المطر الغزير المتواصل الذي يأتي بعدها كان يسمى "حوابس".

دور النساء في طقوس "أم الغيث"
إذا كان الرجال يتولون الجانب الديني الرسمي، فإن الفلسطينيات كنّ عماد طقوس الاستسقاء الشعبية. فالنساء، بوصفهن حاملات للحياة ورمزاً للخصب، لعبن دوراً محورياً في استدعاء المطر، وهن الأكثر اتصالاً بالجذور الرمزية القديمة. تمارس النساء طقوس "شحدة المطر" أو ما يسمى "التغييث" والتي غالباً تبدأ بعد غروب الشمس، وهو طواف ليلي تجوب فيه النساء أزقة القرية وبيوتها وهنّ يضربن الأواني المعدنية، يصحبهن الأطفال، ويرددن أهازيج خاصة تطلب الغيث.
كانت المشاركات يرتدين ثيابًا مقلوبة، رمزًا لقلب الحال ودعوة السماء لقلب القحط إلى خير. ويحملن أحياناً طاحونة الرحى "الجاروشة"، أو وعاء الفول الذي يُجرش على الإيقاع ليُحدث صوتاً يشبه الرعد، أو ديكاً يُعتقد أن صياحه يستنزل المطر ويستدعي “ديوك السماء،" حيث يتخلله الأهازيج العميقة التي تعبر عن ضيق الحال وحاجة الزرع إلى المطر:
"يا ربي ليش هالطوله... أكلنا طحين الفولة..
يا ربي ليش عابس... والزرع تحتك يابس..
يا الله الغيث يا ربي... خبزي قرقد في عبّي..
يا الله الغيث يا ربي… تسقي زرعنا الغربي..
يا الله الغيث يا دايم... تسقي زرعنا النايم"
ثم تتوجه النسوة في مسيرتهن الطويلة إلى الجامع أو إلى المقام الديني للشيخ أو الولي الذي لا تخلو منه أي قرية أو بلدة فلسطينية، ويطلبن من رب البيت "الولي" أن يشفع لهم بنزول المطر ويغنين: "شيخ محمد جينا ليك رشق المطر يعبر ليك، انت بتتدخل على الله واحنا بنتدخل عليك".
أما أهم رمز في شحدة المطر فهو دمية "أم الغيث" أو "عروس المطر" وتسمى أيضًا في بعض المناطق الجنوبية من فلسطين "الزرافة"، وهي عبارة عن عصاة على شكل صليب تُصنع من الأغصان وتُغطى بملابس بالية، يحملها الأطفال في مقدمة مسيرة الطواف وكأنها امرأة فقيرة تتوسّل المطر للقرية. وتتركز الأهازيج حول هذه الدمية:
"يام الغيث غيثينا جيبي المطر واسقينا
..يام الغيث غيثينا... واسقي زرع أهالينا
..يام الغيث غيثينا وبِلّي بِشِت راعينا"
وفي إطار طقس رشق الماء، تطرق النسوة الأبواب طالبات الماء ليرشّ عليهن من أسطح المنازل استحضارًا لنزول المطر، وكان أهل البيوت وخاصة الأطفال يرشّون الماء على رؤوس النساء عند المرور، إشارة رمزية للمطر المرتجى، ثم ينضمون إلى المسيرة في طقس جماعي يرفع الروح المعنوية ويخفّف القلق. ويرددن أمنياتهن بالخصب لأهل الدار:
"اسقونا يا دار الشيخ.. والمية عليكم زيح..
..يا خاله قومي اسقينا.. لولا ابنيك ما أجينا
..قومي اسقينا بالمنخل ريت ابنيكم يدخل
..كبوا باب داركم... تا يحرث فدانكم"

الأطفال… براءة تستنزل الغيث
يُعد الأطفال مكونًا رئيسيًا في طقوس الاستسقاء، فهم يشاركون في الطواف ويحملون دمية أم الغيث، ويطرقون الأواني ويغنون أغاني بسيطة لكنها ذات دلالة كبيرة. كان الأطفال يقفون أمام بيوت الوجهاء ويُسمعونهم أغاني اللوم، في إشارة رمزية إلى الظلم الاجتماعي أو التقصير، وكأن صغار القرية يحملون صوت الناس جميعاً. يُعبّر الأطفال عن ضيقهم بأهازيج تلامس القلوب، وتتوسل للمطر من أجلهم فهم بريئون من الذنوب على عكس كبار القرية:
"يا ربنا يا ربنا... واحنا الصغار ايش ذنبنا"
"يا ربي ما هو منا كله من مشايخنا"
"يا رب تمطر علينا... واحنا صغار اش سوينا"
"يا ربي حرقنا الشوب رمينا الغطا والثوب"
"لا تواخذنا ب المختارعن افعالو ما يتوب"
الحيوانات في طقوس الاستسقاء
للحيوان حضور بارز في التراث الفلسطيني المتعلق بالمطر، ويعبّر عن الارتباط الوثيق بين الزراعة والماشية.
- الديك: يحتل الديك مكانة خاصة. فالأغاني التي تتضمن "الديك أبو عرف أزرق" تتكرر في مناطق عدة. مثل: "يا ديك يابو عرف ازرق.. ريتك في المية تغرق". وكان يُظَن أن صياح الديك ينادي السحب ويستنهض المطر، وربما يعود هذا الاعتقاد إلى رمزية الديك المرتبطة بديوك العرش أو بطلوع الفجر والنور، أي بزمن تجدد الطبيعة، ومطالبته بـ "الصياح" لطلب المطر يعكس اعتقادًا قديمًا بأن صوته يُحفز قوى سماوية. و"أطلب من ربك يا ديك... اطلب من ربك يسقيك"، و"شو بدو قَعّاق الليل.. بدو مطر بدو سيل".
- المواشي: كان الفلاحون يخرجون بالماشية وتحديدًا الأغنام إلى أطراف القرية عند صلاة الاستسقاء، وكذلك كانت النساء يصطحبن معهن حمارًا أثناء شحدة المطر وكأنهن يستعطفن الله إلى حاجة الحيوانات للغيث والماء.
الجذور الكنعانية والأساطير المتوارثة
الإله بعل أو "راكب الغمام"، هو الإله المركزي للمطر والعواصف والخصب عند الكنعانيين، ومصطلح "زراعة بعلية" الذي لا يزال مستخدماً حتى الآن، يشير إلى أن المطر كان ملكاً لـ "البعل" أو الرب في المفهوم القديم. من جهة أخرى، فالأدوات المستخدمة في طقوس الاستسقاء ذات دلالات موغلة في القِدَم وتعود إلى الطقوس الكنعانية:
- "أم الغيث" كقرينة للإله: يُرجح الباحثون أن دمية "أم الغيث" أو العروس -والتي تُصنع دمية من عصوين متصالبتين، وتُزَيَّن بالملابس والمجوهرات- هي استمرار وتطويع لتقليد قديم كان يرمز لآلهة الخصب والتوالد عند الكنعانيين، مثل عنات أو عشيرة (قرينة بعل)، حيث تحولت المخاطبة من الإله الوثني إلى رمز شعبي يطلب الغيث، وهو ما تؤكده الأهازيج التي تصفها بأنها صاحبة الغيث: "راحت أم الغيث تجيب المطر... ما أجت إلا الزرع طول الشجر".
- طقس الجاروشة: مرتبط بالإلهة عنات وهي التي قتلت الإله موت – إله الجفاف – وقطعت جسده وطحنته بالجاروشة حسب الأسطورة كمقدمة لعودة زوجها بعل إله المطر والخصوبة.
- طقس الرشق بالماء: قيام أهل الدار بـ رشق الماء على موكب المشوربة عند مرورهم هو تقليد يرمز إلى الخصب والتطهير، وقد كان جزءاً من الطقوس السحرية القديمة التي تحاول استحضار المطر بتقليد سقوطه.
- الرعد والصوت: ضرب الأواني، جرش الفول، وحتى صياح الأطفال، كلها تشير إلى رغبة في "إثارة السماء"، وهي سمة تتكرر في الطقوس الزراعية الكنعانية حين كان الناس يقرعون الطبول لتمثيل صوت الرعد و"إيقاظ" بعل المطر.
- التوسل للولي المدفون في المقام الديني: هو استحضار لمكان عبادة الإله بعل الذي تحول لاحقاً إلى قبر رجل مبارك أو ما يسمى "ولي" حيث من المعروف أن هذه المقامات موجودة في مكان يبعد قليلاً عن القرية، وغالباً على رأس تلة.
تُظهر طقوس الاستسقاء في فلسطين أن الرموز الكنعانية بقيت حاضرة، لكنها اندمجت ضمن إطار ديني توحيدي واضح، فوجود "أم الغيث" والأغاني التي تستدعي المطر ليس بقايا وثنية، بل موروث رمزي أعيد تفسيره وفق عقيدة التوحيد.
تطورت طقوس محلية للاستسقاء، يجتمع فيها الدعاء الديني مع الممارسات الشعبية، ويتم فيها إشراك الرجال والنساء والأطفال وحتى الحيوانات
مع مرور الزمن، أعاد الفلاحون تشكيل هذه الرموز بما يتناغم مع معتقداتهم الإسلامية والمسيحية، فصارت الطقوس جسرًا بين الماضي الكنعاني والحاضر التوحيدي. وهذا يفسّر استمرار هذه الطقوس لقرون طويلة رغم تغيّر الأنظمة الدينية. لقد قام الفلاح الفلسطيني بما يمكن تسميته "تطويع الموروث"، بحيث أبقى على الطقس كفعل اجتماعي وجمالي وإنساني، وأعاد صياغة معناه ليعكس إيمانه بالله الواحد، بينما تبقى عينه على السماء بالأمل والرجاء انتظار للغيث والذي منه يخرج كل حي.
الكلمات المفتاحية

موجز تاريخي.. فنزويلا والقضية الفلسطينية
خلال العدوان الإسرائيلي على لبنان عام 2006، طرد تشافيز السفير الإسرائيلي لدى فنزويلا

خريفية الكانون والطابون: الحكاية الشعبية في الشتاء الفلسطيني
تُعدّ الخراريف والحكايا الشعبية الركيزة الأساسية للوجدان الفلسطيني، فهي المستودع الأمين الذي حفظ هوية الشعب وقيمه عبر القرون

الحكواتي حمزة العقرباوي.. عمرٌ قصير ومسيرة طويلة من العطاء
حمزة العقرباوي لم يكن باحثًا تقليديًا في التراث، بل كان أحد الأصوات البارزة التي أعادت للحكاية الشعبية مكانتها بوصفها فعلًا ثقافيًا ومقاومًا.

حوار عارف بكر | عن حرب لم تلتقطها الكاميرات.. كيف أبادت إسرائيل الثقافة في غزة؟
عارف بكر: المشهد الثقافي في غزة بعد حرب الإبادة يبدو مُثقلاً بالخسارة والغياب. العشرات من المواقع الأثرية والمراكز والمؤسسات الثقافية والمكتبات ودور النشر دُمّرت كليًا أو جزئيًا

البيت الأبيض يعلن تشكيل مجلس تنفيذي لـ"مجلس السلام" لغزة ويعيّن قائدًا لـ"قوة الاستقرار الدولية"
جرى تكليف نيكولاي ملادينوف، عضو المجلس التنفيذي، بمنصب "الممثل السامي لغزة"، فيما عُيّن الجنرال جاسبر جيفرز قائدًا لقوة الاستقرار الدولية

القطاع الصحي في غزة: كيف أعادت الحرب تعريف الخطأ الطبي؟
لم يكن الوصول إلى الرعاية الصحية في قطاع غزة يومًا مسألة مضمونة، لكن الحرب الأخيرة نزعت عنه ما تبقّى من يقين

المنازل الآيلة للسقوط.. تهديد مستمر بالموت في غزة
انهيار 49 مبنى بشكل كلي، منها أكثر من 20 مبنى انهار نتيجة المنخفضات الجوية، في الوقت الذي تعرض فيه أكثر من 110 مبانٍ للتدمير الجزئي، فيما وصلت أعداد ضحايا هذه المنخفضات إلى 27 ضحية

