عباءة الأمل من خيوط الحزن
15 أغسطس 2026
ذات سنة دُعيت لزيارة "بيت فلسطين"، وهو قصر رجل الأعمال منيب المصري، الذي بُني على أكثر من ثمانمئة متر فوق جبل جرزيم، وكانت المناسبة تكريم الشاعر سميح القاسم، رحمه الله. تجوّلت في القصر برفقة ابنة رجل الأعمال دينا.. كنتُ معلّقًا في السماء، وشدّت نظري قطع وتحف نفيسة تعود لعصور مختلفة، وأذكر أنني توقّفت أمام بيكاسو، وحضارة الفارسيين، والعثمانيين، وكرسيّ الخديوي، ومرآة ربما هي فرنسية أهداها ملك غابر لحبيبته القتيلة، والكثير مما أسقطته الذاكرة المخروقة.
بعد مغادرة القصر، تضاءل المشهد في عيني، ولا أخفيكم إن قلت: لم يثر دهشة سوى دهشة العين لأول وهلة. نعم ما شدّني لم يتجاوز العين، ولم يحفر أثرًا في الرّوح أو الذاكرة. أمّا اليوم فأنا أمام مشهد لم أستطع تجاوزه؛ فالمشاعر نفضتني كما تنفض الحياة الوليد في لحظات خروجه الأولى إلى الحياة.. مشهد أغرق الفكر والفؤاد والرّوح، فسقطت قصور ومتاحف، وتلاشت الماديّات أمام عظمة الأمّ وعاطفتها، وهي تبعث الحياة في خِرقة كانت غطاء للحم وليدها في سجنه!
أيّ عظمة هذه أيّتها الأمّ؟! وأيّ بلاغة تحملينها في ذاتك البسيطة، وقد يعجز عن التعبير عنها أهل البلاغة والفصاحة، بل لا يستطيعون التجديف على شطآن بحر أمومتك؟!
تلك حكاية "أمّ نائل".. نعم، ومَن منّا لا يعرف نائل البرغوثي؟! هذا الاسم الذي نذر حياته من أجل تراب الوطن.
كان نائل يقول في مقابلة مصوّرة جاءت أمي ذات يوم لزيارتي، وطلبت غطاء فِراشي، ولا أعلم ما الذي تفكّر فيه، وعندما جاءتني في زيارتها الثانية كانت قد حوّلت الغطاء إلى ثوب، وقد كنت أحرص أن تزورني بالثّوب الفلسطيني المطرّز، فاحترق قلبي ولم أستطع الحديث. ثوب! ومن فِراش السّجن؟!
نعم، ولِمَ لا، ما دام هذا الغطاء تضوّعت مسامّه برائحة وليدها؛ فمنعُها السّجانُ احتضانَه لا يعني فقدانَ الأمل، ولو من خلال احتضان رائحته.. إنّها رائحة الضّنا. الضّنا الذي لا يفقه معناه سوى الأمّ.
أيّ أمٍّ تلك الأمّ الفلسطينيّة! فلم أسمع أو أقرأ أنّ أمًّا حملت ابنها معها أينما تذهب في ثوب خاطته من غطاء فِراش سجنه إلّا أنت أيّتها الأمّ.. إنّها حكاية، لا بل رواية تختزل مسيرة الوجع الفلسطيني منذ بَدْء الجرح..
ألا تستحقّ هذه الحكاية أن تُروى في كلّ مَحفل، وماذا يعني أن تكون ابن هذه الأمّ الأرض؟! ألا تذكرون حكاية أمنا محفوظة؟! نعم، محفوظة اشتية، ابنة قرية سالم، التي راحت تلفّ ذراعيها على زيتونتها، التي قطع فروعها صنّاع الخراب، فاحتضن الجذع جذره ليعيد الروح للحياة، وصارت حكاية فلسطينيّة لا يفهم مقاصدها سوى من رضعوا فقه الانتماء إلى هذه الأرض.
إنّها الحاجّة محفوظة، التي لا تنتمي لفصيل، ولا تعتلي منابر النفاق، ولكنّ التاريخ يعرفها، فمنحها الخلود، وقد دَثرَ زعماء وأصحاب نياشين، وقادة صارعوا طواحين الهواء طوال سِنيّ حضورهم الشّكلي!
لقد رسّخت هذه القصص العفويّة أصالة المعدن، والانتماء الصّامت للأرض، فلا الحاجّة أم نائل تخلّت حتّى عن رائحة وليدها في سجنه البعيد، ولا الحاجّة محفوظة قَبِلَت بواقع يحاول فرضه أبناء الصّدفة، في لحظة غفلة من الأمّة.
تلك قصصُ من ينسجن من خيوط الحزن عباءة الأمل، وبعناق الجذع للجذور يُعلّمننا معنى الهُويّة وصدق الانتماء، ويفرضن على التّاريخ رواية يعجز الطارئون عليه تزويرها.
الكلمات المفتاحية

جردة حساب بعد ثلاثة وثلاثين عامًا على أوسلو
الدولة الفلسطينية لم تعد على مرمى حجر. الحقيقة الأكثر إيلاما أنها ابتعدت إلى الحد الذي أصبحت معه بالكاد مرئية في الأفق السياسي

هل حل خريف نتنياهو؟
كان نتنياهو يراهن على أن يعيد إنتاج إحدى وصفاته القديمة، وهي إدخال وجوه جديدة وشخصيات ذات حضور عسكري أو إعلامي أو مجتمعي إلى قائمة الليكود

البريد السرّي للأسرى وتهريب الإنسانية: رسالة إبراهيم حامد لوليد دقة نموذجًا
نأى بقلبه إبراهيم حامد عن شؤون السجن الخارقة للإنسانية، ليقترب أكثر من صورة ميلاد متأملًا فيها، فغدت ميلاد مرآته التي انعكس بها وجهه الإنساني

انتهاكات مستمرة.. 1,375 شهيدًا منذ وقف إطلاق النار في أكتوبر الماضي
أعلنت وزارة الصحة في القطاع وصول 3 شهداء جدد و27 مصابًا إلى المستشفيات خلال الـ24 ساعة الماضية

كيف يحوّل الاحتلال "الإخطارات الأثرية" إلى أداة للسيطرة على الأراضي؟
هيئة مقاومة الجدار والاستيطان: "الإخطارات الأثرية" للاحتلال لا تعد أوامر استيلاء بحد ذاتها، ولكهنها قد تفضي عمليًاإلى فرض سيطرة وظيفية عليها.

7 سنوات من البناء تنتهي بالتهجير.. أبو عيسى من الطيبة: المستوطنون احتلوا بيتي
بعد إتمام بنائه، تحوّل منزل بشير كونه في قرية الطيبة إلى هدف لاعتداءات المستوطنين، فيما بقي عاجزًا عن السكن في منزله حتى اليوم.

"يناي".. الذكاء الاصطناعي يدخل منظومة المراقبة الإسرائيلية في الضفة
القناة 12: طوّر قادة وضباط في هيئة حماية الحدود التابعة للجيش، منظومة "يناي" لمساعدة مجندات الرصد والاستطلاع على التعامل مع تدفق المعلومات من وسائل الرصد المختلفة




