عقيدة "المنطقة العازلة المفرغة": قراءة في هندسة آيلاند الجيوسياسية بين غزة ولبنان
19 مارس 2026
من وجهة نظر التخطيط الاستراتيجي في تل أبيب، لم تعد الحرب تُخاض من أجل كسر إرادة العدو فحسب، بل لإعادة تصميم "الجغرافيا السياسية" المحيطة بالكامل. وإذا كانت غزة قد شكلت المختبر الأول لتطبيق استراتيجية "المراحل الثلاث"، وهي: السحق، ونزع السلاح، والبديل الإداري، فإن اللواء احتياط غيورا آيلاند يقدم اليوم صياغة منقحة لهذه العقيدة لتُطبق على الجبهة الشمالية، مستهدفًا قلب المفاهيم التقليدية حول "الدولة" و"الحدود" و"السيادة".
بينما كان الهدف هناك تجريد حماس من حاضنتها الحكومية، يهدف آيلاند في لبنان إلى وضع الدولة أمام مقصلة الاختيار بين اثنين: إما الفصل التام عن إيران أو تحمل تبعات التماهي
يرتكز آيلاند في رؤيته الجديدة على تفكيك ما يسميه "الواقع الفعلي" للدولة اللبنانية، متجاوزًا التوصيفات الدبلوماسية التقليدية، فهو يرى أن لبنان لم يكن مجرد ساحة، بل "دولة عدو" تستتر خلف "توازن غير معلن". يقول آيلاند بوضوح: "نشأ في لبنان نوع من التوازن غير المعلن، أو ما يمكن وصفه باتفاق غير مكتوب، جمع بين نخبة سياسية واقتصادية فاسدة وبين حزب الله.. هذا الواقع جعل من الدولة اللبنانية كيانًا هشًا".
هنا، تتقاطع رؤية آيلاند مع "المرحلة الأولى" في غزة، فبينما كان الهدف هناك تجريد حماس من حاضنتها الحكومية، يهدف آيلاند في لبنان إلى وضع الدولة أمام مقصلة الاختيار بين اثنين: إما الفصل التام عن إيران أو تحمل تبعات التماهي.
يدعو آيلاند الدبلوماسية الدولية لفرض مطالب سيادية قسرية تشمل قطع العلاقات الدبلوماسية مع إيران، وفرض قيود على أنشطة الشركات الإيرانية، ويقول إن قدرة الدولة اللبنانية على اتخاذ هذه الخطوات هي "اختبار وجود" لا بد منه لضمان أمن الشمال.
ويطرح آيلاند ما يمكن وصفه بـ"هندسة الفراغ" وإنهاء الوجود اللبناني في القرى الأمامية القريبة من الحدود في القرى ذات الأغلبية الشيعية حصرًا، إذ تعد الفقرة المتعلقة بالجنوب اللبناني في مقترح آيلاند هي الأكثر "راديكالية"، فهو يقترح تحويل القرى الحدودية إلى "فراغ استراتيجي".
يستمد آيلاند دروسه من فشل نموذج "الحزام الأمني" السابق، مؤكدًا أن "وجود قوات عسكرية إلى جانب تجمعات سكانية مدنية – خصوصًا في القرى ذات الغالبية الشيعية – يؤدي إلى احتكاكات مستمرة وهجمات متكررة". لذا، فإن الحل من وجهة نظره ليس "احتلال الأرض" بالمعنى التقليدي، بل "إفراغها من وظيفتها البشرية".
يطالب آيلاند بإنشاء "منطقة خالية من السكان المدنيين الشيعة قدر الإمكان"، وهي سياسة تشبه إلى حد بعيد "المناطق العازلة" التي يتم قضمها حاليًا في قطاع غزة. الفرق هنا أن آيلاند يبرر هذا الإجراء بـ"الميزة الطوبوغرافية"، فبعض القرى وفقًا لتعبيره "تمتلك ميزة تمكنها من الإشراف على بلدات إسرائيلية، ما يجعلها نقاط تهديد محتملة"، وبالتالي فإن "تحييدها عسكريًا" يتطلب بالضرورة إنهاء الوجود المدني فيها لمنع تحويلها إلى حصون تحت أرضية أو منصات للصواريخ المضادة للدروع.
وفي محاكاةٍ للمرحلة الثانية من حرب غزة (نزع السلاح)، يطرح آيلاند مفهوم "الأمن المؤقت" الذي يلتف على السيادة اللبنانية دون إلغائها رسميًا. فيؤكد أن إنشاء هذه المنطقة العازلة "لا يعني ضم الأراضي أو تغيير وضعها القانوني، بل يُنظر إليه كإجراء أمني مؤقت". هذا التلاعب بالمصطلحات يهدف إلى منح إسرائيل شرعية التحرك العسكري المستمر في الجنوب اللبناني، تمامًا كما تفعل في "محور فيلادلفيا" أو "نتساريم".
الهدف النهائي هو تقليص مستوى الخطر، ليس عبر القضاء التام على حزب الله (وهو ما يصفه آيلاند بأنه غير واقعي)، بل عبر "فرض قيود مدنية واقتصادية وقانونية تستهدف الحد من حرية حركة الحزب ونشاطه داخل الدولة". إنها استراتيجية "الخنق البطيء" التي تحول الدولة اللبنانية إلى "شرطي محلي" مكبّل بالاتفاقات، تمامًا كما تهدف المرحلة الثالثة في غزة لإيجاد "إدارة بديلة" تدير الأزمات تحت السيطرة الأمنية الإسرائيلية.
في ختام رؤيته، لا يستبعد آيلاند الحوار المباشر مع بيروت، لكنه حوار "المنتصر الذي يملي الشروط". ويدعو لإدارة هذا المسار "بطريقة براغماتية دون اشتراط تحقيق تقدم مسبق مع حزب الله"، مع استمرار استخدام أدوات الضغط السياسية والاقتصادية.
المصير الذي يرسمه آيلاند للقرى الحدودية في لبنان هو ذاته مصير أحياء الشجاعية وبيت حانون في غزة: تحويل "الجغرافيا المأهولة" إلى "جغرافيا عسكرية اسرائيلية صامتة". إن "خطة آيلاند" تفترض أن الأمن الإسرائيلي لم يعد يتحقق بالردع، بل بالاستئصال المكاني، أي إزاحة "التهديد" من خلال إزاحة "البيئة" التي تحمله.
إن المقارنة بين مراحل حرب غزة ومقترحات آيلاند للبنان تكشف عن تحول خطير في العقيدة الأمنية الإسرائيلية: الانتقال من "إدارة الصراع" إلى "إعادة هندسة الأرض". فالقرى الحدودية اللبنانية، في منظور آيلاند، لم تعد بلدات مأهولة، بل "إحداثيات عسكرية" يجب تدميرها. إنها دعوة صريحة لفرض واقع "الفراغ" كضمانة وحيدة، وتحويل الحدود من خطوط تماس سياسية إلى مساحات عازلة قاحلة، حيث لا صوت يعلو فوق صوت "المتطلبات الأمنية الاسرائيلية" التي تلتهم في طريقها كل مفاهيم السيادة الوطنية اللبنانية والقانون الدولي.
الكلمات المفتاحية
غضب وانتقادات لنتنياهو وزامير داخل الكابينت بشأن غزة ولبنان
وجّه الوزراء انتقادات إلى رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو، وإلى رئيس هيئة الأركان إيال زامير خلال جلسة الكابينت الخميس الماضي
تحقيق: إسرائيل تداولت في مستويات رسمية كذبة اختلقها حساب هندي
بدأ التصريح الكاذب من حساب هندي قومي ثم عاد إلى الهند نفسها باعتباره خبرًا أكده الإعلام الإسرائيلي
تحقيق: شهادات عن تعذيب واعتداء جنسي بحق نشطاء أسطول الصمود
كشف التحقيق عن نمط منهجي من سوء المعاملة والانتهاكات الجسدية، وحالة اعتداء جنسي موثقة، تعرض لها نشطاء "أسطول الصمود العالمي" خلال احتجازهم لدى القوات الإسرائيلية في أيار الماضي
غضب وانتقادات لنتنياهو وزامير داخل الكابينت بشأن غزة ولبنان
وجّه الوزراء انتقادات إلى رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو، وإلى رئيس هيئة الأركان إيال زامير خلال جلسة الكابينت الخميس الماضي
كان: كوبر يصل إسرائيل لبحث التصعيد الإقليمي وقطاع غزة
سيجري كوبر مباحثات بشأن قطاع غزة، في ظل الضغوط التي تمارسها الإدارة الأميركية على إسرائيل خلال الأسابيع الأخيرة للانتقال إلى المرحلة التالية
الدفاع المدني: انتشال جثامين 19 شهيدًا من أنقاض عمارة “كرم” بغزة
أفاد الدفاع المدني في قطاع غزة يوم السبت، بانتشال جثامين 19 شهيدًا من أنقاض عمارة "كرم" في غزة، فيما تتواصل جهود الانتشال في موقع آخر
أمومة بلا ذراعين.. نبال الهسي تحاول استعادة حياتها بعد بتر ذراعيها في غزة
"أتدري كم هو صعب ومؤلم أن أكون أمًا بلا ذراعين، تناديني طفلتي «ماما» وأنا عاجزة عن احتضانها وحملها، أو حتى إطعامها وتغيير ملابسها ومسح دموعها؟"