مع أذان أول أيام رمضان، أفطرت غزَّة على ذكريات الفقد بدموع وموائد ناقصة، بدعوات حاضرة لمن غابوا في القبور، ومرضى على أسرّة الألم، وأسرى يخوضون صيامًا مضاعفًا خلف القضبان.
في أول يوم رمضاني، التقى موقع "الترا فلسطين" في مقبرة الشيخ شعبان في حيّ الزيتون بعائلة الشهيد أحمد قاسم، الذي سقط أثناء جلب الحطب لعائلته، والتي ودّت أن تشاركه أول يوم من رمضان في المقبرة، بعيدًا عن ضحكاته على مائدة الإفطار.
العائلات الغزَّية كانت تنتظر شهر رمضان لإقامة طقوسه الخاصة، قبل أن تنقلب الحياة رأسًا على عقب مع حرب الإبادة الإسرائيلية التي غيّرت ملامح القطاع ودمّرت مساجده.
تقف شقيقاته الأربع بجوار قبره، فيما تجلس والدته عند شاهد قبره وبيدها نسخة من القرآن، وتقول: "أحمد.. الله يرحمه، آخر العنقود وضحكة العيلة. اليوم أول يوم برمضان بدون وجوده بينا في البيت". تصمت وتمسح دمعتها وتتابع: "كان في أول يوم رمضان يطلب مني يكون بداية ’رمضان أخضر‘، وهو بحب ورق العنب كثير. قبل ما أجي على المقبرة، طبخته علشانه، وجيت أحكيله: رمضان ’مش أخضر‘ بدون ضحكتك وروحك يمّا".
العائلات الغزَّية كانت تنتظر شهر رمضان لإقامة طقوسه الخاصة، قبل أن تنقلب الحياة رأسًا على عقب مع حرب الإبادة الإسرائيلية التي غيّرت ملامح القطاع ودمّرت مساجده.

تمسك شقيقة أحمد، أمل، أقلام تظليل وتخطّ اسمه وتاريخ استشهاده على القبر، وتقول: "في رمضان بنفرش طاولة السفرة أنا وأحمد، وكراسينا بكونوا جنب بعض، وبنوزّع الأكل على الطاولة، وبنقعد نضحك". تغلق أمل عينيها وتضمّ يديها فوق بعضهما البعض، وتتابع: "استشهاده ترك غصّة في القلب، ما راح نحط الطاولة؛ لأنه مكان أحمد فارغ. بتمنى يكون معنا وبينا، لكن هو بمكان أحسن عند ربنا".
ويقف العديد من أهالي الشهداء داخل المقابر وبجوار قبور من فقدوا، يحملون ذات الغصّة، ويوزّعون التمر والماء والبسكويت عن أرواح شهدائهم الذين قتلهم الاحتلال الإسرائيلي في حرب الإبادة الإسرائيلية.

قابل "الترا فلسطين" المصاب الخمسيني أمجد الوادية، الذي يرقد على سرير طبي في مشفى الوفاء الطبي للتأهيل الطبي والجراحة التخصصية، إثر إصابته قبل ستة أشهر بصاروخ مُسيّرة تسبّب في إقعاده عن الحركة بشلل في النخاع الشوكي. ترتجف عيناه، يرفع رأسه ثم يخفيه بين يديه، ويقول الأب الخمسيني: "أول يوم من رمضان بدون لمّة الأسرة ومشاركة المائدة بين أسرتي وبين الصلاة في المسجد وشراء احتياجات البيت". ويضيف: "أرقد اليوم بجسد هزيل وبإصابة على سرير المشفى وأشتكي الألم، ولا أرى عائلتي إلا بموعد الزيارة، ومعايدة رمضان وصلتني منهم عبر مكالمة هاتفية حزينة".
يضيف: "حينما أُعلن عن غُرّة الشهر وسمعت صوت صلاة التراويح في المسجد بالأمس، شعرت بألم وغصّة شديدة على ما تسبب فيه الاحتلال الإسرائيلي، وأقعدني عن الحركة، وخصوصًا في رمضان، الشهر الذي نكون متعطشين لأداء الطقوس الدينية فيه".
يحدثنا الوادية بصوت واهن: "كنت أنتظر رمضان، لكن أنتظر أن يخف الألم والوجع، وأدعو الله أن أقف وأخدم نفسي بنفسي". إلى جواره يجلس ابنه يساعده على الحركة ويقول: "أصعب شيء أن ترى والدك، الذي كان سندك، عاجزًا عن الحركة… ولا تستطيع أن تخفف عنه ولو بالحد الأدنى".

عدة خطوات تفصل موقع "الترا فلسطين" عن الخط الأصفر الذي يتمترس خلفه جيش الاحتلال الإسرائيلي، ويقطع صوت الرصاص الطائش إفطار الصائمين الذين اختاروا ركام بيتهم للإفطار بداخله.
تجلس أمنية عزمي ووالدتها داخل أنقاض منزلهم في حيّ الزيتون، ويعدّان طبق الفتة الغزّاوية. تحدثنا الفتاة العشرينية بنبرة مختنقة: "في رمضان الماضي كان بيتنا متضرر من الشظايا وبيوت الحارة، لكن كان فيها حركة وصوت أطفال الجيران وعائلاتهم اللي كنا نتبادل معهم الأطباق الرمضانية من الملوخية والرز والقطايف". تصمت وتتابع: "هي أول رمضان في الحارة وإحنا لحالنا، والركام والردم ممتد على طول البصر".
تشير بإصبعها وتقول: "زي ما إنتو شايفين، البيت مدمّر والسقف نصفه هالك، والنصف الآخر عملنا فيه شوادر لحتى نقضي رمضان. هذا البيت روحنا، جربنا النزوح عدة مرات، وما في أحنّ من البيت وركامه على أهله".
وعلى بعد خطوات خارج ركام المنزل، تضع والدتها حصيرة وتفرش عليها التمر والماء وتقول: "الله يسلمنا وما ترجع الحرب. راضين نفطر على ركام بيتنا ولا نتهجّر، ويقرب الخط الأصفر أكثر ويروح حتى الركام".

من جانبها، تقول الأخصائية النفسية هالة سكر: "الفقد من أكثر الصدمات النفسية التي طالت البناء النفسي للمجتمع الغزّي، ومن أكثر التجارب الشعورية اختبارًا في كل بيت غزّي، وهو من المشاعر التي تسلب الاستمتاع بتجارب الحياة التي تحتاج إلى المشاركة. وشهر رمضان في غزّة يتميز بالتجمعات العائلية، مما يحفّز شعور الفقدان عند العائلات الغزّية وينتزع المعنى لهذه اللحظات".
وبعد أذان المغرب يغادر "الترا فلسطين" الأماكن التي التقى فيها الأفراد، ويحمل أمنياتهم بأن يكون رمضان القادم يحمل الأمل والفرح لقلوبهم ولغزّة المكلومة.
