عنف المستوطنين: حين تكذب الحكومة الإسرائيلية وتفضحها مؤسساتها!
24 يونيو 2026
منذ سنوات، دأبت حكومة بنيامين نتنياهو على التقليل من شأن اعتداءات المستوطنين ضد الفلسطينيين في الضفة الغربية المحتلة، بل وصل الأمر إلى وصف الحديث عن تصاعد هذا العنف بأنه "أخبار زائفة" أو "أسطورة" تروجها وسائل الإعلام والمنظمات الحقوقية. غير أن هذه الرواية الرسمية تواجه اليوم معضلة كبيرة؛ إذ لم تعد الأدلة تأتي فقط من الأمم المتحدة أو المنظمات الدولية، وإنما من داخل المؤسسة الأمنية الإسرائيلية نفسها. فالمعطيات الصادرة عن الجيش الإسرائيلي وجهاز الأمن العام (الشاباك) ترسم صورة مختلفة تمامًا، وتؤكد أن عنف المستوطنين يسير في اتجاه تصاعدي، وأن مستوى خطورته آخذ في الازدياد، الأمر الذي يجعل ادعاءات الحكومة أقرب إلى محاولة لتحريف الوقائع وإخفاء الواقع من كونها قراءة موضوعية للأحداث.
لا يمكن فهم تصاعد عنف المستوطنين بمعزل عن البيئة السياسية والأمنية التي يعملون فيها. فالكثير من الهجمات تقع بحضور الجيش الإسرائيلي، أو تحت حمايته، أو بعد تدخله لصالح المستوطنين ضد الفلسطينيين
وتكشف البيانات الأمنية الإسرائيلية أن عام 2025 شهد ارتفاعًا بنسبة 27% في الجرائم ذات الدوافع القومية التي ارتكبها مستوطنون متطرفون مقارنة بعام 2024، إذ ارتفع عددها من 682 إلى 867 حادثة. والأخطر من ذلك أن عدد الاعتداءات المصنفة "خطيرة" (تشمل إطلاق النار والحرق والطعن) قفز بأكثر من 50%، أي من 83 حادثة إلى 128. وهذه ليست تقديرات صادرة عن جهات فلسطينية أو دولية، وإنما أرقام جمعها الجيش الإسرائيلي والشاباك، ما يجعلها ذات دلالة خاصة؛ لأنها تصدر عن مؤسسات لا يمكن اتهامها بالانحياز للرواية الفلسطينية.
في المقابل، تستند الحكومة إلى انخفاض عدد الملفات التي فتحتها الشرطة لتوحي بأن مستوى العنف يتراجع. غير أن هذه المقارنة مضللة؛ فالشرطة الإسرائيلية، التي تقع تحت مسؤولية وزير الأمن القومي اليميني المتطرف إيتمار بن غفير، لا تمثل المقياس الوحيد لحجم الاعتداءات. وعندما تُقارن بياناتها مع معطيات الجيش والشاباك يتضح أن انخفاض الملفات المفتوحة لا يعني انخفاض الاعتداءات، بل قد يعكس ضعفًا في إنفاذ القانون أو تراجعًا في ملاحقة الجناة أو إحجامًا عن فتح تحقيقات أصلًا، وهو ما يتفق مع الانتقادات المتكررة التي تتحدث عن حالة شبه كاملة من الإفلات من العقاب للمستوطنين المتطرفين.
ولا يمكن فهم تصاعد عنف المستوطنين بمعزل عن البيئة السياسية والأمنية التي يعملون فيها. فالكثير من الهجمات تقع بحضور الجيش الإسرائيلي، أو تحت حمايته، أو بعد تدخله لصالح المستوطنين ضد الفلسطينيين. كما أن مواقف الحكومة، التي تضم وزراء ينتمون إلى تيار الاستيطان، وفرت غطاءً سياسيًا واضحًا لهذه الممارسات، سواء عبر الخطاب السياسي أو عبر التوسع في شرعنة البؤر الاستيطانية أو الامتناع عن اتخاذ إجراءات رادعة بحق مرتكبي الاعتداءات. وقد خلصت لجنة التحقيق الدولية التابعة للأمم المتحدة إلى أن السلطات الإسرائيلية تقدم للمستوطنين دعمًا ماليًا وعسكريًا وقانونيًا، وأن قوات الأمن كثيرًا ما ترافقهم أو تحميهم أثناء الهجمات، بما يجعل الفصل بين عنف الدولة وعنف المستوطنين أكثر صعوبة.
ولا تقتصر التحذيرات على الأمم المتحدة، بل تمتد إلى تقارير حقوقية ودولية عديدة وثقت تصاعدًا مطردًا في الاعتداءات خلال الأعوام الثلاثة الأخيرة. ففي تقرير أصدره مكتب الأمم المتحدة لحقوق الإنسان في مارس/آذار 2026، جرى توثيق 1732 حادثة عنف للمستوطنين أدت إلى إصابات أو أضرار بالممتلكات خلال فترة اثني عشر شهرًا، مقارنة بـ 1400 حادثة في الفترة السابقة، مع الإشارة إلى أن هذه الاعتداءات اتخذت طابعًا "منهجيًا ومنسقًا" وأسهمت في تهجير أكثر من 36 ألف فلسطيني نتيجة توسع الاستيطان والعنف المصاحب له.
أما على مستوى السنوات الثلاث الأخيرة، فتشير بيانات الأمم المتحدة إلى أن عام 2024 شهد استمرار مستويات مرتفعة من اعتداءات المستوطنين، بينما سجل عام 2025 مزيدًا من الارتفاع، خصوصًا خلال موسم قطف الزيتون، حيث تحدثت الأمم المتحدة عن "ارتفاع هائل" في وتيرة الاعتداءات، وأشارت إلى تسجيل 757 هجومًا خلال النصف الأول من عام 2025، بزيادة بلغت 13% مقارنة بالفترة نفسها من العام السابق. كما أدى العنف إلى حرمان آلاف العائلات الفلسطينية من الوصول إلى أراضيها الزراعية، وإلحاق خسائر اقتصادية كبيرة بالمزارعين.
وفي عام 2026، لم يتوقف التصعيد، بل ازداد حدة. فقد حذرت الأمم المتحدة من أن عدد الفلسطينيين الذين هُجّروا بسبب عنف المستوطنين والقيود المفروضة على الوصول إلى الأراضي خلال الأشهر الثلاثة الأولى من العام تجاوز العدد المسجل طوال عام 2025 بأكمله. كما أشارت إلى أن أكثر من ألف هجوم للمستوطنين سُجل منذ بداية العام، وإلى استمرار الارتفاع في أعداد الضحايا والمصابين والمهجرين.
ويبرز هنا تناقض لافت؛ فبينما تصر الحكومة على إنكار وجود ظاهرة متفاقمة، تؤكد المؤسسة الأمنية الإسرائيلية أن هذه الاعتداءات أصبحت تشكل تحديًا أمنيًا حقيقيًا. فقد نقلت وسائل إعلام إسرائيلية عن مسؤولين في قيادة المنطقة الوسطى في الجيش الإسرائيلي شعورهم بالفشل في احتواء عنف المستوطنين، محذرين من أن استمرار هذه الاعتداءات يضر بالأمن الإسرائيلي ويزيد احتمالات التصعيد في الضفة الغربية.
وتشارك مراكز أبحاث إسرائيلية وخبراء أمنيون هذا القلق، إذ يرون أن استمرار الاعتداءات دون محاسبة يخلق قناعة متزايدة لدى الفلسطينيين بأن الحكومة الإسرائيلية لا ترغب في كبح جماح المستوطنين، أو أنها عاجزة عن ذلك، أو أنها شريكة فيه. وفي ظل هذا الشعور، تتزايد احتمالات انتقال الاحتكاكات اليومية إلى موجات عنف أوسع يصعب احتواؤها، خاصة مع انتشار السلاح بين المستوطنين وتصاعد عمليات إنشاء البؤر الاستيطانية غير القانونية حتى وفق القانون الإسرائيلي نفسه.
ويحذر هؤلاء من أن أخطر ما في الظاهرة ليس عدد الاعتداءات فقط، بل تحولها إلى سياسة أمر واقع تهدف إلى تغيير الخريطة الديموغرافية في الضفة الغربية، عبر دفع الفلسطينيين إلى مغادرة أراضيهم الزراعية أو تجمعاتهم الرعوية تحت وطأة الاعتداءات المتكررة. وهذا ما يجعل عنف المستوطنين جزءًا من مشروع أوسع لتوسيع السيطرة على الأرض، وليس مجرد تجاوزات فردية أو أعمال يقوم بها "متطرفون" خارج سيطرة الدولة.
وفي هذا السياق، تبدو محاولات الحكومة الإسرائيلية نفي تصاعد العنف محاولة لتشكيل رواية سياسية أكثر منها توصيفًا للواقع. فحين تتعارض تصريحات السياسيين مع تقارير الجيش والشاباك، ومع تقارير الأمم المتحدة، ومع شهادات منظمات حقوق الإنسان، فإن المشكلة لا تكون في نقص الأدلة، بل في الإرادة السياسية للاعتراف بها.
إن إنكار الظاهرة لا يوقفها، كما أن تقليل حجمها لا يحول دون اتساعها. فالوقائع الميدانية والإحصاءات المتوافرة تشير إلى اتجاه واضح يتمثل في ارتفاع وتيرة الاعتداءات، وتزايد خطورتها، واتساع آثارها الإنسانية والسياسية. والأخطر أن استمرار الإفلات من العقاب يمنح الجماعات الاستيطانية المتطرفة شعورًا بأنها قادرة على فرض وقائع جديدة بالقوة، في وقت تتراجع فيه ثقة الفلسطينيين بإمكانية حصولهم على الحماية أو العدالة.
وفي النتيجة، فإن وصف تصاعد عنف المستوطنين بأنه "أخبار زائفة" لا يصمد أمام اختبار الحقائق. فالأرقام الصادرة عن المؤسسة الأمنية الإسرائيلية، والتقارير الأممية، والتحذيرات الصادرة عن خبراء الأمن الإسرائيليين، كلها تؤكد أن الضفة الغربية تشهد تصعيدًا حقيقيًا ومتواصلًا. وإذا استمرت الحكومة في تجاهل هذه المؤشرات أو تبريرها، فإنها لا تخاطر فقط بمزيد من الانتهاكات ضد الفلسطينيين، وإنما أيضاً بتهيئة الظروف لانفجار أمني واسع قد يمتد أثره إلى مجمل المشهد الفلسطيني - الإسرائيلي، بعدما يفقد الفلسطينيون الأمل في أن تكون هناك جهة إسرائيلية قادرة أو راغبة في كبح عنف المستوطنين ووضع حد لإفلاتهم المستمر من المساءلة.
الكلمات المفتاحية
عباءة الأمل من خيوط الحزن
كان نائل يقول في مقابلة مصوّرة جاءت أمي ذات يوم لزيارتي، وطلبت غطاء فِراشي، ولا أعلم ما الذي تفكّر فيه، وعندما جاءتني في زيارتها الثانية كانت قد حوّلت الغطاء إلى ثوب
هل الانقسام بين دولة إسرائيل ومملكة "يهودا والسامرة" التوراتية ممكن؟
اليمين الاستيطاني لا يريد الانفصال عن إسرائيل وإقامة مملكة مستقلة في الضفة. بل يريد شيئًا أكبر: يريد إعادة تشكيل إسرائيل كلها على صورته.
أول يوم في سجن النقب
دخلت وحدة قمع إلى الغرفة 8، واعتدت على الأسرى فيها بالضرب، قبل أن تُطلق النار داخل الغرفة. أصيب عدد من الأسرى، بينما كان صدى الانفجارات والصراخ يملأ القسم.
الاحتلال يواصل الخروقات.. قصف واستهدافات في خانيونس وانفجار قنبلة في دبابة
وصل جثمان الشهيد محمد بشير يوسف أبو عرمانة، من سكان مدينة دير البلح، إلى مستشفى العودة، بعد استهدافه في منطقة مفترق شارع العشرين بمخيم النصيرات وسط قطاع غزة.
حملة إسرائيلية جديدة لتوجيه إجابات "تشات جي بي تي" حول مجاعة غزة والجيش الإسرائيلي
ليست هذه المرة الأولى التي تعتمد فيها إسرائيل على شبكة "هافاس" لمحاولة التأثير على روبوتات الدردشة الذكية
برصاصة مستوطن.. الممرض محمد مطور يصارع الشلل النصفي ويحلم بالعودة إلى حياته
لم يكن الممرض محمد نبيل مطور، البالغ من العمر 26 عامًا، يتوقع أن تنتهي زيارته إلى منزل ابن خاله في خربة الدوارة، الواقعة بين بلدتي بني نعيم وسعير شرق الخليل، برصاصة إسرائيلية تستقر في عموده الفقري وتغيّر حياته في لحظات.
عباءة الأمل من خيوط الحزن
كان نائل يقول في مقابلة مصوّرة جاءت أمي ذات يوم لزيارتي، وطلبت غطاء فِراشي، ولا أعلم ما الذي تفكّر فيه، وعندما جاءتني في زيارتها الثانية كانت قد حوّلت الغطاء إلى ثوب