عن الضحايا الأحياء للإبادة.. كيف يستقبل "الناجي الوحيد" العيد في غزة؟
20 مارس 2026
بينما يحتفل المسلمون حول العالم بحلول عيد الفطر يقف أكثر من 6020 ناجٍ وحيد على أطلال عائلاتهم التي أبيدت بالكامل، محاولين استيعاب الفاجعة في وقتٍ تحولت فيه البهجة إلى لحظةٍ ثقيلة تعيدهم إلى صدمة الفقد الأولى وتشعرهم بعمق الفجوة والمسؤولية مع كل شعيرة من شعائر العيد.
"ليش أنا موجود؟"
"الناجي الوحيد" لقبٌ لم يختره أنس شابط (23 عامًا) بل فرضته الإبادة عليه بعدما سلبت منه أسرته التي كانت عيده، ليتحول العيد لديه إلى أيامٍ مُوحشة يتمنى أن لا تأتي، بسبب أثرها الثقيل على نفسه دون لمّة أسرته، بدءًا من الصلاة وليس انتهاءً بالزيارات.
لا ينفك أنس يسأل "ليش أنا موجود حتى الآن؟". أما روان فتقول: "أحيانًا أكون مكسورة لدرجة أني غير قادرة على الحديث"
يحبس أنس دموعه وهو يستذكر أجواء العيد ويقول: "كعك أمي لا يُقارن، ولكن كان لا بد من لمساتي السحرية على المعمول"، مشيرًا إلى أنه يكتفي بالقهوة والتمر في هذا العيد "المأساوي" على حد وصفه.
يستذكر أنس وجبة "الفسيخ" التي تميز عيد الفطر، كما يفتقد لسفرة والدته المجهزة بالطشطاشة والدقة الحارة، وكذلك تجهيزات استقبال الضيوف و"مناكفات أخواته" حول العيدية وسؤال أمه المعتاد "كيف جولة العيد؟"، مبينًا أنه كان يبدأ صباح العيد بمصافحة والدته واحتضانها.
"مشخص يا عريس" جملة اعتاد أنس أن يسمعها من والدته التي عُرفت بمدحها الدائم له كلما أخذ رأيها بملابس العيد، مضيفًا أن ليلة العيد هي الأثقل على نفسه، حيث يبدأ ضجيج الشوق في قلبه حين يهدأ ضجيج فرح الناس.
تنهد أنس عندما سألناه عن شعوره لحظة زيارة عماته ثم قال: "هنا سأسكت قليلًا"، مبينًا أن "جولة العيد" آخر ما بقي له من أجوائه، لكنها بقيت منقوصة بسبب غياب جميع من كان يقضي الجولة برفقتهم.
ولا ينفك أنس يسأل "ليش أنا موجود حتى الآن؟"، منوهًا أن والدته سألته قبل يوم واحدٍ من استشهادها "شو بتعمل لو كلنا استشهدنا ونجوت وحدك؟"، غير أنه امتنع عن الإجابة لاستبعاده وقوع هذه المحنة التي يقول إنه لا يعينه على تجرعها سوى "الإيمان بالقضاء وأن الشهادة اصطفاء، على أمل اللقاء".
"العيد غربة"
أما روان نائل (20 عامًا) ففقدت أسرتها في بداية حرب الإبادة إثر قصفٍ لمدرسة البراق غرب مدينة غزة، وهي الآن تستقبل العيد بالسؤال ذاته الذي يردده أكثر من 6 آلاف شخص في غزة: "وينهم؟".
تلخص روان العيد قائلة: "كان حياة، صلاة، فنجان قهوة، جمعة البركة عند الجدة، ضحكة بابا وحنية ماما"، مضيفة أنها بوجودهم كانت تشعر كأنها "ملكة"، وتؤكد أنه "لا أحد يعوض مكانهم".
تحاول روان لملمة شتات قلبها والتقوّي بذكرى أسرتها لتعيش طقوس العيد، فتأتي بأجمل الملابس، وترتب البيت، وتجهز الضيافة التي كانت تحبها والدتها رغم الغصة التي لا شفاء منها.
كانت لروان طقوسٌ خاصة في استقبال العيد، تبدأ من التسوق رفقة والدتها وتجهيز المعمول في البيت وسط ضجيج الحياة لأسرة تحب الحياة، وقد ترك رحيلها فراغًا عميقًا ما زالت روان تحاول ملأه.
تقول روان إنها "تستمد قوتها من الاستعانة بالله، فتستقبل العيد في ليلته الأولى بالمناجاة وتلاوة القرآن"، وتضيف: "أتخيل أهلي واستمد السكينة من ذكراهم وأدعو بالصبر لمواجهة باقي الأيام من دونهم".
وتواصل حديثها: "العيد من غير أهلي غربة، وأحيانًا أكون مكسورة لدرجة أني غير قادرة على الحديث، وأشعر بغصة كلما وقفت أمام باب كان والداي هما من يفتحانه، خصوصًا أنني الفتاة المدللة الوحيدة بين ثلاثة أشقاء".
الشعور بالذنب
مُسحت عائلة روان من السجل المدني ولم يبق سواها، ولذلك فإنها تحرص على إحياء ذكراهم ونقل صوتهم وحكايتهم "لأثبت للعالم أن لا أحد قادرٌ على مسحهم من ذاكرتي" وفق قولها. وهي واحدة من 2700 عائلة فلسطينية مُسحت بالكامل من السجل المدني خلال حرب الإبادة، وفقًا للمكتب الإعلامي الحكومي.
تأمل روان أن يتوقف العالم عن اعتياد صور الوجع من غزة في وقتٍ بات فيه العيد ساعة صمت على أرواح الشهداء، مضيفة: "اجلعوا إنسانيتكم أكبر من مجرد منشورات، لا تنسوا من سرق حياتنا، أوصلوا أصواتنا فإننا لا نزال بانتظار العدل".
يقول عميد كلية التربية في جامعة فلسطين أكرم منصور إن المناسبات لها تأثيرٌ شديدٌ في تحفيز الذاكرة في أوقات الفرح، وهو ما يُثقل كثيرًا على "الناجي الوحيد"، فيدفعه لاستحضار الغياب بشكل حاد، والمقارنة بين صور الماضي وواقع الوحدة والفقد في الحاضر.
ويؤكد منصور شيوع الشعور بذنب البقاء لدى "الناجي الوحيد" من الإبادة، مبينًا أن الألم يتجلى في يوم العيد القائم على الاجتماع العائلي في جوهره الديني والثقافي، حيث تتحول الطقوس فيه والرموز العاطفية إلى علامات على الفقد بدءًا من صلاة العيد وتكبيراته وليس انتهاءً بالملابس الجديدة.
يؤكد منصور شيوع الشعور بذنب البقاء لدى "الناجي الوحيد" من الإبادة، مبينًا أن الألم يتجلى في يوم العيد القائم على الاجتماع العائلي في جوهره الديني والثقافي
يتحدث منصور عن دور "الناجي الوحيد" في الحفاظ على سيرة أهله، ويشير إلى أن هذا الدور يمكن أن يكون وسيلة مهمة للعلاج النفسي. "فمن خلال توثيق قصصهم وتذكّرهم، يستطيع الناجي أن يحوّل معاناته إلى معنى، وفقده إلى رسالة تدفعه للاستمرار بدل الانهيار". ويضيف: "كما يساعده هذا التوثيق على تنظيم مشاعره والتخفيف من الفوضى العاطفية الناتجة عن الصدمة، مما يمكّنه من التماسك وبناء هوية جديدة".
ويرى منصور أن الثقافة الإسلامية تساعد "الناجي الوحيد" في تحويل "مسؤولية" حفظ ذكرى العائلة إلى شكل من أشكال العبادة. "فالدعاء للراحلين والصدقة عنهم يمكن أن يخففا من ألم الفقد، ويعززا الشعور بالوفاء لهم، مشددًا على ضرورة "عدم ترك الناجي وحيدًا، بل دعمه ومنحه مساحة للتعبير عن حزنه، مع الاستمرار في الحفاظ على ذكرى من فقدهم".
الكلمات المفتاحية
طوابير البيض في غزة.. غذاء أساسي يتحوّل إلى سلعة نادرة
منذ بداية رمضان، يشهد إدخال البيض إلى غزة تذبذبًا حادًا؛ إذ يسمح الاحتلال بدخول كميات محدودة، ما أدى إلى ارتفاع أسعاره بصورة كبيرة تفوق قدرة معظم الغزيين.
اتساع الإضرابات النقابية.. واتهامات للحكومة بـ"ازدواجية المعايير" في صرف الحقوق المالية
بدأت رقعة الاحتجاجات تتسع في الضفة الغربية، بعدما دخلت نقابات مهنية وقطاعات متعددة في مواجهة مفتوحة مع الحكومة على خلفية أزمة الرواتب.
مصادرة أراضٍ في منطقة "أ" بمدينة جنين.. خطوة غير مسبوقة تُؤسس لوجود عسكري دائم
المنطقة المصادرة هي منطقة مملوكة تقع في موقع استراتيجي مطل بالكامل على مخيم جنين والأحياء الغربية والشمالية للمدينة
طوابير البيض في غزة.. غذاء أساسي يتحوّل إلى سلعة نادرة
منذ بداية رمضان، يشهد إدخال البيض إلى غزة تذبذبًا حادًا؛ إذ يسمح الاحتلال بدخول كميات محدودة، ما أدى إلى ارتفاع أسعاره بصورة كبيرة تفوق قدرة معظم الغزيين.
تقرير إسرائيلي: الجيش يوسع "الخط الأصفر" بموافقة "مجلس السلام"
جيش الاحتلال وسّع ما يصفها بـ"المناطق الأمنية" داخل قطاع غزة بمساحة إضافية تبلغ 34 كيلومترًا مربعًا.
مؤسسات الأسرى: الكنيست يكرّس الإبادة عبر إنشاء محكمة خاصة لمعتقلي 7 أكتوبر
بيان مؤسسات الأسرى: الكنيست بات يشكل أداة مركزية في منظومة الإرهاب الاستعماري الإسرائيلي، من خلال توفير غطاء قانوني داخلي للجرائم المرتكبة بحق الشعب الفلسطيني.
جيش الاحتلال يسرّع إنشاء مصنع طائرات مسيّرة لمواجهة مسيّرات حزب الله
قال جيش الاحتلال إن هذا النوع من المسيّرات "أصبح عنصرًا بارزًا في ساحات القتال الحديثة، كما ظهر خلال الحرب بين روسيا وأوكرانيا".