ultracheck
قول

عن خبايا الليل في غزة

28 ديسمبر 2024
عن خبايا الليل في غزة.png
في ليل غزة حكايات فقدٍ تكتب بحبر الدم وراء ستائر مظلمة
يحيى اليعقوبي
يحيى اليعقوبي صحفي من قطاع غزة

الليل في غزّة مختلف تمامًا عمّا يعرفه العالم، هدوء الليل يكسره أصوات انفجارات لا تهدأ. تتسابق الصواريخ في النزول للأسفل، وفي تشويه معالم المدينة المشوّهة منذ 450 يومًا. بقايا البيوت تهتزّ، الغبار يختلط مع الهواء البارد، تجوب الطائرات المعادية السماء بينما صوتها لا يفارق الأرض وآذان الناس في الأسفل وكأنه جزء من "عقاب جماعي" لمن لم يأت دوره بالموت، الكلاب تخلّت عن خصلة الوفاء، تنهش بين جنحي الظلام أجساد الشهداء كما نهشهم صمت العالم، تقف على أجساد أسود واجهت الموت والتشريد والجوع.

الليل في غزة يختلف عن أيّ مكان آخر؛ يكسره أصوات الانفجارات والصواريخ التي تشوّه معالم المدينة. رعبٌ مستمر يعيشه السكّان الذين تتعرض منازلهم للقصف وتتحول إلى مقابر جماعية. الأطفال ينامون في خيام باردة، ويعاني الجميع من نقص الغذاء والدفء

في ليل غزة حكايات فقد تكتب بحبر الدم وراء ستائر مظلمة، يكتبها أصحابها بأصوات استغاثة لا تسمع عندما تتشقق بين جدار الصمت، ترفض منح المكان هدوءًا يفرش فيه الموت ثوبه ويوزع أكفانه، حتى الأغطية تحولت إلى أكفان والبيوت لمقابر جماعية بلا ضجيج لحظة الانقضاض على قلوب تنتظر الصباح، تعاند الموت تحت الركام، تصرخ، تستجدي ضميرًا ميّتًا، تتشبث بالأمل والحياة، ليرووا حكاية موت وقعت وراء الصمت.

خلف صمت الليل، يستيقظ الموت في كل مكان في غزة، يلاحقنا، يكسر حرمة البيوت مرة ومرتين، يدمّرها ويعيد الكرّة، ليمسحها بمن فيها عن الحياة، يسرق النوم من عيون أثقلها السهر رغم شدة النعاس، ترفض جفونهم إسدال ستائرها المثقلة بالأرق بينما يطرق القلق والخوف والرعب مساميره في قلوبنا، تقترب الدبابات تبدأ الرشاشات الآلية بإطلاق رصاص لا عدّ له، يخترق الجدران، "الرصاص يصفر من فوقنا" هذه الجملة يعرفها من يسكنون في الخيام على أطراف مناطق المواصي أو شاطئ البحر حينما تستريح الدبابات قليلًا فتتولى الزوارق دورها في الرعب والقتل، ولا يبخل الاحتلال في إمطار غزة بالرصاص، ولا بأس لديه،  فالدعم السخي للأسلحة من الغرب لا يتوقف ولا ينتهي، من بعيد يذيّلون توقيعهم عليها.

من بعيد، في دولة أخرى، يصلك المشهد والأمان يحيط بك، تحيط بك جدران كاملة، وسرير، وغطاء دافئ وليل هادئ، هي من أمنيات أهل غزة الآن، تحتار هل ستمنح نفسك الوقت لمشاهدة مقطع فيديو سرد الحكاية؟ وهل ستمنح عيناك فرصة البكاء أم اعتدت المشهد وألفته واستبدلته بمقطع لمباراة كرة قدم، في أحسن التضامن ستشاهد المقطع وتنام، بينما تستمر هي في البكاء والصراخ أسفل الركام: "طلعوني. أولادي بخير؟!".

يكسر صوت استغاثتها جدار الصمت، يحمل خيوطًا من الأمل ترفض الانقطاع عن حبل الحياة، يتسلل صوتها من بين الحجارة، يتدفق من قلب مثقل مليء بالوجع وجسد محاصر من كل جهة تملؤه أوجاع لا تنتهي، يسحبها المسعفون بعد خمس ساعات من إزالة الحجارة بأيديهم، ارتعشت أجسادهم من البرد، مثل طائر وقع في بركة ماء، وأخرجوا السيدة، نظرت حولها، كان صوتها الوحيد بين عشرة جثامين هامدة، ولسان حالها يقول: "أنزلوني للأسفل، فما عاد للحياة طعم، ولا للصباح نور".

"في ليل غزة حكايات فقدٍ تكتب بحبر الدم وراء ستائر مظلمة، يكتبها أصحابها بأصوات استغاثة لا تسمع عندما تتشقق بين جدار الصمت"

بينما يحاول هو، إشعال النيران بجانب الخيمة منذ ساعة، وفي كل محاولة ترفض الرياح العاتية منحه فرصة لإشعال النار لغلي كأس من الحليب لطفله الصغير، يحاول منحه الدفء، ترفض الرياح الهدوء، كل شيء متجمّد في المواصي، أطراف وأجساد الأطفال، الرمال والهواء، الدفء هنا مستحيل.

ينام أطفال غزة في خيام تتحول ليلًا لثلاجات، بعدما نزحوا لمنطقة المواصي ذات المناخ الصحراوي الهواء فيها بارد وجاف في الليل، بحيث لا توفر القطع القماشية أي دفء، تتساقط قطرات الندى يوميًا لتبلل ملابسهم، يرتجفون وهم داخل الأغطية، ينخر البرد عظامهم ويجمّد أجسامهم، وهم يعيشون وجهًا آخر للإبادة والظلم.

بينما تقف الإعانات من أغطية وملابس شتوية متكدّسة على الجانب المصري من معبر رفح، منذ خمسة أشهر يُسدُّ شريان الحياة عن غزة، ويغلق المعبر ويترك الناس يغرقون في مآساتهم، يموتون من البرد والتجمد.

سواد الليل حالك في غزة، فلا بقعة نور تستطيع إيجادها، تغرق المدينة في ظلام دامس منذ عام، انطفأت أنوار الحياة، فلا شيء يكسر عتمة الليل إلا وميض الصواريخ وتطاير الشظايا والرصاص، أو مصابيح طاقة بديلة يستعملها الناس في البيوت والخيام ويمضون كل نهارهم في شحنها بالطاقة.

كغيرها من الأماكن كانت غزة قبل الحرب، ورغم الحصار الذي استمر 17 عامًا تضيء شوارعها 8 ساعات يوميا في جدول وصل يومي للكهرباء، يتمنى الناس لو يعود الآن، لتشغيل المدفأة قليلًا من الوقت لطرد البرودة، أو لمنح أجسادهم الباردة بعض الدفء.

استيقظ طفلها الصغير جائعًا منتصف الليل، بعدما نام على جوع، يستجدي أمّه بقطعة خبز، تقلّب الخيمة، تبحث عن أي بديل مشبع، عن شيء ترمم به جسد طفلها، تقف عاجزة أمام طلب صغير، يواصل الطفل البكاء، ويعلو صوته، يسمعه الجيران، يقفون جميعًا عاجزين، المأساة تفتك بالكل، تقسم الجارة نصف رغيف لديها مع جارتها، فينام الطفل وتأخذ دموعه غفوة، بينما تبكي أمه من الداخل، وكم من طفل نام بجوعه، لك الله يا غزة.

 

الكلمات المفتاحية

Photo by BASHAR TALEB / AFP via Getty Images

أشياء لم تستطع إسرائيل إبادتها

يموت الإنسان مرتين في حياته، مرةً حين يُستهدف جسده، ومرةً عندما تُستهدف حكايته، وبما أن الحكاية ليست شيئًا ماديًا يمكن كسره/قتله، فهي أيضًا غير قابلة للإبادة


عباءة الأمل من خيوط الحزن

عباءة الأمل من خيوط الحزن

كان نائل يقول في مقابلة مصوّرة جاءت أمي ذات يوم لزيارتي، وطلبت غطاء فِراشي، ولا أعلم ما الذي تفكّر فيه، وعندما جاءتني في زيارتها الثانية كانت قد حوّلت الغطاء إلى ثوب


هل الانقسام بين دولة إسرائيل ومملكة "يهودا والسامرة" التوراتية ممكن؟

هل الانقسام بين دولة إسرائيل ومملكة "يهودا والسامرة" التوراتية ممكن؟

اليمين الاستيطاني لا يريد الانفصال عن إسرائيل وإقامة مملكة مستقلة في الضفة. بل يريد شيئًا أكبر: يريد إعادة تشكيل إسرائيل كلها على صورته.


 أول يوم في سجن النقب مجاهد بني مفلح

أول يوم في سجن النقب

دخلت وحدة قمع إلى الغرفة 8، واعتدت على الأسرى فيها بالضرب، قبل أن تُطلق النار داخل الغرفة. أصيب عدد من الأسرى، بينما كان صدى الانفجارات والصراخ يملأ القسم.

موسم العنب والتين وطقوس التعزيب والمنطرة
ذاكرة وطنية

موسم العنب والتين وطقوس التعزيب والمنطرة

يُعدّ موسم العنب والتين في فلسطين، والمعروف في الثقافة الفلاحية والتقويم الشعبي بـ "موسم القيظ"، أحد أهم المعالم الاجتماعية والزراعية والروحية التي تشكل الوجدان والذاكرة الجمعية للفلاح الفلسطيني

Photo by BASHAR TALEB / AFP via Getty Images
قول

أشياء لم تستطع إسرائيل إبادتها

يموت الإنسان مرتين في حياته، مرةً حين يُستهدف جسده، ومرةً عندما تُستهدف حكايته، وبما أن الحكاية ليست شيئًا ماديًا يمكن كسره/قتله، فهي أيضًا غير قابلة للإبادة


إسلام حجازي يروي شهادته على الإعدام وعذابات السجون
فيديو

إسلام حجازي يروي شهادته على الإعدام وعذابات السجون

الأسير المحرر إسلام حجازي يروي شهادته عن عذابات السجون ويتحدث عن إعدام الاحتلال الإسرائيلي الطبيب عدنان البرش، بالإضافة إلى أسرى في معسكر الاعتقال سديه تيمان.

المتطرف إيتمار بن غفير يدعو إلى قتل 30 - 40 فلسطينيًا في غزة كل يوم
أخبار

المتطرف إيتمار بن غفير يدعو إلى قتل 30 - 40 فلسطينيًا في غزة كل يوم

دعا وزير الأمن القومي للاحتلال المتطرف إيتمار بن غفير علنًا إلى قتل "30 إلى 40" شخصًا في غزة كل ليلة

الأكثر قراءة

1
مقابلات

حوار | أنطوان شلحت: الانتخابات الإسرائيلية تجري في ظل هيمنة اليمين وتنافس أحزابه لا يغيّر جوهر الموقف من الفلسطينيين


2
مقابلات

خاص | حسام بدران: الاغتيالات تؤكد موقف الاحتلال الرافض لأي اتفاق وأبلغنا ملادينوف بموقفنا من تصريحاته


3
تقارير

خاص | مسودة قرار تعدّل تشكيل المجلس الوطني: 67 عضوًا من الداخل بـ"التوافق والتشاور" ومقعد للرئيس


4
تقارير

من أبو حسنة إلى أبو راشد.. تهم "الإرهاب" تلاحق نشطاء إغاثة غزة في الخارج


5
راصد

قراءة في التقرير السنوي لمعهد الأمن القومي الإسرائيلي: تآكل النواة الصلبة واستنزاف الجدار الحديدي