ultracheck
قول

عيد بلا أضحية.. وذبيحة بلا دم

27 مايو 2026
عيد بلا أضحية وذبيحة بلا دم
محمد نشبت
محمد نشبت كاتب صحفي من فلسطين

كنّا نعرف أن العيد قادم حين تبدأ رائحة البهارات بالتسرّب من بيوت الجيران. حين يصحو الأطفال قبل الفجر دون أن يوقظهم أحد. حين يُشعل الحيّ كلّه، في يوم واحد، تلك الفرحة التي لا تشبهها فرحة أخرى. ليست فرحة هدية، ولا نجاح، ولا مناسبة عابرة، بل فرحة طقس قديم يشعر فيه الإنسان أنه ينتمي إلى شيء أكبر منه.

 حين يصرّ الناس هنا على استقبال العيد، حتى بأقل القليل، فهم لا يدافعون عن مناسبة دينية فقط، بل يدافعون عن حقهم في أن يبقوا بشرًا طبيعيين، لا مجرد ناجين

في غزة، لم يكن عيد الأضحى يومًا مجرد مناسبة دينية تُؤدّى ثم تنتهي. كان حدثًا اجتماعيًا كاملًا، تختلط فيه الرائحة بالصوت بالذاكرة. منذ الصباح تتحوّل الشوارع إلى مسرح مفتوح، تسمع التكبيرات، وتشتم رائحة الشواء والبخور واللحم الطازج، وترى الأطفال بملابسهم الجديدة يركضون بين البيوت حاملين حصص اللحم كأنهم يحملون رسائل فرح صغيرة.

في بعض الأحياء، كانت الأضحية تُربط قبل العيد بأيام. يراها الأطفال كل صباح، يعتادون وجودها، ويسمّونها أحيانًا، ثم يأتي يوم النحر فيفهمون، دون أن يشرح لهم أحد، شيئًا غامضًا عن الحياة والموت والعطاء والرحمة.

هذا ما كنّا عليه.

ثم جاءت الحرب.

وفي الحروب، لا تختفي الأعياد دفعة واحدة، بل تتآكل ببطء. يتغيّر شكلها أولًا، ثم صوتها، ثم معناها. يبقى الاسم نفسه، لكن الروح التي كانت تسكنه تصبح بعيدة، كأنها تخصّ حياة أخرى.

في عيد الأضحى الأول خلال الحرب، لم يكن السؤال: أيّ خروف سنشتري؟

كان السؤال: هل سنجد ما نأكله غدًا؟ لم تكن المشكلة في ثمن الأضحية وحده، بل في فكرة وجودها نفسها. الأسواق شبه فارغة، والماشية نادرة، والمال، حين يتوفّر، لا يجد ما يشتريه. صار اللحم شيئًا استثنائيًا يُتداول كخبر، لا كطعام عادي في أيام العيد.

لكن أكثر ما آلم لم يكن غياب اللحم، بل كان غياب الطقس.

الأضحية في غزة لم تكن مسألة بروتين أو قدرة شرائية. كانت لحظة جماعية يشعر فيها الناس أن حياتهم، رغم كل شيء، ما زالت مستقرة بما يكفي لتستمر العادة. حين يقف الأب مع أبنائه وقت الذبح، لا يقول لهم شيئًا مباشرًا، لكنه يزرع فيهم إحساسًا خفيًا بالبيت والعائلة والاستمرار. لذلك، حين غابت الأضحية، لم يغب اللحم فقط، بل غاب إعلان الوجود نفسه.

اختفت تفاصيل صغيرة لم نكن ننتبه إلى أهميتها إلا بعد أن فقدناها: رائحة الشواء في الصباح الباكر. صوت الجزّار وهو ينادي في الحارة. الأطفال الذين يطرقون أبواب الجيران حاملين الصحون. العائلات التي تبدأ نهارها الطويل حول قدور الطعام والزيارات والضحكات.

حتى الخبز الذي كان يُعجن منذ الفجر لم يعد متاحًا كما كان. ففي أوقات كثيرة لم يكن هناك دقيق كافٍ، ولا ماء كافٍ، ولا حتى مطبخ حقيقي داخل الخيام ومراكز النزوح.

أذكر أطفالًا ارتدوا ملابس العيد لأن أمهاتهم أصررن على ذلك، لا لأن الظروف تسمح. الأمهات في غزة يعرفن أن الطفل إذا خسر رموز الفرح مبكرًا، يكبر وفي داخله شيء مكسور. لكن حتى تلك الملابس الجديدة لم تستطع إخفاء السؤال في العيون: لماذا لا يشبه العيد نفسه هذا العام؟

هذا هو الوجه الأعمق للحرب. ليست المجاعة فقط، ولا الخراب فقط، بل قدرتها على تدمير الذاكرة الجماعية، وعلى قطع السلسلة الصغيرة التي تربط الناس بحياتهم السابقة.

والآن، بعد وقف إطلاق النار، يسأل كثيرون كيف سيأتي العيد هذا العام.

أفكّر في السؤال طويلًا ولا أجد إجابة واضحة.

غزة اليوم لا تشبه ما قبل الحرب، لكنها لا تشبه زمن الحرب أيضًا. هي مكان يحاول أن يقف على قدميه بينما كل شيء فيه مُرهق. فالأسواق عادت جزئيًا، لكن الأسعار تحكي قصة انهيار طويل، حيث آلاف العائلات فقدت مصادر دخلها، وبيوتها، ومدّخراتها دفعة واحدة. والرجل الذي كان يعمل في البناء لا يجد عملًا كافيًا، وصاحب المحل الذي أمضى عمره في تأسيس متجر صغير ينظر اليوم إلى الركام ويحاول أن يتخيّل من أين يبدأ.

في هذا الواقع، يأتي العيد مثقلًا بكل ما مرّ على الناس.

ورغم ذلك، أعرف أن غزة ستُحاول كعادتها أن تنتزع من الخراب شكلًا للحياة. فستكون هناك أم تُصرّ على غسل ملابس أطفالها وكيّها مهما كانت الظروف. وسيكون هناك أب يحاول أن يُدخل الفرح إلى البيت بأي طريقة، ولو بطبق طعام بسيط أو زيارة قصيرة أو لعبة رخيصة يشتريها على استحياء.

وسيكون هناك تكبير يخرج من المساجد والخيام والبيوت المهدّمة بنفس الرجفة القديمة، كأن الناس يقولون لبعضهم: ما دمنا نستطيع أن نرفع هذا الصوت، فنحن لم ننكسر تمامًا.

أفكّر كثيرًا في معنى الطقوس بعد الحروب. ليست الطقوس رفاهية كما يظن البعض. إنها الطريقة التي يُمسك بها الإنسان نفسه حين يتفكك العالم حوله. هي الخيط الأخير الذي يربطه بما كانه قبل الخراب. لذلك، حين يصرّ الناس هنا على استقبال العيد، حتى بأقل القليل، فهم لا يدافعون عن مناسبة دينية فقط، بل يدافعون عن حقهم في أن يبقوا بشرًا طبيعيين، لا مجرد ناجين.

العيد قادم.

وربما لن تكون فيه تلك الضجة القديمة، ولا الموائد نفسها، ولا رائحة الشواء التي كانت تملأ الحارات منذ الصباح. وربما ستجلس عائلات كثيرة هذا العام وهي تتذكّر أكثر مما تحتفل.

لكن غزة، التي خسرت أشياء لا تُحصى، لا تزال حتى الآن تعرف كيف تفعل الشيء الأصعب:

أن تُبقي باب الحياة مفتوحًا، ولو بشقّ صغير من الضوء.

وهذا، وحده، ليس أمرًا قليلًا.

الكلمات المفتاحية

الانتخابات الفلسطينية في مزاد المواعيد: المواطن آخر من يُسأل

الانتخابات الفلسطينية في مزاد المواعيد: المواطن آخر من يُسأل

جوهر الأزمة أن الشعب، الذي تستمد القيادة شرعيتها من تمثيله، يأتي متأخرا في ترتيب الاعتبارات


شو اللي رماك هالرمية يما؟ مهدي أبو عياش

شو اللي رماك هالرمية يما؟

"شو اللي رماك هالرمية يما؟"، سؤال ما زال معلّقًا في ذاكرتي، بوجع أمي عندما سألت السؤال فوق جسد "مهدي". لم أبحث عن إجابة، وربما ليس لي حق في معرفتها، لأنها، قبل كل شيء، حق لأمي


لماذا لا يخسر اليمين الإسرائيلي؟

لماذا لا يخسر اليمين الإسرائيلي؟

تراجع شعبية نتنياهو لا يدل وحده على انفكاك الناخبين عن العقيدة اليمينية. قد يعاقبه ناخب على إخفاق أمني، أو على إدارة الحرب، أو على فساد الحكم، ثم يمنح صوته لزعيم يعده بإدارة أكثر كفاءة للسياسة نفسها


هل يمكن كتابة الإبادة الآن؟ حوار مع باسم خندقجي بين حقيقة الإبادة ولغة تمثيلها

هل يمكن كتابة الإبادة الآن؟ حوار مع باسم خندقجي بين حقيقة الإبادة ولغة تمثيلها

يطرح باسم خندقجي، في مقالته "هل بالإمكان كتابة الإبادة الآن؟"، سؤالًا يتجاوز الكتابة بوصفها فعلًا أدبيًا إلى علاقتها بالحدث الاستثنائي الذي تعيشه غزة منذ ثلاثة أعوام

تقرير: الاحتلال يطرح 3 شروط للانسحاب من مخيمات شمال الضفة
تقارير

مخيمات جنين وطولكرم ونور شمس أمام قرار قضائي إسرائيلي لا يٌنهي التهجير

كاتس يرفض تدخل المحكمة العليا في قرار إبقاء جيش الاحتلال داخل مخيمات شمال الضفة، ملوّحًا بتشريعات في الكنيست لتكريس الوجود العسكري الدائم فيها.

الانتخابات الفلسطينية في مزاد المواعيد: المواطن آخر من يُسأل
قول

الانتخابات الفلسطينية في مزاد المواعيد: المواطن آخر من يُسأل

جوهر الأزمة أن الشعب، الذي تستمد القيادة شرعيتها من تمثيله، يأتي متأخرا في ترتيب الاعتبارات


الأولى منذ توليه المنصب المستحدث.. حسين الشيخ يبدأ جولة عربية
أخبار

بعد تأجيل الانتخابات.. حسين الشيخ: ملتزمون بإجراء الانتخابات فور توفر الظروف المناسبة

الشيخ: "الانتخابات ليست استعراضًا شكليًا، بل مسألة جوهرية تعبر عن إرادة شعب يجب أن تمارس بالحد الأدنى من الكرامة والاستقلالية".

مجرزة جباليا إبراهيم بياري
راصد

هآرتس تنقل شهادات عن مجزرة جباليا: الجيش وافق على قتل 300 فلسطيني

أشارت التقديرات الاستخباراتية إلى احتمال سقوط ما بين 250 و300 مدني، وهو ما استدعى إحالة قرار الهجوم إلى رئيس هيئة الأركان للموافقة عليه

الأكثر قراءة

1
تقارير

تأجيل الانتخابات الفلسطينية: هروب من المسؤولية وحرمان للشعب في اختيار ممثليه


2
مقابلات

حوار | رمزي رباح: قرار تأجيل الانتخابات متسرع ولم نوافق عليه والحوار الوطني لا يتعارض مع إجرائها في موعدها


3
تقارير

ملف الترا فلسطين | الإبادة بعد عام من "وقف إطلاق النار": كيف حال غزة؟


4
تقارير

ملف | الانتخابات الإسرائيلية 2026: أسئلة الحرب واليمين والمعارضة وفلسطين


5
قول

الجنرالات التائبون