غزة ترمم بيوتها بالنايلون وحجارة الأنقاض ومن دون إسمنت
28 مارس 2026
تلجأ عائلاتٌ في قطاع غزة إلى حلول بدائية لترميم منازلها المتضررة جزئيًا، مستخدمةً الخشب والنايلون والحجارة المستخرجة من الأنقاض، في محاولة للهروب من الخيام واستعادة حد أدنى من الحياة وسط انقطاع مواد البناء التي يمنع الاحتلال دخولها إلى القطاع.
قد تبدو هذه الجدران المصنوعة من النايلون هشة في نظر العالم، لكنها هنا تفصل بين عائلة تنام تحت سقف وأخرى تقضي ليلتها في خيمة
وعلى امتداد طريق صلاح الدين الذي يشق قطاع غزة من أقصاه إلى أقصاه، يتكرر المشهد نفسه: رجال يحملون ألواح خشبية فوق أكتافهم، آخرون يمدون شوادر من النايلون على هياكل بيوت لم يبقَ منها سوى الأعمدة الخرسانية، وأطفال ينقلون حجارة صغيرة في دلاء بلاستيكية. لكن هذه ليست ورش بناء بالمعنى الذي عرفه الغزيون قبل الحرب، فلا شاحنات إسمنت تصل، ولا أكياس إسمنت تُفرغ في الأزقة، ولا قضبان حديد جديدة تُنصب في الهياكل.
وفي كثير من الشقق المتضررة، يعمل النجارون على تثبيت ألواح الخشب على حواف الجدران المتبقية، ثم يمدون فوقها طبقات من النايلون المقوّى لتتحول الفجوات التي خلّفها القصف إلى جدران مؤقتة تحجب الرياح والغبار. بعض هذه الجدران تُفتح فيها نوافذ بدائية تسمح بدخول الضوء والهواء، فيما تُغلق الفراغات بأعمدة خشبية بسيطة تمنع سقوط الأطفال أو دخول المطر.

قد تبدو هذه الجدران المصنوعة من النايلون هشة في نظر العالم، لكنها هنا تفصل بين عائلة تنام تحت سقف وأخرى تقضي ليلتها في خيمة.
"الانتظار غير ممكن"
وبحسب الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني، فقد بلغ عدد الوحدات السكنية المتضررة في قطاع غزة خلال الإبادة الجماعية حتى شهر أيلول/سبتمبر 2025 نحو 330 ألفًا و500 وحدة سكنية، بين دمار كلي وأضرار جزئية. ويشير المكتب الإعلامي الحكومي في غزة إلى أن نحو 288 ألف أسرة باتت بلا مأوى ثابت، بينما تضررت أو تمزقت أكثر من 117 ألف خيمة من أصل 135 ألفًا نُصبت للنازحين.
وخلّفت الحرب وفق تقديرات برنامج الأمم المتحدة الإنمائي أكثر من 57.5 مليون طن من الركام، بعد أن دُمّر أو تضرر ما يقارب 80% من مباني القطاع.
وتقدّر الأمم المتحدة أن إزالة هذه الأنقاض وحدها قد تستغرق سبعة أعوام إذا توفرت المعدات والوقود. لكن بالنسبة للسكان الذين يعيشون وسط هذه الجبال من الركام، لا يبدو الانتظار خيارًا ممكنًا. ولذلك عاد مهدي أبو شملة (38 عامًا) إلى شقته المتضررة في خان يونس بعد أشهر طويلة من العيش في خيمة، ليجد جدرانًا متشققة وأعمدةً خرسانية.
يقول أبو شملة: "الخيمة لم تعد محتملة، فالمطر يدخل من كل الجهات والأطفال مرضوا أكثر من مرة".
وبمساعدة نجار من الحي، ثُبّتت ألواح الخشب على حواف الشقة المفتوحة وغُطيت بطبقات من النايلون المقوّى. وفي إحدى الزوايا أُقيم مطبخ صغير من قطع خشبية، وفُصل الحمام بستارة نايلون سميكة.
يضيف أبو شملة: "نعرف أن هذا ليس بيتًا حقيقيًا، لكنه على الأقل جدارٌ يحمينا من الريح".
ومع اتساع هذه الظاهرة، ظهرت مهن جديدة فرضتها الحرب. ففي حي الشجاعية شرق مدينة غزة، يعمل النجار نائل زريد بين أنقاض مبانٍ مدمرة، وقد تحولت ورشته الصغيرة إلى ما يشبه مصنعًا للجدران المؤقتة.
قبل الحرب كان زريد يصنع المطابخ وغرف النوم، أما اليوم فعمله مختلف تمامًا. يقول وهو يثبت لوحًا خشبيًا على حافة شقة متصدعة: "صار كل عملنا سواتر وجدران خشب ونايلون، الناس تريد أي شيء يحميها من المطر والبرد".
ورغم بدائية هذه الحلول، فإن كلفتها ليست في متناول كثيرٍ من العائلات، إذ إن تكلفة تجهيز غرفة واحدة بجدران خشبية وطبقات من النايلون تصل إلى نحو 1000 شيكل (320 دولارًا)، أما تكلفة ترميم شقة كاملة فقد تصل إلى 3000 شيكل (960 دولارًا)، تُضاف إليها أجور العمال التي تتراوح بين 400 و1000 شيكل بحسب حجم العمل، وهي أرقام بعيدة عن متناول أغلب النازحين في اقتصاد تجاوزت فيه نسبة البطالة 80%.

وفي مدينة دير البلح وسط القطاع، سلك عبد الناصر الفرنجي (52 عامًا) طريقًا مختلفًا، فبعد أشهر من النزوح، عاد مع أبنائه إلى منزله المتضرر جزئيًا وبدأ بتنظيف الحجارة المتناثرة حوله، ثم رص الحجارة فوق بعضها واستخدم الطين المخلوط بالقش بدلاً من الإسمنت لتثبيتها، وعلى السقف وضع ألواح خشب غطاها بطبقات من النايلون.
يقول الفرنجي: "ليست بيتًا كاملًا، لكنها أفضل من خيمة تتحرك مع كل ريح".
اقتصاد الركام
أما في شمال قطاع غزة، ومع غياب الإسمنت والحديد، بدأ كثير من السكان يعتمدون على الحجارة المستخرجة من الأنقاض مباشرة. هنا، تحديدًا في المنطقة الفاصلة بين مدينة غزة والمنطقة الوسطى، أقام سائد مناصرة ورشته التي تقوم على استخراج الأنقاض وتجهيزها لتكون صالحة لإعادة الاستخدام في أعمال الترميم.

يجلس سائد مع ابنه أحمد أمام كومة من الحجارة والبلاط القديم المستخرج من بيوت هدمها القصف، يعملان بمطرقتين وإزميلين معدنيين على تنظيف كل قطعة من بقايا الإسمنت المتصلب وخدوش النار.
يرفع أحمد قطعة بلاط كاملة لم تتشقق ويقلبها بين يديه قبل أن يضعها في الكومة النظيفة على يساره. يقول: "البلاط الذي تراه هنا كان أرضية صالون أحد الجيران، أخرجناه من تحت الردم ونظّفناه، واليوم سيكون أرضية غرفة لعائلة أخرى".
ما يجمعه سائد ونجله أحمد لا يقتصر على الحجارة، فكل قطعة بلاط سليمة تُعزل بعناية، وكل كتلة خرسانية قابلة لإعادة الاستخدام تُرص في مكانها.
تمر هذه المواد برحلة طويلة قبل أن يُعاد استخدامها، بدءًا من جمعها من بين الأنقاض، ثم فصلها عن الحديد والغبار، ثم تنظيفها يدويًا لتصبح قابلة للاستخدام مجددًا.
"إمكانية اقتصادية تُهدر"
يرى الخبير الاقتصادي أحمد أبو قمر أن المحاولات الفردية لإعادة الإعمار بأدوات بدائية "تعكس إمكانية اقتصادية حقيقية تُهدر"، مشيرًا إلى أن غزة تحتوي على أكثر من 60 مليون طن من الأنقاض "يمكن أن تتحول إلى مورد فعلي في إعادة الإعمار إذا أُعيد تدويرها بطريقة منظمة ومدعومة بالمعدات".
ويوضح أبو قمر في حديث لـ"الترا فلسطين" أن القيود المفروضة على إدخال الآليات الثقيلة تحول هذا الاحتمال إلى طاقة معطّلة، بينما يعوّض سائد وأحمد وأمثالهما غياب المعدات بأيديهم.
تكلفة تجهيز غرفة واحدة بجدران خشبية وطبقات من النايلون تصل إلى نحو 1000 شيكل، أما تكلفة ترميم شقة كاملة فقد تصل إلى 3000 شيكل تُضاف إليها أجور العمال التي تتراوح بين 400 و1000 شيكل
أما وزارة الأشغال العامة والإسكان فتصف عمليات الترميم هذه بأنها "حلٌّ مؤقت للتخفيف من أزمة السكن"، مشيرة إلى أن نحو 60 ألف وحدة سكنية متضررة جزئيًا قابلة للترميم من أصل نحو 350 ألف وحدة تعرضت لدرجات مختلفة من الدمار.
وفي الأحياء المدمرة، لا ينتظر كثيرٌ من السكان إعلانًا رسميًا بشأن إعادة الإعمار، فبين ملايين الأطنان من الركام، تُنظَّف الحجارة وتُقوَّم قضبان الحديد وتُثبَّت ألواح الخشب فوق جدران متصدعة، في محاولات صغيرة لاستعادة معنى البيت.
الكلمات المفتاحية
طوابير البيض في غزة.. غذاء أساسي يتحوّل إلى سلعة نادرة
منذ بداية رمضان، يشهد إدخال البيض إلى غزة تذبذبًا حادًا؛ إذ يسمح الاحتلال بدخول كميات محدودة، ما أدى إلى ارتفاع أسعاره بصورة كبيرة تفوق قدرة معظم الغزيين.
اتساع الإضرابات النقابية.. واتهامات للحكومة بـ"ازدواجية المعايير" في صرف الحقوق المالية
بدأت رقعة الاحتجاجات تتسع في الضفة الغربية، بعدما دخلت نقابات مهنية وقطاعات متعددة في مواجهة مفتوحة مع الحكومة على خلفية أزمة الرواتب.
مصادرة أراضٍ في منطقة "أ" بمدينة جنين.. خطوة غير مسبوقة تُؤسس لوجود عسكري دائم
المنطقة المصادرة هي منطقة مملوكة تقع في موقع استراتيجي مطل بالكامل على مخيم جنين والأحياء الغربية والشمالية للمدينة
طوابير البيض في غزة.. غذاء أساسي يتحوّل إلى سلعة نادرة
منذ بداية رمضان، يشهد إدخال البيض إلى غزة تذبذبًا حادًا؛ إذ يسمح الاحتلال بدخول كميات محدودة، ما أدى إلى ارتفاع أسعاره بصورة كبيرة تفوق قدرة معظم الغزيين.
تقرير إسرائيلي: الجيش يوسع "الخط الأصفر" بموافقة "مجلس السلام"
جيش الاحتلال وسّع ما يصفها بـ"المناطق الأمنية" داخل قطاع غزة بمساحة إضافية تبلغ 34 كيلومترًا مربعًا.
مؤسسات الأسرى: الكنيست يكرّس الإبادة عبر إنشاء محكمة خاصة لمعتقلي 7 أكتوبر
بيان مؤسسات الأسرى: الكنيست بات يشكل أداة مركزية في منظومة الإرهاب الاستعماري الإسرائيلي، من خلال توفير غطاء قانوني داخلي للجرائم المرتكبة بحق الشعب الفلسطيني.
جيش الاحتلال يسرّع إنشاء مصنع طائرات مسيّرة لمواجهة مسيّرات حزب الله
قال جيش الاحتلال إن هذا النوع من المسيّرات "أصبح عنصرًا بارزًا في ساحات القتال الحديثة، كما ظهر خلال الحرب بين روسيا وأوكرانيا".