غزة كأس العالم كله
18 يونيو 2026
Photo by Eyad Baba / AFP via Getty Images
مشهدية مفعمة بالحياة والأمل والإثارة، رسمها أهل غزة الصامدة في وجه الإبادة الجماعية، أثناء متابعتهم وتشجيعهم لمجريات كأس العالم لكرة القدم، تحديدًا مساندتهم وتشجيعهم للمنتخبات العربية المشاركة في هذه البطولة التنافسية الكونية.
وسط الركام والأشلاء والخيام يُعلّق الغزيّون خيبتهم وخذلانهم على وجه هذا العالم المختل والملتبس، ليشرعوا بممارسة شيء من الإنسانية المفقودة، أن يستعيدوا تلك التفاصيل البديهية والعادية التي تكفل الاستمتاع التام بمتابعة مباراة لكرة القدم بين فريقين أو منتخبين لا ينتميان للفضاء الفلسطيني، إذ يشجع الغزيون كل العالم سوى من تآمر عليهم وخذلهم وظل صامتًا أثناء متابعته كأس مرارة الإبادة الجماعية، التي ما زال الغزيون والفلسطينيون عمومًا يتجرعونها يوميًا.
غزة كأس العالم وإكليل عذاباته، ومن الأنقاض والدمار ستشيد أكبر وأوسع ملاعب كرة القدم، فهذا الخراب ليس لحظة مؤبدة ولا قدرًا لا رادّ له
ولا يتفاجأنّ أحد من إقدام واقتراف المستعمِر الصهيوني لجريمة جديدة، يستهدف من خلالها هذه المرة تصفية وتحييد المشاعر الحماسية الإنسانية للفلسطينيين، فهم بحسب عقيدته العنصرية ليسوا من بني الإنسان، بل مجرد كائنات بلا ملامح وهوية، والكائنات لا يحق لها متابعة كأس العالم في أجواء طبيعية، لا يضطر فيها الفلسطيني إلى مراقبة السماء خوفًا من قذيفة سامة لا هدف لمطلقها سوى اقتناص فرحة الغزيين أثناء تشجيعهم لمنتخباتهم الكروية المفضلة.
يحب الغزيون كرة القدم، كما يحبها العالم بأسره، غير أن للغزي رؤيته الخاصة في متابعة البطولة، ولا أقصد هنا بطولته هو الصامد والمقاوم في أرضه، بل أقصد تلك المتابعة النابعة من الحاجة إلى الانفصال المؤقت عن شؤون البقاء والإبادة الجماعية الشاملة، والبحث عن حيّز متخيّل، عن ركن به ميادين رحبة ومقاهٍ جميلة، وشوارع تتسع لخروج الحشود العفوية التي اجتمعت لتحتفل بانتصار هذا المنتخب أو ذاك، منتخب لا يُزيّن العلم الفلسطيني قميصه، غير أن الغزيين يحبون تشجيع منتخب مصر في كأس العالم، كما لو أنه منتخبهم الوطني، ويشجعون منتخبات المغرب وتونس والجزائر والعراق والأردن والسعودية وقطر، وإذا لم يحالف الانتصار هذه المنتخبات العربية فإنهم سيقومون بتشجيع منتخبات إسبانيا والبرازيل والبوسنة والبرتغال وجنوب إفريقيا، وكل المنتخبات التي دعمت شعوبها وتضامنت مع غزة في ذروة الإبادة، وبطبيعة الحال لن يشجعوا المنتخبات التي دعمت حكوماتها وساندت نظام الأبارتهايد الكولونيالي الصهيوني في إبادة الغزيين.
ليغدو كأس العالم في هذه الحالة منصة يُطلّ منها الفلسطيني ليصرخ معلنًا عن إنسانيته القاضية بأنه رغم الخذلان والخيبة والصمت الذي تعرض له أثناء عملية إزاحته عن متن الحياة، لن يثنيه عن مطالبته الأخلاقية بمحاسبة كل الذين تآمروا عليه وساهموا في كل هذا الكم الهائل من الدمار والدماء.
بلى. لغزة كأس، وكأس العالم كله هي غزة، هي القربان، وهي الفداء، وهي الخلاص أيضًا. غزة هي صرخة الإنسانية الأخيرة التي تختلف في جرحها عن صرخات وصيحات وهتافات التشجيع في كرة القدم، إذ كيف يتقن العالم ممارسة شؤونه الكروية كأنّ إبادة بحق شعب بأسره لم تقع؟ كيف يقوى الإنسان على احتراف التغافل والتناسي في هذا الزمن المكثف الومضة؟
كلا. فغزة لا تسعى إلى إفساد متعة العالم وكأسه، كما أنها لا تصر على تنغيص الفرحة الكونية بويلاتها ومآسيها، بل تسعى نحو تذكير العالم عبر تشجيعها لكأسه الكروية بأن دوافع وأهداف الإبادة الصهيونية لم تنتهِ بعد، وكما تجرعت هي حنظل الموت والوحشية، فربما سيتجرعه مسحوقون ومستضعفون آخرون على هذه الأرض.
من سيلعب اليوم؟ ما هي أهم المباريات وما هو توقيتها؟ في الصباح أم الظهيرة أم المساء؟
وحدها الإبادة لا وقت لها، فهي الموت الذي يستحوذ على الوقت لكي يبتلعه، ومن ثم يأتي السكون الأخير، والإبادة لم تزل تبتلع غزة، ولكن هذه الأبية تأبى السكون رغم سكون الكون، وتحاربه بصرخة، بهتاف البقاء على قيد الإنسانية رغم التباسات الإنسانية، وتشجع من تشاء في البطولة العالمية، والتشجيع بهذا المستوى هو فعل مقاومة وأمل وحياة وصمود.
إن غزة كأس العالم وإكليل عذاباته، ومن الأنقاض والدمار ستشيد أكبر وأوسع ملاعب كرة القدم، فهذا الخراب ليس لحظة مؤبدة ولا قدرًا لا رادّ له، إذ هو الخراب الذي سينبثق منه الازدهار والتقدم، وهذا النفق المظلم الذي يعمه به الفلسطينيون الآن باتت نهايته تقترب، تقترب مع كل صرخة فرح تصدح في غزة، وتشي بيوم سيأتي ومعه كأس العالم الذي لن يشجع فيه الغزيّون والفلسطينيون سوى منتخبهم الوطني، لا لشيء، فقط لأنهم يستحقون ذلك كبقية شعوب العالم.
اقرأ/ي: إرادة تركض على عكازين.. ولادة فريق للفتيات لكرة القدم للبتر في غزة
الكلمات المفتاحية
هل يعيش النظام الصهيوني سنواته الأخيرة؟
الأزمة الداخلية الصهيونية يتوجب قراءتها بعمق، بعيدًا عن الصور النمطية المعبأة باليأس والإحباط نتيجة إمعان النظام الصهيوني في كيّ وعي الجماعات المقاومة والمناوئة له
في غزة.. حتى الموتى ينتظرون دورهم
في غزة، فقد يسقط البيت فوق من فيه، ويعرف الناجون أن أهلهم تحته، لكنهم لا يملكون طريقًا إليهم. لا معدات كافية، ولا وقت آمن للحفر
نحو صياغة عهد تربوي جديد
إن فكرة المعهد الوطني التربوي، ضرورة وطنية ملحّة، فما نراه من ارتجالية في رسم السياسات التعليمية، ينذر بذهابنا في التعليم إلى هناك.
ضغوط أميركية لوقف النار ونزع سلاح حماس... وأوغندا تنضم للقوة الدولية
هيئة البث الإسرائيلية: إسرائيل لم توقع بعد على الاتفاق الذي يتيح إدخال قوة الاستقرار الدولية إلى قطاع غزة
تحقيق: شهادات عن تعذيب واعتداء جنسي بحق نشطاء أسطول الصمود
كشف التحقيق عن نمط منهجي من سوء المعاملة والانتهاكات الجسدية، وحالة اعتداء جنسي موثقة، تعرض لها نشطاء "أسطول الصمود العالمي" خلال احتجازهم لدى القوات الإسرائيلية في أيار الماضي
مقاومة الجدار: 59 أمرًا بإزالة الطبقة الشجرية من أراضي المواطنين منذ مطلع العام
أصدر الاحتلال ثمانية أوامر عسكرية، نصّت على إزالة النباتات البرية واقتلاع أشجار الزيتون من الأراضي المحددة في الخرائط المرفقة بالأوامر، واستهدفت مساحة إجمالية بلغت 316,636 دونمًا
غضب في الكابنيت من نتنياهو.. رئيس الشاباك: موافقة حماس على خريطة الطريق "7 أكتوبر سياسي"
كشفت إذاعة الجيش الإسرائيلي أن اجتماع "الكابينت"، خصص جزءًا واسعًا من مداولاته لبحث تطورات الأوضاع في قطاع غزة ومسار المفاوضات مع حركة حماس بشأن الاتفاق