13-أكتوبر-2018

جثمان الشهيد فروانة في صندوق خشبي - عدسة محمود الهمص

يختلف المشهد هنا. صندوقٌ خشبيٌ لا يجب أن تخترقه أيادي المودعين، جثمانُ شهيدٍ لا يمكن أن يُرى لأن قلب الأم سيُخلع من مكانه لمنظر وجهِ ابنها الذي غيّب القصف ملامحه كما مزق جسده.

كانت ليلى يومها تعد الطعام، لأن ساعة واحدة فقط قد تبقت لعودة شريك حياتها عبادة فروانة من عمله، تتمتم: "ربما يتأخر إذا ذهب إلى الحدود كما اعتاد كل يوم"، قبل أن يقطع حبل التوقعات في ذهنها صوتُ بكاءِ طفلتها سامية ذات الربيعين، وهي التي تعلقت بأبيها حد النحيب إذا تأخر، فقالت لها مهدهدة: "عدو بابا اجى وجاب لك معه حاجات كتير".

هدأت سامية وتوقف بكاؤها. "لكن عبادة تأخر عن المعتاد" تتمتم ليلى في نفسها وقد بدأ قلبها يضيق. ذاك الضيق الذي بات يقلقها كثيرًا لا سيما منذ انطلاق مسيرات العودة، غير أن ذاك اليوم يُوافق ذكرى استشهاد أخيها الأكبر إياد.

"يما اصبري واحتسبي.. عبادة جسمه أشلاء حيجيبوه في صندوق خشبي"

دقة الباب كانت مختلفة أيضًا. يصرخ من خلف الباب أحدهم فيقول: "عبادة استشهد... عبادة استشهد... عبادة راح".

تفاصيل المشهد أعادت ليلى الحية (26 عامًا) إلى ما قبل عشرة أعوام، نفس اللحظة التي رحل فيها إياد ونفس الساعة أيضًا، لكن ما كان صعبًا عليها أكثر حين سمعت أحدهم يهمس لأمه قائلًا: "يما اصبري واحتسبي.. عبادة جسمه أشلاء حيجيبوه في صندوق خشبي".

[[{"fid":"74988","view_mode":"default","fields":{"format":"default","field_file_image_alt_text[und][0][value]":false,"field_file_image_title_text[und][0][value]":false},"type":"media","field_deltas":{"1":{"format":"default","field_file_image_alt_text[und][0][value]":false,"field_file_image_title_text[und][0][value]":false}},"link_text":null,"attributes":{"height":375,"width":594,"class":"media-element file-default","data-delta":"1"}}]]

جثمان الشهيد فروانة في صندوق خشبي - عدسة محمود همص

تفجّر البركان في قلب ليلى؛ وهي التي لطالما ظنت أن نيرانه قد أخمدتها الأيام، فكلمة "صندوق خشبي" كانت أقسى عليها من رحيل "عبادة" نفسه. وكأن الشريط يتكرر ثانية، ورصاصات الحزن تخترق صدرها مرة أخرى. فلم يكن شقيقها "إياد" هو من الوحيد الذي انفرط عقد أحبابها بفقده، بل والدها أيضًا رحل شهيدًا ممزق الجسد وودعته ليلى أيضًا بصندوق خشبي.

"يااااااه هل سيصاب قلبي في مقتل مرة أخرى؟ هل سيعاد مشهد الوداع ثانية؟ كيف لسامية أن أقنعها أن من بداخل الصندوق حبيب قلبها التي انتظرته طويلًا؟ وستظل تنتظر". دوامة الأسئلة تلك اشتعلت في قلب ليلى ولم تنطفئ.

إحدى عشرة سنة مر على وداع والدها الذي استشهد إثر غارة شنتها طائرات الاحتلال تفتَّتَ على إثرها جسده. إحدى عشرة سنة ويعود الجرح إلى ليلى بقهر أكبر، و"في أعز من أملك على هذه الأرض" كما تقول لـ الترا فلسطين.

"أبعدتُّ طفلتي سامية عن الصندوق"، فلا تريد ليلى أن تتجرع طفلتها من كأس الوجع التي ذاقته منذ أن كانت ابنة 15 سنة. تحكي: "لو كل لحظات عمري نسيتها فلا يمكن أن أنسى حين قالوا لي داخل الصندوق أبوكِ. قبلي الصندوق من أي جهة فهو أشلاء لا ملامح له".

وهكذا رحل عبادة دون أن تطبع ليلى على جبينه قبلة وداع، ودون عناقٍ أخير. وكم من أم شهيد قالت لمشيعي طفلها في غزة باكية: "وين يما وجهه بأي جهة عشان أبوس الصندوق وتوصله؟"!.

"سامحني مش قادر أجيبلكم أكل"

هنا في غزة، السجن الأسوأ في العالم، يقف أبٌ بوجهٍ شاحبٍ أمام ثلاجات الموتى، بوجه أبرد من وجه طفله الذي بداخلها، يستجدي منه المسامحة، فيتساءل الجميع هناك فيقول أحدهم في نفسه: "يبدو أنه ضربه قبل خروجه من المنزل"، ويقول آخر: "لا بد أنه قد أغضب طفله قبل رحيله"، ليأتيهم الجواب بصرخة أخرى: "سامحني يابا الي كم من شهر مش قادر أجيبلكم أكل".

في غزة، يبكي الأب قهرًا أن طفله نام نومته الأبدية دون طعام

أمام ثلاجات الموتى، تجد قهر الرجال يتجلى واضحًا حين يقفون أمام أولادهم معتذرين لهم عن الفقر وضيق العيش والأحلام المؤجلة التي انتهت برصاصة.

محمد أيوب طفل المخيم الشقي ذو العشر سنوات، كان أقصى ما تمناه "جهاز التابليت" كي يتباهي به أمام أبناء جيرانه، تأخر حلمه كثيرًا لسبب واحد فقط، هو قطع راتب والده.

محمد الذي رحل دون أن يجلب له أبوه ما يحب، دون طعام يشتهيه، لا ذنب لوالده هنا غير أنه ابن مدينة الحصار الموجع غزة.

[[{"fid":"74989","view_mode":"default","fields":{"format":"default","field_file_image_alt_text[und][0][value]":false,"field_file_image_title_text[und][0][value]":false},"type":"media","field_deltas":{"2":{"format":"default","field_file_image_alt_text[und][0][value]":false,"field_file_image_title_text[und][0][value]":false}},"link_text":null,"attributes":{"height":396,"width":594,"class":"media-element file-default","data-delta":"2"}}]]

والدة الشهيد أيوب مع أغراضه في المنزل - عدسة وسام نصار

لا يتاح هنا لجميع أهالي الشهداء أن يخففوا من وطأة رحيل فلذاتهم، أو أن يخلقوا أعذارًا ليتقبلوا الأمر بشكل أسرع، ليغشاهم الصبر على عجل، كأن يقول أحدهم: "على الأقل أخذته النزهة التي يتمناها .. عاش حياة سعيدة .. حققت له أحلامه"، لا أن يبكي الأب قهرًا أن طفله نام نومته الأبدية دون طعام.

وداع عبر "فيسبوك"

وأخيرًا، سُمِحَ لها بالسفر، وهي التي كانت تخشى أن تفيض روحها على عتبات المعبر منتظرة تحويلة العلاج، كانت تخاف أن تستمر "أم الدنيا" في قسوتها عليها فلا تسمح لها بالعلاج لأنها "غزية".

أربعة أيام فقط على بدء العلاج هناك في مصر، قبل أن تتلقى اتصالًا من أبنائها في غزة: "يما صرتي إم شهيدين.. يما عبد الكريم استشهد". هذا الخبر الذي فتح جرحًا آخر في روحها لن يندمل أبدًا.

والدة الشهيد عبد الكريم رضوان ودّعته من خلال "فيسبوك"

والدة الشهيد عبد الكريم رضوان الذي ارتقى بغارة إسرائيلية على رفح في تموز/يوليو 2018، لم تُشفَ بعد من رحيل ابنها أحمد عام 2002 في أحد الاجتياحات الإسرائيلية للمدينة نفسها. كان أحمد يومها من بين أربعة شهداء لم يتم التعرف على هوياتهم بسهولة، كون الصاروخ قد حولهم إلى أشلاء فلم تتمكن يومها من وداعه ولا عناقه.

[[{"fid":"74990","view_mode":"default","fields":{"format":"default","field_file_image_alt_text[und][0][value]":false,"field_file_image_title_text[und][0][value]":false},"type":"media","field_deltas":{"3":{"format":"default","field_file_image_alt_text[und][0][value]":false,"field_file_image_title_text[und][0][value]":false}},"link_text":null,"attributes":{"height":393,"width":594,"class":"media-element file-default","data-delta":"3"}}]]

جثمان الشهيد عبد الكريم رضوان - عدسة سعيد الخطيب

تكرر الوجع بصورة أخرى، فلم تستطع إلقاء نظرة وداع أيضًا على عبد الكريم.. إلا عبر كاميرا موقع التواصل "فيسبوك" لتكون الصورة الأوجع، التي وضعت فوق "القهر قهرين" كما تقول لـ الترا فلسطين.

جرس المدرسة

لم يكن جرس المدرسة كالمعتاد ليخرج الطلاب من فصولهم، بل كان صوت "لا إله الا الله والشهيد بلال حبيب الله" هو المنبه لهم أن صديقهم بلال أتى، وأن كل شيء انتهى. لم يفكروا أبدًا ما إذا كان مديرهم سيأذن لهم بالخروج أم لا، اخترقوا قوانين المدرسة، نسوا للحظة صرامة أستاذهم، فـ"بلال" سَيَجُوُلُ المدرسة للمرة الأخيرة.

ستبقى أجساد الطلبة في المدرسة تقشعر كلما وطأت أقدامهم مكانًا قد مشوا بجثمان بلال فيه

خرج أصدقاء الشهيد الطفل بلال خفاجة وحملوه ليطوفوا به أروقة المدرسة جميعها. هذا يقول: "بلال كان يحب أن يلعب هنا.. سنمشي به إلى ملعب الكرة، سنلف به الطابق الثالث حيث ذكرياتنا معه". أما بعضهم فلم يقل شيئًا. كان يتبع أصدقاءه ويبكي بصمت بينما بلال محمولٌ على أكتافهم.

ستبقى أجساد الطلبة في المدرسة تقشعر كلما وطأت أقدامهم مكانًا قد مشوا بجثمان بلال فيه، تمامًا كما قالت امرأة من القدس ذات يوم: "كلما خرجت من باب العامود أصابتني قشعريرة لأن كثيرًا من أطفال القدس استشهدوا هنا".

[[{"fid":"74991","view_mode":"default","fields":{"format":"default","field_file_image_alt_text[und][0][value]":false,"field_file_image_title_text[und][0][value]":false},"type":"media","field_deltas":{"4":{"format":"default","field_file_image_alt_text[und][0][value]":false,"field_file_image_title_text[und][0][value]":false}},"link_text":null,"attributes":{"height":396,"width":594,"class":"media-element file-default","data-delta":"4"}}]]

جثمان الشهيد بلال خفاجة - عدسة سعيد الخطيب


اقرأ/ي أيضًا:

حكاية محمد النجار.. حتى لا يبرد في ثلاجة الموتى

ماذا قال فنان البحر لصديقه قبل أن يستشهد؟

هكذا جهز الطفل شادي شارع الفاخورة لعرسه