ultracheck
راصد

غوفمان رئيسًا لجهاز الموساد: يخدم "إسرائيل" أم نتنياهو؟

13 أبريل 2026
غوفمان رئيسًا لجهاز الموساد: يخدم نتنياهو أم "إسرائيل"؟
(رويترز)
أنس أبو عرقوب
أنس أبو عرقوب صحفي مختص بالشأن الإسرائيلي

في خطوة لا يمكن وصفها إلا بالهروب إلى الأمام، صادق رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو على تعيين العميد احتياط رومان غوفمان رئيسًا لجهاز الموساد خلفًا لدافيد برنياع. هذا التعيين، الذي يبدأ سريانه في الثاني من حزيران/ يونيو المقبل، لا يمثل مجرد تبديل في المناصب القيادية، بل هو زلزال سياسي و"أخلاقي" يضرب بنية المؤسسة الأمنية الإسرائيلية في مقتل. 

إصرار رئيس الحكومة على غوفمان، يشير إلى تحول خطير في عقيدة الجهاز، حيث لا يبحث نتنياهو عن "جاسوس محترف"، بل عن "منفذ مخلص" يتبنى رؤيته السياسية ويطبقها بيد من حديد

فخلف صورة لضابط المدرعات الذي أُصيب في السابع من أكتوبر، "تختبئ واحدة من أكثر القصص قتامة في تاريخ الاستخبارات الإسرائيلية، قصة القاصر أوري ألمكاييس" الذي تم تجنيده سرًا، ثم التضحية به وتركه يواجه آلة التعذيب في أقبية الشاباك وحيدًا.  

والفلسفة الغوفمانية ترى في "تجاوز الصلاحيات" عقيدة، للمساعدة على فهم كيف وصل غوفمان إلى سدة قيادة الجهاز الأكثر سرية في إسرائيل وربما في العالم. 

وفي مقالته "مسرح القيادة"، يستحضر غوفمان أفكار الفيلسوف السلوفيني سلافوي جيجك ليبرر مفهوم "العمل خارج حدود الصلاحيات". بالنسبة لغوفمان، القائد الناجح هو من يحقق رغبات صناع القرار حتى لو لم تُصغ في أوامر رسمية، وهو ما يفسر تحوله إلى "الرجل المفضل" لدى عائلة نتنياهو.

لكن هذا النهج "الهجومي" الذي يفضله نتنياهو لكسر "محافظة" قادة الأجهزة التقليديين، هو نفسه الذي أدى إلى كارثة "أخلاقية وقانونية" حين قرر غوفمان، أثناء قيادته لفرقة "باشان" (جنوب سوريا) (الفرقة 210)، أن ينشئ جهاز استخبارات خاصًا به، بعيدًا عن رقابة شعبة الاستخبارات العسكرية (أمان).

وتبدأ فصول استغلال قاصر مع أوري ألمكاييس، الفتى الذي لم يتجاوز السابعة عشرة من العمر، والذي امتلك موهبة فذة في اللغة العربية وإدارة الفضاء الرقمي. فبدلًا من حمايته، قام ضباط غوفمان بتجنيده بشكل غير قانوني لإدارة "عمليات تأثير" وتضليل إعلامي ومعلوماتي ضد حزب الله وإيران والجهاديين. لم يكتفِ غوفمان بذلك، بل دفع الفتى لتشغيل عملاء في دول "معادية"، واضعًا حياته على المحك دون أي غطاء قانوني أو حماية أمنية.

وحين رصد "الشاباك" تسريبات أمنية ناتجة عن هذه العمليات الفوضوية، أُلقي القبض على ألمكاييس في أيار/ مايو 2022. وهنا تجلت الخيانة في أبشع صورها؛ فقد أنكر غوفمان وضباطه أي صلة بالفتى، تاركين إياه يواجه 44 يومًا من التحقيق القاسي والتعذيب الجسدي والنفسي في زنازين الشاباك. واجه الفتى لائحة اتهام بـ "تجسس خطير" قد تودي به إلى السجن 15 عامًا، بينما كان "مشغله" الحقيقي يواصل صعوده في الرتب العسكرية، مخفيًا الحقيقة عن الادعاء العام وعن رؤسائه.

ولم تظهر الحقيقة إلا بعد عام ونصف، حين استخرج المحامون مراسلات هاتفية تثبت تورط غوفمان المباشر، ما أدى إلى تبرئة الفتى وانفجار الفضيحة التي وُصفت بأنها "تستر وكذب ممنهج" من ضابط رفيع المستوى. 

ويأتي تعيين غوفمان ليكسر النمط الكلاسيكي لرؤساء الموساد، وهو ما يجعل من الضروري إدراك حجم المخاطرة عبر مقارنة تحليلية بين "النموذج الغوفماني" والمرشح "الداخلي" التقليدي. 

وفي ما يتعلق بالخبرة والمنشأ المؤسسي، ينتمي المرشح التقليدي من داخل جهاز الموساد إلى عالم الظلال والعمل السري، حيث يتنفس العمليات الاستخباراتية ويطوّر شبكة علاقات دولية راسخة مع أجهزة استخبارات حليفة. ويعتمد هذا النموذج على الدقة العالية والالتزام بالشرعية الإجرائية. في المقابل، يأتي رومان غوفمان من خلفية عسكرية في سلاح المدرعات، ما يمنحه عقلية الصدمة والترويع، بوصفه ضابطًا ميدانيًا بامتياز، لكنه يفتقر في المقابل إلى الخبرة الاستخباراتية العميقة وإلى لغة العمل السري والدبلوماسي التي تميز أجهزة الاستخبارات التقليدية.

أما على مستوى أسلوب القيادة واتخاذ القرار، فإن المرشح التقليدي يميل إلى الحذر المركب، ويوازن المخاطر بميزان دقيق، مع حرص واضح على استمرارية المؤسسة وتقاليدها "المهنية". بينما يتبنى رومان غوفمان نهجًا هجوميًا مباشرًا، إذ يُنظر إليه من قبل نتنياهو بوصفه "المبادر" القادر على تغيير قواعد اللعبة في مواجهة إيران، في حين يراه منتقدون مثل دادي برنياع "مغامرًا" قد يجر الدولة إلى أزمات غير محسوبة نتيجة استهتاره بالضوابط المؤسسية.

وبعدما ارتبط اسم غوفمان بتجنيد القاصر أوري ألمكاييس ثم التستر على عملية تشغيله، جعله هذا السلوك، مرشحًا "مطعونًا في صدقيته" أمام مرؤوسيه المستقبليين.

وعند المقارنة المباشرة بين النموذجين، يتضح أن رومان غوفمان يمتلك خبرة استخبارية محدودة وذات طابع عملياتي خشن، مقابل خبرة عالية جدًا وتخصصية لدى المرشح القادم من داخل الجهاز. كما أن الانضباط القانوني لدى غوفمان يوصف بأنه مشكوك فيه بسبب سوابق تتعلق بتجاوزات، في حين يتميز المرشح التقليدي "بارتفاع مستوى الالتزام المؤسسي بالقانون". 

وبخصوص العلاقة مع القيادة السياسية، فيُنظر إلى غوفمان بوصفه قريبًا جدًا من دوائر القرار السياسي ويعتمد على الولاء الشخصي، "مقابل الطابع المهني القائم على الاستقلال الاستخباري في النموذج التقليدي". وأخيرًا، يتمتع غوفمان بقدرة عالية على التغيير نتيجة نهجه الكاسر للقواعد، بينما يتسم المرشح التقليدي بنهج تطويري تدريجي أكثر تحفظًا واستقرارًا. 

إن إصرار نتنياهو على غوفمان، رغم تحفظات اللجنة الاستشارية للتعيينات العليا، يشير إلى تحول خطير في عقيدة الجهاز. نتنياهو لا يبحث عن "جاسوس محترف"، بل عن "منفذ مخلص" يتبنى رؤيته السياسية ويطبقها بيد من حديد دون الاكتراث بالخطوط الحمراء "القانونية أو الأخلاقية".

وتعيين غوفمان هو رسالة إلى الداخل الإسرائيلي بأن "الولاء الشخصي" مقدم على "النزاهة المهنية"، ورسالة للخارج بأن الموساد القادم سيكون أكثر شراسة وأقل انضباطًا.

والسؤال الذي يطرحه الشارع الإسرائيلي والمنظومة الأمنية الآن ليس عن قدرته على ضرب إيران، بل عمن سيكون "أوري ألمكاييس" القادم الذي سيتم التضحية به على مذبح "الطموح الغوفماني"؟

ولا يمكن قراءة صعود غوفمان دون الغوص في جذوره التي شكلت شخصيته الصدامية. حيث وُلد عام 1976 في مدينة مازير ببيلاروسيا، ولم يكتشف يهوديته إلا في سن الثالثة عشرة، ليعقب ذلك هجرته إلى إسرائيل في سن الرابعة عشرة واستقراره في مدينة أسدود. هذه البداية "كغريب" و"مهاجر جديد"، وتعرضه للتنمر في مراهقته، دفعته لتعلم الملاكمة حتى صار وصيفًا لبطل إسرائيل.

ومن الناحية الأكاديمية، صقل غوفمان أدواته القيادية عبر مسار تعليمي مكثف؛ فهو يحمل درجة البكالوريوس في العلوم السياسية من الكلية الأكاديمية في عسقلان، ودرجة الماجستير في العلوم السياسية والأمن القومي من جامعة حيفا. كما يُحسب له انخراطه في برنامج دراسي بمعهد "بني ديفيد" في مستوطنة "عاليه"، وهو المعقل الفكري الذي يربط بين "الصهيونية الدينية" والقيادة العسكرية، ما منحه أبعادًا أيديولوجية تضاف إلى خبرته الميدانية.

وتدرج غوفمان في سلاح المدرعات من قائد فصيلة إلى قائد للواء 7، وصولًا إلى رتبة لواء وسكرتير عسكري لرئيس الحكومة. ورغم إصابته الخطيرة في الركبة في 7 أكتوبر، إلا أن تعافيه السريع وعودته للمشهد كأحد المقربين من دائرة صنع القرار، وتحديدًا عائلة نتنياهو، مهدت له الطريق لانتزاع منصب رئيس الموساد، متجاوزًا بذلك جنرالات قضوا حياتهم في أروقة الجهاز السري، ليصبح أول رئيس للموساد يأتي بخلفية "مدرعة"، محملة بإرث ثقيل من النجاحات العملياتية والإخفاقات الأخلاقية.

الكلمات المفتاحية

غضب وانتقادات لنتنياهو وزامير داخل الكابينت بشأن غزة ولبنان

غضب وانتقادات لنتنياهو وزامير داخل الكابينت بشأن غزة ولبنان

وجّه الوزراء انتقادات إلى رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو، وإلى رئيس هيئة الأركان إيال زامير خلال جلسة الكابينت الخميس الماضي


تحقيق: إسرائيل تداولت في مستويات رسمية كذبة اختلقها حساب هندي

تحقيق: إسرائيل تداولت في مستويات رسمية كذبة اختلقها حساب هندي

بدأ التصريح الكاذب من حساب هندي قومي ثم عاد إلى الهند نفسها باعتباره خبرًا أكده الإعلام الإسرائيلي


تحقيق: شهادات عن تعذيب واعتداء جنسي بحق نشطاء أسطول الصمود

تحقيق: شهادات عن تعذيب واعتداء جنسي بحق نشطاء أسطول الصمود

كشف التحقيق عن نمط منهجي من سوء المعاملة والانتهاكات الجسدية، وحالة اعتداء جنسي موثقة، تعرض لها نشطاء "أسطول الصمود العالمي" خلال احتجازهم لدى القوات الإسرائيلية في أيار الماضي


رئيس الموساد يقيل مسؤولين في الجهاز بسبب الفشل في إيران

رئيس الموساد يقيل مسؤولين في الجهاز بسبب الفشل في إيران

غوفمان حمّل المسؤولين ثمن إخفاق هذه الخطة، رغم أن مصادر أمنية أكدت أن "مساهمتهما في أمن إسرائيل كانت كبيرة للغاية"

غضب وانتقادات لنتنياهو وزامير داخل الكابينت بشأن غزة ولبنان
راصد

غضب وانتقادات لنتنياهو وزامير داخل الكابينت بشأن غزة ولبنان

وجّه الوزراء انتقادات إلى رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو، وإلى رئيس هيئة الأركان إيال زامير خلال جلسة الكابينت الخميس الماضي

كان: كوبر يصل إسرائيل لبحث التصعيد الإقليمي وقطاع غزة
أخبار

كان: كوبر يصل إسرائيل لبحث التصعيد الإقليمي وقطاع غزة

سيجري كوبر مباحثات بشأن قطاع غزة، في ظل الضغوط التي تمارسها الإدارة الأميركية على إسرائيل خلال الأسابيع الأخيرة للانتقال إلى المرحلة التالية


الدفاع المدني: انتشال جثامين 19 شهيدًا من أنقاض عمارة “كرم” بغزة
أخبار

الدفاع المدني: انتشال جثامين 19 شهيدًا من أنقاض عمارة “كرم” بغزة

أفاد الدفاع المدني في قطاع غزة يوم السبت، بانتشال جثامين 19 شهيدًا من أنقاض عمارة "كرم" في غزة، فيما تتواصل جهود الانتشال في موقع آخر

أمومة بلا ذراعين.. نبال الهسي تحاول استعادة حياتها بعد بتر ذراعيها في غزة
تقارير

أمومة بلا ذراعين.. نبال الهسي تحاول استعادة حياتها بعد بتر ذراعيها في غزة

"أتدري كم هو صعب ومؤلم أن أكون أمًا بلا ذراعين، تناديني طفلتي «ماما» وأنا عاجزة عن احتضانها وحملها، أو حتى إطعامها وتغيير ملابسها ومسح دموعها؟"

الأكثر قراءة

1
تقارير

خاص | مسودة قرار تعدّل تشكيل المجلس الوطني: 67 عضوًا من الداخل بـ"التوافق والتشاور" ومقعد للرئيس


2
تقارير

من أبو حسنة إلى أبو راشد.. تهم "الإرهاب" تلاحق نشطاء إغاثة غزة في الخارج


3
راصد

قراءة في التقرير السنوي لمعهد الأمن القومي الإسرائيلي: تآكل النواة الصلبة واستنزاف الجدار الحديدي


4
تقارير

خاص الترا فلسطين | بنود اتفاق غزة: السلاح وحقوق الموظفين والمساعدات


5
تقارير

منير البرش لـ"الترا فلسطين": 53% من أدوية غزة رصيدها صفر والقطاع يواجه انهيارًا صحيًا