ultracheck
قول

فتح بين العرفاتية والعباسية [7]

6 يونيو 2026
فتح بين العرفاتية والعباسية [7]
على امتداد أكثر من عشرين عامًا بعد وفاة ياسر عرفات، نجح محمود عباس تدريجيًا في إعادة تشكيل فتح ومنظمة التحرير والسلطة الفلسطينية بما ينسجم مع رؤيته الخاصة
نبهان خريشة
نبهان خريشة صحفي وكاتب فلسطيني

مع بلوغ محمود عباس عامه التسعين، لم تعد المسألة داخل حركة فتح مجرد صراع أجنحة أو تنافس على المواقع التنظيمية، بل أصبحت معركة على هوية الحركة نفسها: هل تبقى فتح امتدادًا للإرث العرفاتي الذي جمع بين الثورة والتعددية الداخلية والكاريزما الوطنية، أم تتحول نهائيًا إلى بنية سياسية وإدارية تدور حول "العباسية" بوصفها نهجا كاملا في الحكم والتنظيم وإدارة السلطة؟ وقد بدا المؤتمر الثامن لحركة فتح، الذي عُقد أيام 14 و15 و16 أيار/مايو 2026، لحظة تتويج لهذا التحول الطويل، وربما الإعلان غير الرسمي عن نهاية آخر ما تبقى من "العرفاتية" داخل الحركة، لا على مستوى الأشخاص فقط، بل على مستوى الثقافة السياسية والتنظيمية أيضًا.

فعلى امتداد أكثر من عشرين عامًا بعد وفاة ياسر عرفات، نجح محمود عباس تدريجيًا في إعادة تشكيل فتح ومنظمة التحرير والسلطة الفلسطينية بما ينسجم مع رؤيته الخاصة. صحيح أن صور عرفات بقيت معلقة في المقرات الحكومية وقاعات المؤتمرات، وأن ذكرى وفاته ظلت تُحيى رسميًا كل عام، لكن "العرفاتية" تحولت مع الوقت إلى رمز احتفالي أكثر منها نهجًا سياسيًا حقيقيًا. فالحركة التي بناها عرفات بوصفها إطارًا واسعًا يحتمل التناقضات والأجنحة المختلفة، أصبحت في عهد عباس أكثر مركزية وانضباطًا وأقل تسامحًا مع التعدد الداخلي.

جاء المؤتمر الثامن ليكرس هذا التحول بصورة نهائية تقريبًا. فهو لم يكن مجرد مؤتمر تنظيمي عادي، بل إعلانًا بأن فتح دخلت مرحلة ما بعد العرفاتية فعليًا، حتى وإن استمرت في استخدام رموزها وشعاراتها التاريخية

لقد كان عرفات يدير فتح بمنطق "القائد الجامع"، الذي يسمح بوجود خصوم داخليين ما داموا يتحركون تحت سقفه النهائي. أما عباس فقد اتجه، خاصة بعد الانقسام الفلسطيني وسيطرة حماس على غزة عام 2007، إلى بناء نموذج مختلف قائم على الضبط التنظيمي والأمني وتقليص مراكز القوى المستقلة. وخلال السنوات اللاحقة جرى تهميش أو إقصاء عدد كبير من الشخصيات التي ارتبطت بالعهد العرفاتي أو احتفظت بهوامش استقلالية داخل الحركة.

بعض هذه الشخصيات خرج بهدوء من المشهد، وبعضها دخل في صدام مباشر مع عباس. وكان محمد دحلان المثال الأبرز على ذلك بعد فصله من الحركة عام 2011 ومغادرته إلى الخارج، فيما جرى لاحقًا إبعاد أو تجميد شخصيات أخرى مثل ناصر القدوة الذي فُصل من الحركة عام 2021 بعد محاولته تشكيل قائمة مستقلة قبل الانتخابات التشريعية التي أُلغيت لاحقًا، قبل أن يُعاد إلى الحركة عام 2025 ضمن ترتيبات سياسية وتنظيمية جديدة . 

لكن التحول الأهم لم يكن فقط في إقصاء الأفراد، بل في تغيير طبيعة النخبة القيادية نفسها. ففي عهد عرفات كانت الشرعية الثورية والتاريخ النضالي عنصرين أساسيين في الصعود داخل فتح ومنظمة التحرير. أما في عهد عباس فقد صعدت تدريجيًا شخصيات تكنوقراطية وإدارية وأمنية تدين بولائها المباشر للرئيس أكثر مما تستند إلى تاريخ طويل في الحركة الوطنية الفلسطينية. وبدا أن معيار "الانسجام مع النهج" أصبح أهم من الرصيد النضالي التقليدي.

وفي هذا السياق جاء المؤتمر الثامن لفتح بوصفه محطة مفصلية. فالمؤتمر لم يكن مجرد استحقاق تنظيمي مؤجل، بل بدا أقرب إلى عملية إعادة تأسيس داخلية للحركة. وقد انعقد المؤتمر بعد سنوات طويلة من التأجيل، وفي ظل غياب شخصيات تاريخية كثيرة إما بسبب الوفاة أو الإقصاء أو التهميش أو الانشقاق. كما جرى التحضير له عبر لجنة تحضيرية خضعت مباشرة لإشراف عباس والدائرة المقربة منه.

ورغم أن الخطاب الرسمي للحركة قدم المؤتمر باعتباره خطوة لتعزيز الوحدة الداخلية وتجديد الشرعيات التنظيمية، فإن كثيرًا من المراقبين والكوادر الفتحاوية رأوا فيه عملية هندسة سياسية محكمة لضمان إنتاج قيادة منسجمة بالكامل مع إرادة عباس وخياراته. فقد تم التحكم في العضوية وآليات التمثيل بصورة دقيقة، سواء من خلال اختيار المشاركين أو عبر ترتيبات التصويت والتحالفات الداخلية.

وبحسب المعطيات التي رافقت المؤتمر، فقد شارك نحو 2580 عضوًا توزعوا بين رام الله وغزة والقاهرة وبيروت، مع استخدام وسائل الاتصال المرئي لضمان مشاركة الأعضاء من الخارج. لكن خلف هذا المشهد التنظيمي الواسع كانت هناك عملية ضبط دقيقة لمن يدخل إلى المؤتمر ومن يُستبعد منه، ومن يملك فرصة حقيقية للصعود داخل اللجنة المركزية والمجلس الثوري.

ولم يكن مفاجئًا أن يُعاد انتخاب محمود عباس رئيسًا للحركة بالإجماع، في مشهد عكس طبيعة البنية التنظيمية التي تشكلت خلال سنوات حكمه فالرجل الذي بلغ التسعين لم يعد يخوض معارك انتخابية داخلية بالمعنى التقليدي، بل أصبح يمسك بالمفاصل التنظيمية الأساسية للحركة: اللجنة المركزية، والأجهزة الأمنية، ومفاتيح التمويل، والعلاقة مع السلطة ومنظمة التحرير.

لكن أهمية المؤتمر الثامن لم تكن في إعادة انتخاب عباس فقط، بل في الرسالة السياسية والتنظيمية التي حملها: أن مرحلة "الحرس العرفاتي" شارفت على نهايتها الكاملة. فالكثير من الشخصيات التي كانت تمثل امتدادًا لمرحلة عرفات غابت عن مواقع التأثير الحقيقية، فيما صعدت وجوه أكثر قربًا من دائرة عباس الضيقة ومن نمط الحكم الذي كرسه خلال العقدين الأخيرين.

وقد بدا واضحًا أن المؤتمر صُمم لإنتاج قيادة لا تنازع الرئيس خياراته، بل تؤمن باستمرارية النهج نفسه بعد غيابه. وهنا بدأت تتصاعد داخل الأوساط الفلسطينية والإعلامية أحاديث عن محاولة تدشين "مرحلة ما بعد عباس" بطريقة تضمن استمرار العباسية دون عباس نفسه. وفي قلب هذه الأحاديث برز اسم ياسر عباس، نجل الرئيس الفلسطيني، الذي راكم خلال السنوات الماضية نفوذًا اقتصاديًا وسياسيًا وإعلاميًا متزايدًا، رغم أنه لا يشغل موقعًا تنظيميًا فتحاويًا تقليديًا بحجم والده أو قيادات الحركة التاريخية.

صحيح أنه لا توجد مؤشرات رسمية معلنة على مشروع توريث مباشر داخل فتح، لكن تصاعد حضور ياسر عباس في المشهد العام، إلى جانب إعادة تشكيل النخبة المحيطة بالرئيس على أساس الولاء الشخصي والسياسي، دفع كثيرين داخل الحركة وخارجها إلى الحديث عن محاولة تهيئة بيئة سياسية وتنظيمية تضمن استمرار "النهج العباسي" بعد خروج محمود عباس من المشهد، سواء عبر أفراد من عائلته أو عبر شخصيات تدين بالولاء الكامل للدائرة المحيطة به.

وهنا تكمن المفارقة الكبرى في مسار "فتح من العرفاتية إلى العباسية". فمحمود عباس وصل إلى السلطة أصلًا بوصفه ناقدًا لكثير من أساليب عرفات في الإدارة والقيادة. ففي كتاباته وتصريحاته القديمة انتقد تعدد مراكز القوى، وهيمنة الفرد الواحد، وغياب المؤسسات، والفوضى التنظيمية داخل الحركة والسلطة. لكنه مع مرور الوقت أعاد إنتاج نموذج أكثر مركزية، وإن بصيغة بيروقراطية وتنظيمية مختلفة.

فالفرق بين الرجلين أن عرفات كان يحكم عبر الكاريزما الشخصية وإدارة التناقضات، بينما حكم عباس عبر البيروقراطية والأمن والضبط التنظيمي. عرفات كان يسمح بوجود خصوم داخليين ما داموا يتحركون داخل "الخيمة الفتحاوية"، أما عباس فاتجه أكثر نحو إقصاء المنافسين أو تحييدهم تدريجيًا. وفي حين كانت "العرفاتية" قائمة على التوازن بين الأجنحة والتيارات، أصبحت "العباسية" قائمة على تركيز القرار وضبط الحركة من أعلى إلى أسفل.

ومع ذلك، بقي عباس حريصًا على الاحتفاظ بالرمزية العرفاتية في الشكل العام. فصور أبو عمار لم تغب عن مقار السلطة، وخطابات فتح الرسمية استمرت في استحضاره بوصفه "القائد المؤسس" و"الرمز الوطني". لكن هذه الرمزية تحولت شيئًا فشيئًا إلى غطاء شرعي لنهج سياسي وتنظيمي مختلف تمامًا عن ذلك الذي حكم فتح في زمن عرفات.

ففي عهد عرفات كانت الحركة، رغم دخولها السلطة، ما تزال تحمل شيئًا من روح الثورة والتعددية الداخلية. أما في عهد عباس فقد تحولت تدريجيًا إلى بنية سلطة مرتبطة بالإدارة والأمن والتمويل والعلاقات الدولية أكثر من ارتباطها بالعمل الوطني الكفاحي التقليدي. وحتى الخطاب السياسي للحركة تغير؛ فمن خطاب الثورة والتحرير الشامل إلى خطاب الدولة والإصلاح والاستقرار والحفاظ على "الشرعية".

وجاء المؤتمر الثامن ليكرس هذا التحول بصورة نهائية تقريبًا. فهو لم يكن مجرد مؤتمر تنظيمي عادي، بل إعلانًا بأن فتح دخلت مرحلة ما بعد العرفاتية فعليًا، حتى وإن استمرت في استخدام رموزها وشعاراتها التاريخية. لقد أصبح واضحًا أن الحركة التي خرجت من رحم العمل الفدائي في الستينيات تتحول أكثر فأكثر إلى حزب سلطة تديره شبكات سياسية وأمنية وإدارية مرتبطة ببنية الحكم في الضفة الغربية.

لكن هذا التحول يطرح أيضًا سؤالًا وجوديًا على مستقبل فتح نفسها: هل تستطيع الحركة الاستمرار كإطار وطني جامع بعد غياب عباس، أم أن "العباسية" كانت مرتبطة بشخصه وظروف حكمه فقط؟ فالعرفاتية، رغم تناقضاتها، كانت تمتلك مركز جاذبية شعبيًا وثوريًا واسعًا بفضل شخصية عرفات الكاريزمية وتاريخه النضالي. أما العباسية فقد قامت أساسًا على الشرعية المؤسسية والدعم الدولي والسيطرة التنظيمية والأمنية.

ولهذا يبدو المؤتمر الثامن، بالنسبة لكثير من الفتحاويين، ليس فقط مؤتمرًا لتجديد القيادة، بل لحظة انتقال تاريخية تحاول فيها الدائرة المحيطة بعباس تأمين استمرارية النظام الذي بناه بعد غيابه. أي أن المعركة لم تعد حول خلافات داخلية عابرة، بل حول تعريف فتح نفسها: هل تبقى حركة تحرر وطني متعددة الأصوات كما كانت في زمن عرفات، أم تتحول نهائيًا إلى حزب سلطة محكوم بمنطق الوراثة السياسية والولاء التنظيمي والانضباط البيروقراطي؟

وفي هذا المعنى، فإن المؤتمر الثامن لم يكن فقط تتويجًا لمسار طويل من "العباسية" ، بل ربما بداية مرحلة جديدة تحاول تثبيت هذا النهج لما بعد محمود عباس نفسه.. 

الكلمات المفتاحية

حساسية الإبادة غير المفرطة

حساسية الإبادة غير المفرطة

أعادت الإبادة تشكيل علاقة الغزيين بالكلمات، وحوّلت بضعة حروف إلى رصاص قادر على القتل كالطائرات تمامًا


قراءة في الانتخابات الإسرائيلية المقبلة

قراءة في الانتخابات الإسرائيلية المقبلة

منذ أكثر من عشرين عامًا، أثبت بنيامين نتنياهو قدرة استثنائية على الإفلات من كل الأزمات التي كان يعتقد أنها ستنهي مستقبله السياسي


ملامح أزمة جديدة في حركة فتح

ملامح أزمة جديدة في حركة فتح

تاريخيًا، كانت فتح تستفيد من كونها الحركة الوطنية الأكثر شعبية وحضورًا داخل مؤسسات السلطة ومنظمة التحرير، إلا أن هذا الامتياز لم يعد كافيًا في ظل الانقسامات التنظيمية التي تراكمت خلال السنوات الماضية


إعلان الرئيس الفلسطيني تحديد الانتخابات.. سؤال التوقيت

إعلان الرئيس الفلسطيني تحديد الانتخابات.. سؤال التوقيت

إعلان موعد الانتخابات يأتي في ظل تحديات داخلية لا تقل تعقيدًا عن التحديات الخارجية

حساسية الإبادة غير المفرطة
قول

حساسية الإبادة غير المفرطة

أعادت الإبادة تشكيل علاقة الغزيين بالكلمات، وحوّلت بضعة حروف إلى رصاص قادر على القتل كالطائرات تمامًا

فقد ابنه وزوجته وأُسِر وعُذّب.. صاروخ ينهي رحلة الشرطي سميح الأسود في غزة
تقارير

فقد ابنه وزوجته وأُسِر وعُذّب.. صاروخ ينهي رحلة الشرطي سميح الأسود في غزة

انتهت رحلة رجل لم تمنحه الحرب فرصة لوداع ابنه، ولا للحزن على زوجته، ولا حتى لبدء حياة جديدة مع بناته الأربعة


دعوى قضائية ضد إدارة ترامب بسبب عقوبات مرتبطة بالجنائية الدولية وفلسطين
أخبار

دعوى قضائية ضد إدارة ترامب بسبب عقوبات مرتبطة بالجنائية الدولية وفلسطين

تقول المنظمتان إن الحزمة الواسعة من العقوبات التي أصدرتها إدارة ترامب عام 2025 أحدثت "أثرًا مخيفًا" على المدافعين عن حقوق الإنسان

"سجانات اغتصبنها على مرأى جنود".. ناشطة ألمانية تروي تفاصيل الاعتداء عليها في إسرائيل
أخبار

ناشطة ألمانية تروي تفاصيل اغتصابها في إسرائيل من 3 سجانات وسط ضحكات جنود

كان الجنود يضحكون وهم يشاهدون السجانات يعتدين عليها، وربما صوروها أيضًا فقد كان بإمكانهم ذلك

الأكثر قراءة

1
مقابلات

خاص | محمود مرداوي: اتفاق على غالبية بنود مفاوضات القاهرة وإسرائيل تعطل التوصل لاتفاق


2
تقارير

الانتخابات التشريعية.. هل يصمد موعد نوفمبر أمام تحديات الانقسام والقدس وغزة؟


3
تقارير

شهادات لـ"الترا فلسطين": نساء بالضفّة يتعرضن للإرهاب الجنسي من المستوطنين


4
تقارير

قبل أن يحمل ابنته ويحرس عرين فلسطين.. رصاصة الاحتلال تُسقط حلم الحارس سليم الأشقر


5
تقارير

"بابا تعال عندنا".. آخر مكالمة بين مالك ووالده قبل استشهاده في دير البلح