فتح من العرفاتية إلى العباسية [5]
2 يونيو 2026
لم يكن انتقال القيادة الفلسطينية من ياسر عرفات إلى محمود عباس مجرد انتقال طبيعي للسلطة داخل حركة فتح، بل كان تحولًا عميقًا في طبيعة النظام السياسي الفلسطيني نفسه. فوفاة عرفات عام 2004 لم تنه فقط مرحلة "القائد التاريخي" الذي جمع بين الثورة والسلطة، بل فتحت الباب أمام صعود نمط جديد من الحكم داخل فتح ومنظمة التحرير والسلطة الفلسطينية؛ نمط يمكن وصفه بـ"العباسية"، أي سلطة أكثر مركزية وبيروقراطية، أقل اعتمادًا على الكاريزما الثورية، وأكثر ارتباطًا بمنطق المؤسسة والأمن والتفاوض والشرعية الدولية.
حين انتخب محمود عباس رئيسًا للسلطة الفلسطينية مطلع عام 2005، بدا في البداية امتدادًا سياسيًا لعرفات، لا قطيعة معه. فقد وصل إلى الرئاسة بدعم فتحاوي واسع نسبيًا، وبغطاء من مؤسسات منظمة التحرير، كما استفاد من التعاطف الشعبي مع وفاة عرفات ومن رغبة قطاعات واسعة من الفلسطينيين في تجنب الفوضى الداخلية. لكن السنوات اللاحقة كشفت أن عباس لم يكن ينوي إدارة النظام الفلسطيني بالطريقة العرفاتية التقليدية القائمة على التوازن بين الأجنحة والتيارات، بل اتجه تدريجيًا إلى إعادة تشكيل مراكز القوة داخل فتح والسلطة بما يضمن إحكام قبضته الشخصية والسياسية على القرار.
مسار "فتح من العرفاتية إلى العباسية" لا يعكس مجرد انتقال من قائد إلى آخر، بل يعكس تحول الحركة الوطنية الفلسطينية نفسها
في عهد ياسر عرفات كانت حركة فتح عبارة عن شبكة واسعة من مراكز القوى المتنافسة: قيادات تاريخية، وأجهزة أمنية، وقادة انتفاضة، وكوادر تنظيمية، وشخصيات مستقلة نسبيًا داخل الحركة. وقد حافظ عرفات على توازن هذه الشبكة عبر توزيع النفوذ والموارد والصلاحيات، بحيث يبقى الجميع محتاجين إلى "أبو عمار" بوصفه المرجعية النهائية. أما محمود عباس فقد رأى في هذا النموذج سببًا رئيسيًا للفوضى والانقسام وضعف المؤسسات. ولذلك بدأ منذ السنوات الأولى لرئاسته عملية إعادة هندسة للنظام الداخلي لفتح والسلطة ومنظمة التحرير.
وشملت هذه العملية إقصاءً تدريجيًا لشخصيات فتحاوية ارتبطت بعرفات أو احتفظت بهوامش استقلالية داخل الحركة. بعض هذه الشخصيات جرى تهميشها سياسيًا، وبعضها دخل في صدام مباشر مع عباس، فيما غادر آخرون إلى الخارج بعد اتهامات أو خلافات تنظيمية وأمنية. ويعد محمد دحلان المثال الأبرز على ذلك؛ فقد كان أحد أبرز قادة فتح الأمنية في غزة، لكنه تحول لاحقًا إلى خصم مباشر لعباس، قبل أن يُفصل من الحركة عام 2011 ويغادر إلى الخارج.
لكن عملية إعادة تشكيل مراكز القوة بدأت فعليًا قبل ذلك، منذ السنوات الأولى التي أعقبت وفاة عرفات. فقد عمل عباس على إحلال شخصيات أكثر قربًا منه في مواقع القرار داخل الأجهزة الأمنية ومؤسسات السلطة ومنظمة التحرير، مع تقليص نفوذ القيادات التاريخية التي كانت تمتلك شرعية نضالية مستقلة. وفي المقابل، صعدت شخصيات تكنوقراطية أو بيروقراطية أو أكاديمية لم يكن لبعضها تاريخ بارز في الكفاح الوطني التقليدي أو العمل الفتحاوي التاريخي. وقد اعتبر أنصار عباس أن هذا التحول ضروري لبناء مؤسسات دولة حديثة، بينما رأى منتقدوه أنه يمثل "تفريغًا" تدريجيًا لفتح من طابعها كحركة تحرر وطني وتحويلها إلى جهاز سلطة يدين بالولاء للرئيس أكثر من التنظيم.
والمفارقة أن عباس، الذي قضى سنوات ينتقد علنًا طريقة عرفات في إدارة السلطة، وجد نفسه مع الوقت يعيد إنتاج كثير من السياسات ذاتها ولكن بصيغة مختلفة. ففي مقابلاته وتصريحاته وكتاباته السابقة كان ينتقد تعدد الأجهزة الأمنية، وهيمنة الفرد الواحد على القرار، وغياب الفصل بين مؤسسات الحركة والسلطة، وانتشار المحسوبيات داخل النظام السياسي الفلسطيني. لكن مع مرور السنوات تركزت السلطات تدريجيًا في يده بوصفه رئيس السلطة ورئيس منظمة التحرير ورئيس حركة فتح، تمامًا كما كان الحال في عهد عرفات.
إن النظام السياسي في عهد عباس أصبح أكثر مركزية وأقل تعددية مما كان عليه في عهد عرفات نفسه. ففي زمن "أبو عمار" كانت الفوضى التنظيمية تسمح بهوامش معارضة داخلية أوسع نسبيًا، بينما اتجه عهد عباس إلى إحكام السيطرة البيروقراطية والأمنية على مؤسسات الحركة والسلطة.
لكن التحول الأكبر الذي صبغ عهد عباس كله جاء بعد عامين فقط من وصوله إلى الرئاسة، مع الانقسام الفلسطيني بين الضفة الغربية وقطاع غزة. ففي الانتخابات التشريعية عام 2006 فازت حركة حماس بأغلبية المجلس التشريعي، في ضربة قاسية لفتح التي كانت تعاني من الترهل والانقسامات الداخلية والاتهامات بالفساد. وقد كشفت تلك الانتخابات أن فتح، رغم سيطرتها الطويلة على السلطة، فقدت جزءًا كبيرًا من شرعيتها الشعبية، خصوصًا في ظل تعثر عملية السلام واستمرار الاحتلال الإسرائيلي.
حاول عباس في البداية احتواء نتائج الانتخابات ضمن النظام السياسي القائم، لكنه اصطدم سريعًا بالصراع المتصاعد بين فتح وحماس حول الصلاحيات والأمن والسيطرة على الأجهزة والمؤسسات. وتصاعد التوتر تدريجيًا إلى مواجهات مسلحة انتهت في يونيو/حزيران 2007 بسيطرة حماس على قطاع غزة وطرد الأجهزة الأمنية التابعة لفتح والسلطة الفلسطينية من القطاع، فيما وصفته فتح بـ"الانقلاب العسكري"، بينما اعتبرته حماس "حسمًا" لصراع داخلي.
ومنذ تلك اللحظة دخل النظام السياسي الفلسطيني مرحلة انقسام تاريخي ما تزال مستمرة حتى اليوم. فقد أصبحت الضفة الغربية تحت سيطرة السلطة الفلسطينية بقيادة عباس وفتح، بينما أصبح قطاع غزة تحت حكم حماس. ولم يكن هذا الانقسام مجرد خلاف جغرافي أو إداري، بل تحول إلى انقسام سياسي وأمني ومؤسساتي عميق أعاد تشكيل الحياة الفلسطينية كلها.
بالنسبة لعباس، شكل الانقسام فرصة وخطرًا في آن واحد. فمن جهة، مكنه من إحكام السيطرة على الضفة الغربية ومؤسسات السلطة ومنظمة التحرير وفتح، خصوصًا بعد غياب المنافس الفعلي داخل النظام السياسي الرسمي. ومن جهة أخرى، حوّل رئاسته إلى رئاسة منقوصة جغرافيًا وسياسيًا، في ظل غياب الانتخابات وتعطل المجلس التشريعي واستمرار الانقسام.
وقد استثمر عباس الانقسام لتعزيز مشروعه السياسي القائم على المفاوضات والتنسيق الأمني وبناء مؤسسات الدولة في الضفة الغربية بدعم غربي وعربي. وفي هذا السياق برز دور رئيس الوزراء سلام فياض، الذي قاد مشروعًا لإعادة بناء مؤسسات السلطة والأجهزة الأمنية وفق معايير يراها الغرب "احترافية". لكن هذا المشروع عمق أيضا الانتقادات لعباس داخل قطاعات واسعة من فتح والفصائل الفلسطينية، التي رأت أن السلطة تتحول تدريجيًا إلى إدارة مدنية وأمنية تحت سقف الاحتلال، لا إلى مشروع تحرر وطني.
وهنا تظهر المفارقة الكبرى في مسار "العباسية". فالرجل الذي صعد بوصفه ناقدًا لـ"الفوضى العرفاتية" وجد نفسه بعد سنوات يحكم بنظام أكثر تمركزًا حول شخصه. والرجل الذي انتقد عسكرة الانتفاضة عاد ليستخدم الأجهزة الأمنية بصورة مكثفة لضبط الداخل الفلسطيني. والرجل الذي دعا إلى بناء المؤسسات الديمقراطية استمر في الحكم بعد انتهاء ولايته الرئاسية عام 2009 دون إجراء انتخابات رئاسية جديدة، بحجة الانقسام الفلسطيني وتعذر تنظيم الانتخابات في غزة والقدس الشرقية.
في المقابل، ظل عباس يختلف جذريا عن عرفات في نقطة أساسية: موقفه من المقاومة المسلحة والصراع مع إسرائيل. فعرفات، حتى في ذروة مسار أوسلو، لم يقطع نهائيا مع خطاب المقاومة ولم يدخل في مواجهة شاملة مع الفصائل المسلحة، بينما اتخذ عباس موقفا أكثر وضوحا في رفض عسكرة الانتفاضة واعتبار العمل المسلح مضرا بالمشروع الوطني الفلسطيني. ولهذا ارتبط عهده بصورة وثيقة بسياسة "التنسيق الأمني" مع إسرائيل، وهي السياسة التي أثارت انتقادات واسعة داخل المجتمع الفلسطيني وداخل أوساط من حركة فتح نفسها.
كما أن عباس، بخلاف عرفات، لم يمتلك الكاريزما الثورية أو القدرة على مخاطبة مختلف التيارات الفلسطينية بالرمزية الوطنية ذاتها. فقد كان عرفات قادرا على الجمع بين خطاب الثورة والدولة، وبين البندقية وغصن الزيتون، بينما بدا عباس أكثر التصاقًا بخطاب الدولة والشرعية الدولية والمؤسسات. وهذا ما جعل فتح في عهده تتحول تدريجيًا من حركة تحرر واسعة متعددة الأجنحة إلى حزب سلطة مرتبط ببنية الحكم والإدارة والأمن.
ورغم ذلك، لم تكن "العباسية" قطيعة كاملة مع "العرفاتية". فعباس ورث النظام السياسي الذي بناه عرفات، واستخدم كثيرا من أدواته، من جمع السلطات إلى إدارة الولاءات داخل فتح ومنظمة التحرير. لكنه غيّر جوهر المشروع نفسه: من حركة تحرر تحتفظ بأشكال متعددة من المقاومة والعمل السياسي، إلى سلطة تركز أساسا على البقاء الإداري والسياسي داخل معادلة الاحتلال والانقسام.
وهكذا، فإن مسار "فتح من العرفاتية إلى العباسية" لا يعكس مجرد انتقال من قائد إلى آخر، بل يعكس تحول الحركة الوطنية الفلسطينية نفسها. ففي عهد عرفات بقيت فتح، رغم دخولها السلطة، تحمل شيئًا من روح الثورة وتناقضاتها. أما في عهد عباس فقد أصبحت أكثر ارتباطًا بمنطق الدولة غير المكتملة، والأمن، والتفاوض، وإدارة الانقسام الداخلي.
لكن المفارقة الأكثر قسوة أن عهد عباس، الذي بدأ بوعد بناء الدولة الفلسطينية عبر المفاوضات والإصلاح، انتهى عمليًا إلى تكريس واقعين فلسطينيين منفصلين: سلطة في الضفة الغربية وحكم لحماس في غزة. وهو الانقسام الذي طبع أكثر من عشرين عامًا من حكمه، وحول المشروع الوطني الفلسطيني من مشروع تحرر موحد إلى نظام سياسي منقسم يعيش أزمة شرعية وتمثيل مستمرة حتى اليوم.
الكلمات المفتاحية
حساسية الإبادة غير المفرطة
أعادت الإبادة تشكيل علاقة الغزيين بالكلمات، وحوّلت بضعة حروف إلى رصاص قادر على القتل كالطائرات تمامًا
قراءة في الانتخابات الإسرائيلية المقبلة
منذ أكثر من عشرين عامًا، أثبت بنيامين نتنياهو قدرة استثنائية على الإفلات من كل الأزمات التي كان يعتقد أنها ستنهي مستقبله السياسي
ملامح أزمة جديدة في حركة فتح
تاريخيًا، كانت فتح تستفيد من كونها الحركة الوطنية الأكثر شعبية وحضورًا داخل مؤسسات السلطة ومنظمة التحرير، إلا أن هذا الامتياز لم يعد كافيًا في ظل الانقسامات التنظيمية التي تراكمت خلال السنوات الماضية
حساسية الإبادة غير المفرطة
أعادت الإبادة تشكيل علاقة الغزيين بالكلمات، وحوّلت بضعة حروف إلى رصاص قادر على القتل كالطائرات تمامًا
فقد ابنه وزوجته وأُسِر وعُذّب.. صاروخ ينهي رحلة الشرطي سميح الأسود في غزة
انتهت رحلة رجل لم تمنحه الحرب فرصة لوداع ابنه، ولا للحزن على زوجته، ولا حتى لبدء حياة جديدة مع بناته الأربعة
دعوى قضائية ضد إدارة ترامب بسبب عقوبات مرتبطة بالجنائية الدولية وفلسطين
تقول المنظمتان إن الحزمة الواسعة من العقوبات التي أصدرتها إدارة ترامب عام 2025 أحدثت "أثرًا مخيفًا" على المدافعين عن حقوق الإنسان
ناشطة ألمانية تروي تفاصيل اغتصابها في إسرائيل من 3 سجانات وسط ضحكات جنود
كان الجنود يضحكون وهم يشاهدون السجانات يعتدين عليها، وربما صوروها أيضًا فقد كان بإمكانهم ذلك