فتح من العرفاتية إلى العباسية [6]
3 يونيو 2026
شكلت السنوات التي أعقبت عودة بنيامين نتنياهو إلى رئاسة الحكومة الإسرائيلية عام 2009 المرحلة الأكثر جمودًا وانسدادًا في تاريخ السلطة الفلسطينية بقيادة محمود عباس. ففي تلك الحقبة دخل المشروع الوطني الفلسطيني في حالة تآكل تدريجي على المستويات السياسية والتنظيمية والاجتماعية، بالتوازي مع صعود اليمين الإسرائيلي المتطرف، وتراجع الاهتمام العربي والدولي بالقضية الفلسطينية، وفشل كل محاولات المصالحة الداخلية، وتعمق أزمة الشرعية داخل النظام السياسي الفلسطيني نفسه. وإذا كانت مرحلة ياسر عرفات قد اتسمت بالتأرجح بين الثورة والتفاوض، فإن مرحلة عباس بعد 2009 اتسمت بصورة متزايدة بإدارة سلطة محدودة الصلاحيات تحت الاحتلال، في ظل انسداد أفق التسوية وموت حل الدولتين عمليًا.
حين عاد نتنياهو إلى الحكم في مارس/آذار 2009 كان محمود عباس ما يزال يراهن على إمكانية استئناف العملية السياسية برعاية أميركية ودولية. وقد راهنت قيادة السلطة الفلسطينية آنذاك على إدارة باراك أوباما للضغط على إسرائيل من أجل تجميد الاستيطان واستئناف المفاوضات. لكن حكومة نتنياهو الجديدة جاءت برؤية مختلفة جذريًا؛ فهي وإن قبلت شكليًا في خطاب بار إيلان عام 2009 بفكرة "الدولة الفلسطينية"، فإنها وضعت شروطًا جعلت هذا القبول فارغًا من أي مضمون فعلي، بالتوازي مع تسارع غير مسبوق في الاستيطان وفرض الوقائع على الأرض.
مع مرور الوقت أصبحت "العباسية" مرتبطة في الوعي الشعبي الفلسطيني بحالة الجمود السياسي والإداري
ومع مرور السنوات تبين أن حكومة نتنياهو لم تكن ترى في المفاوضات مسارًا يؤدي إلى قيام دولة فلسطينية، بل إطارًا لإدارة الصراع وشراء الوقت. وقد انهارت آخر جولة مفاوضات جدية عام 2014 برعاية وزير الخارجية الأميركي الأسبق جون كيري، ومنذ ذلك الحين دخل المسار السياسي في موت سريري فعلي.
بالنسبة لعباس، كان هذا التحول كارثيًا. فالرجل الذي بنى مشروعه السياسي كله تقريبًا على خيار التفاوض والشرعية الدولية وجد نفسه أمام حكومة إسرائيلية تعتبر أن "السلام الاقتصادي" وإدارة الاحتلال أكثر فائدة من التسوية النهائية. ومع تراجع فرص قيام الدولة الفلسطينية، بدأت مكانة القضية الفلسطينية نفسها تتراجع إقليميًا ودوليًا إلى أدنى مستوياتها منذ عقود، خصوصًا بعد الربيع العربي في عام 2011، والتي نقلت أولويات كثير من الدول العربية من الصراع مع إسرائيل إلى الصراعات الداخلية والإقليمية.
وقد انعكس هذا التراجع أيضًا في صعود مسار التطبيع العربي مع إسرائيل دون ربطه بحل القضية الفلسطينية. صحيح أن هذا المسار بلغ ذروته لاحقًا مع "اتفاقات أبراهام" عام 2020، لكن مقدماته بدأت خلال العقد السابق مع تراجع مركزية القضية الفلسطينية في النظام العربي الرسمي. وبالنسبة لعباس، بدا أن الاستراتيجية القائمة على انتظار ضغط أميركي أو دولي على إسرائيل لم تعد تنتج شيئًا ملموسًا على الأرض.
في الوقت نفسه، فشلت كل محاولات المصالحة الفلسطينية الداخلية بين فتح وحماس، رغم العديد من الاتفاقات والمؤتمرات التي عقدت لهذا الغرض. فمنذ الانقسام الفلسطيني عام 2007 جرت محاولات متكررة لإنهائه: اتفاق مكة 2007، واتفاق القاهرة 2011، وإعلان الدوحة 2012، واتفاق الشاطئ 2014، واتفاق القاهرة 2017، وغيرها من التفاهمات التي رعتها مصر وقطر ودول أخرى. لكن أيًا منها لم ينجح في إعادة توحيد النظام السياسي الفلسطيني.
وكانت أسباب الفشل أعمق من مجرد خلافات إجرائية. فحركة فتح بقيادة عباس كانت ترى أن أي مصالحة يجب أن تعيد غزة إلى سلطة الحكومة الفلسطينية وأجهزتها الأمنية، بينما رفضت حماس التخلي عن سيطرتها العسكرية والأمنية على القطاع دون شراكة سياسية حقيقية. كما أن الانقسام تحول مع الوقت إلى بنية مصالح كاملة تشمل الأجهزة الأمنية والموظفين والاقتصاد والتمويل والعلاقات الإقليمية، ما جعل إنهاءه أكثر صعوبة.
وقد أثّر هذا الانقسام بصورة مدمرة على شرعية النظام السياسي الفلسطيني. فمنذ عام 2007 لم تجرَ انتخابات تشريعية أو رئاسية فعلية تعيد تجديد الشرعيات، فيما استمر عباس في الحكم بعد انتهاء ولايته الرئاسية عام 2009. ورغم الإعلان أكثر من مرة عن نية إجراء انتخابات، فإنها كانت تؤجل أو تلغى في اللحظة الأخيرة بسبب الخلافات مع حماس أو بسبب الموقف الإسرائيلي من القدس.
وفي هذا السياق اتجه محمود عباس تدريجيًا إلى تركيز السلطات بيده بصورة غير مسبوقة. ففي عام 2018 أصدرت المحكمة الدستورية الفلسطينية قرارًا بحل المجلس التشريعي الفلسطيني، وهو القرار الذي أيده عباس ونفذه، ما أدى عمليًا إلى غياب السلطة التشريعية بالكامل.
ومنذ ذلك الحين أصبحت السلطة الفلسطينية تدار أساسًا عبر المراسيم الرئاسية، في ظل غياب برلمان منتخب وتعطل الحياة الديمقراطية. وهكذا جمع عباس فعليا السلطات التنفيذية والتشريعية، إلى جانب رئاسته لمنظمة التحرير وحركة فتح. وقد أثار ذلك انتقادات واسعة من معارضيه ومنظمات حقوقية فلسطينية ودولية، التي اعتبرت أن النظام السياسي الفلسطيني يشهد تراجعًا متزايدًا في الحريات العامة واستقلال القضاء والفصل بين السلطات.
وفي موازاة الأزمة السياسية، شهدت الضفة الغربية تراجعًا اقتصاديًا متزايدًا رغم استمرار الدعم الدولي للسلطة. فقد بقي الاقتصاد الفلسطيني رهينة للاحتلال الإسرائيلي، من حيث السيطرة على المعابر والموارد والحركة التجارية. كما أدت سياسات الاقتطاع الإسرائيلي من أموال المقاصة، وتراجع المساعدات الخارجية، وارتفاع معدلات الفساد والمحسوبية، إلى تفاقم الأزمات المالية والاجتماعية. وتشير تقارير البنك الدولي والجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني إلى ارتفاع معدلات البطالة والفقر، خصوصا بين الشباب والخريجين، مع اتساع الفجوة بين الطبقة السياسية والاقتصادية المرتبطة بالسلطة وبين قطاعات واسعة من المجتمع الفلسطيني.
كما تصاعدت الاتهامات للسلطة الفلسطينية ودوائر مقربة من حركة فتح بالفساد المالي والإداري، وهي اتهامات لم تبدأ في عهد عباس لكنها اتخذت طابعًا أكثر حساسية في ظل غياب الانتخابات والرقابة البرلمانية. وقد أصبحت قضايا الامتيازات والوظائف العليا والاحتكارات الاقتصادية جزءا من الخطاب الشعبي المعارض للسلطة، حتى داخل قطاعات من حركة فتح نفسها.
وفي الوقت نفسه، كانت إسرائيل تواصل فرض وقائع جديدة على الأرض. فقد تسارع الاستيطان في الضفة الغربية بصورة غير مسبوقة، وتزايد نفوذ اليمين الديني والقومي داخل إسرائيل، فيما تراجعت فكرة "حل الدولتين" حتى داخل الخطاب السياسي الإسرائيلي الرسمي. ومع عودة نتنياهو المتكررة إلى الحكم، بدا أن إسرائيل انتقلت من مرحلة إدارة مفاوضات التسوية إلى مرحلة إدارة واقع الضم التدريجي للضفة الغربية.
ثم جاءت إدارة دونالد ترامب لتوجه الضربة الأقسى لما تبقى من مشروع التسوية التقليدي. ففي ديسمبر/كانون الأول 2017 اعترفت الولايات المتحدة بالقدس عاصمة لإسرائيل ونقلت سفارتها إليها، ثم أغلقت مكتب منظمة التحرير في واشنطن، وقطعت المساعدات عن السلطة والأونروا، قبل أن تطرح "صفقة القرن" عام 2020 التي منحت إسرائيل ضوءًا أخضر عمليًا لضم أجزاء واسعة من الضفة الغربية.
بالنسبة لعباس، مثلت هذه المرحلة انهيارًا شبه كامل للمسار الذي راهن عليه منذ أوسلو. فقد انهارت فكرة الوسيط الأميركي "النزيه"، وتراجعت فرص الدولة الفلسطينية المستقلة، فيما كانت السلطة الفلسطينية نفسها تعاني من أزمة شرعية عميقة. ومع ذلك، لم ينجح عباس في تقديم استراتيجية بديلة واضحة. فهو لم يعد إلى خيار الانتفاضة الشاملة أو المقاومة المسلحة، وفي الوقت نفسه لم يعد قادرا على انتزاع أي تقدم سياسي حقيقي عبر التفاوض.
أما قطاع غزة، فقد تحول إلى عنوان دائم للأزمة الفلسطينية. فمنذ سيطرة حماس عليه عام 2007 تعرض القطاع لسلسلة حروب إسرائيلية مدمرة: 2008–2009، و2012، و2014، ثم جولات التصعيد اللاحقة وصولًا إلى الحرب الكارثية التي اندلعت بعد هجوم 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023. وقد أدت هذه الحروب إلى تدمير واسع للبنية التحتية وسقوط عشرات الآلاف من الضحايا وتعميق الكارثة الإنسانية في القطاع.
وفي كثير من الأحيان بدا الانقسام الفلسطيني نفسه جزءا من آلية إدارة الصراع. فقد استخدمت إسرائيل واقع الانقسام بين غزة والضفة لتبرير رفضها لأي تسوية شاملة، بينما استخدمت السلطة الفلسطينية وحماس كل منهما شرعيته الجزئية لتعزيز سلطته في منطقته. وهكذا تحولت القضية الفلسطينية من مشروع وطني موحد إلى سلطتين متنافستين تحت الاحتلال والحصار والانقسام.
وهنا تظهر المعضلة الكبرى في عهد محمود عباس. فالرجل الذي وصل إلى الحكم بوصفه ممثل "خيار السلام" وجد نفسه يحكم في زمن موت عملية السلام. والرجل الذي وعد ببناء الدولة الفلسطينية وجد نفسه يدير سلطة محدودة الصلاحيات في ظل توسع الاحتلال والانقسام الداخلي. والرجل الذي انتقد أسلوب عرفات في إدارة السلطة انتهى إلى نظام أكثر تمركزا حول شخصه، مع غياب البرلمان والانتخابات وتراجع دور المؤسسات.
ومع مرور الوقت أصبحت "العباسية" مرتبطة في الوعي الشعبي الفلسطيني بحالة الجمود السياسي والإداري. فلا حرب تحرر وطني قادرة على تغيير المعادلة، ولا عملية سياسية تؤدي إلى دولة مستقلة، ولا مصالحة داخلية تنهي الانقسام، ولا تداول ديمقراطي للسلطة يعيد إنتاج الشرعية. ولهذا دخل النظام السياسي الفلسطيني في حالة شيخوخة طويلة، بينما كانت إسرائيل تفرض وقائع جديدة تجعل حل الدولتين أكثر بعدا من أي وقت مضى.
إن مرحلة عباس منذ 2009 لا يمكن فهمها فقط بوصفها نتيجة خياراته الشخصية، بل أيضا بوصفها نتاجًا لتحولات إقليمية ودولية وإسرائيلية عميقة. لكن الثابت أن هذه المرحلة شهدت التراجع الأكبر في مكانة المشروع الوطني الفلسطيني منذ تأسيس منظمة التحرير، في ظل انسداد الأفق السياسي، واستمرار الانقسام، وتآكل المؤسسات، وتحول السلطة الفلسطينية من مشروع دولة قيد التشكيل إلى سلطة إدارة أزمة مزمنة تحت الاحتلال.
الكلمات المفتاحية
حساسية الإبادة غير المفرطة
أعادت الإبادة تشكيل علاقة الغزيين بالكلمات، وحوّلت بضعة حروف إلى رصاص قادر على القتل كالطائرات تمامًا
قراءة في الانتخابات الإسرائيلية المقبلة
منذ أكثر من عشرين عامًا، أثبت بنيامين نتنياهو قدرة استثنائية على الإفلات من كل الأزمات التي كان يعتقد أنها ستنهي مستقبله السياسي
ملامح أزمة جديدة في حركة فتح
تاريخيًا، كانت فتح تستفيد من كونها الحركة الوطنية الأكثر شعبية وحضورًا داخل مؤسسات السلطة ومنظمة التحرير، إلا أن هذا الامتياز لم يعد كافيًا في ظل الانقسامات التنظيمية التي تراكمت خلال السنوات الماضية
تموز "سَلَّاق العَجِر": لهيب القيظ وأيام "التعزيب" في الكروم الفلسطينية
ما إن يحلّ شهر تموز، حتى تتبدل ملامح الحياة في الريف الفلسطيني، ليعلن الصيف عن ذروة عنفوانه وبداية أيام "القيظ" الشديدة
حساسية الإبادة غير المفرطة
أعادت الإبادة تشكيل علاقة الغزيين بالكلمات، وحوّلت بضعة حروف إلى رصاص قادر على القتل كالطائرات تمامًا
فقد ابنه وزوجته وأُسِر وعُذّب.. صاروخ ينهي رحلة الشرطي سميح الأسود في غزة
انتهت رحلة رجل لم تمنحه الحرب فرصة لوداع ابنه، ولا للحزن على زوجته، ولا حتى لبدء حياة جديدة مع بناته الأربعة
دعوى قضائية ضد إدارة ترامب بسبب عقوبات مرتبطة بالجنائية الدولية وفلسطين
تقول المنظمتان إن الحزمة الواسعة من العقوبات التي أصدرتها إدارة ترامب عام 2025 أحدثت "أثرًا مخيفًا" على المدافعين عن حقوق الإنسان