ultracheck
قول

فتح من العرفاتية إلى العباسية [8]

8 يونيو 2026
فتح من العرفاتية إلى العباسية [8]
نبهان خريشة
نبهان خريشة صحفي وكاتب فلسطيني

لم يعد السؤال داخل حركة فتح اليوم متعلقًا فقط بما إذا كانت "العباسية" قد انتصرت على "العرفاتية"، بل إلى أين يقود هذا الانتصار الحركة والنظام السياسي الفلسطيني والقضية الفلسطينية نفسها. فبعد أكثر من عشرين عامًا على وفاة ياسر عرفات، يبدو أن محمود عباس نجح أخيرًا، خصوصا عبر المؤتمر الثامن لحركة فتح في مايو/أيار 2026، في تثبيت نموذج سياسي وتنظيمي جديد داخل الحركة يقوم على مركزية القرار والولاء التنظيمي وضبط مراكز القوى، لا على التعددية الداخلية التي ميزت العهد العرفاتي. لكن هذا الانتصار التنظيمي الظاهري يخفي في داخله احتمالات تفكك وصراع وعدم استقرار قد تفتح الباب أمام مرحلة فلسطينية مختلفة تمامًا عما عرفته الحركة الوطنية الفلسطينية منذ انطلاقة فتح عام 1965.

لقد شكل المؤتمر الثامن لفتح أكثر من مجرد استحقاق تنظيمي متأخر؛ كان إعلانًا سياسيًا عن اكتمال القطيعة مع العرفاتية بوصفها ثقافة سياسية داخل الحركة. فالعرفاتية لم تكن مجرد ولاء لياسر عرفات كشخص، بل كانت نمطًا في القيادة يقوم على إدارة التناقضات، واحتواء الخصوم، وترك هوامش واسعة للأجنحة المختلفة داخل فتح ومنظمة التحرير. أما العباسية، كما تكرست تدريجيًا منذ 2005، فقد اتجهت إلى بناء حركة أكثر انضباطًا ومركزية وأقل تسامحًا مع مراكز القوى المستقلة.

في ضوء كل ذلك، تبدو "العباسية" وكأنها آخر مراحل النظام السياسي الفلسطيني الذي تأسس بعد 1965، لا بداية مرحلة جديدة مستقرة

ولهذا لم يكن مستغربًا أن يشهد المؤتمر الثامن عملية إعادة هندسة داخلية واسعة للحركة. فقد جرى، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، إبعاد كثير من الشخصيات التي ارتبطت بالعهد العرفاتي أو احتفظت بهوامش استقلالية داخل فتح، سواء عبر الإقصاء التنظيمي أو التهميش أو التحكم بآليات الانتخاب والترشيح. وحتى من بقي من "الحرس القديم" داخل المؤسسات الفتحاوية، بدا مضطرًا للتكيف مع شروط العباسية الجديدة إذا أراد الاستمرار داخل مركز القرار.

لقد نجح محمود عباس، وهو قد تجاوز عتبة التسعين، في بناء شبكة مراكز قوى تدين بالولاء لنهجه أكثر من ولائها لتاريخ الحركة أو تقاليدها القديمة. وهذه الشبكة لا تقوم فقط على التنظيم الحركي، بل تمتد إلى السلطة الفلسطينية والأجهزة الأمنية ومنظمة التحرير والبيروقراطية الإدارية والاقتصادية التي نشأت في ظل السلطة بعد أوسلو. وبذلك لم تعد فتح، كما كانت في زمن عرفات، حركة تحرر واسعة متعددة التيارات، بل أصبحت أقرب إلى حزب سلطة يتمحور حول مركز قيادة ضيق.

لكن المفارقة أن نجاح عباس في إحكام قبضته على الحركة قد يحمل في داخله بذور أزمة مستقبلية خطيرة. فالعرفاتية كانت تعتمد على الكاريزما التاريخية لياسر عرفات وقدرته على إدارة التناقضات بين الأجنحة المختلفة، بينما تعتمد العباسية على البيروقراطية والانضباط التنظيمي والأمن والولاءات الشخصية. وهذه الأدوات قد تنجح في فرض الاستقرار الظاهري خلال وجود عباس، لكنها لا تضمن انتقالًا سلسًا للسلطة بعد غيابه.

وهنا تبرز أهمية اللجنة المركزية التي أفرزها المؤتمر الثامن. فمن جهة، تبدو اللجنة موحدة ظاهريًا تحت راية عباس ونهجه السياسي والتنظيمي. لكن من جهة أخرى، تحمل في داخلها عناصر تنافس مكتومة قد تتحول بعد غياب عباس إلى صراع مفتوح على خلافته. فالكثير من أعضاء اللجنة المركزية لا يرون أنفسهم مجرد موظفين سياسيين في "العباسية" بل يعتبرون أنهم أصحاب حق طبيعي في وراثة الزعامة الفتحاوية.

وفي قلب هذه المعضلة جاء انتخاب ياسر عباس، نجل الرئيس الفلسطيني، عضوًا في اللجنة المركزية، في خطوة بدت لكثير من الفتحاويين تجاوزًا لكل الأعراف التنظيمية التي حكمت الحركة منذ تأسيسها عام 1965. فالتقاليد الفتحاوية كانت تشترط، تاريخًا نضاليًا وتنظيميًا طويلًا للوصول إلى أعلى هيئة قيادية في الحركة. أما صعود ياسر عباس فقد بدا، في نظر كثيرين، نتيجة مباشرة لنفوذ والده لا لمسار تنظيمي طبيعي.

وهذا ما جعل انتخابه يقرأ بوصفه مؤشرًا واضحًا على محاولة عباس الأب تهيئة الأرضية لمرحلة ما بعده، سواء عبر توريث مباشر أو عبر خلق مركز نفوذ عائلي وسياسي قادر على التأثير في معادلة الخلافة المقبلة. صحيح أن الحديث عن "توريث" داخل فتح ما يزال يواجه حساسية كبيرة، لأن الحركة قامت تاريخيًا على فكرة القيادة الثورية لا الوراثة العائلية، لكن مجرد طرح اسم ياسر عباس في هذا السياق يعكس حجم التحول الذي أصاب بنية الحركة.

وفي المقابل، لا يبدو أن شخصيات نافذة داخل اللجنة المركزية ستقبل بسهولة بأي صيغة توريث سياسي. فشخصيات مثل جبريل الرجوب وحسين الشيخ وغيرهما ترى نفسها أحق بوراثة عباس، سواء بحكم تاريخها التنظيمي أو نفوذها داخل الأجهزة والمؤسسات. ولهذا فإن اللجنة المركزية الجديدة تبدو ظاهريًا متماسكة، لكنها تحمل في داخلها تناقضات مؤجلة قد تنفجر في لحظة غياب "الضابط الأعلى" الذي يمثله محمود عباس.

وتزداد خطورة هذا السيناريو؛ لأن الأزمة لم تعد أزمة قيادة فتح فقط، بل أزمة النظام السياسي الفلسطيني كله. ففتح ومنظمة التحرير والسلطة الفلسطينية تعاني اليوم من تآكل متزايد في الشرعية والتمثيل الشعبي. فمنظمة التحرير التي كانت تعتبر لعقود "الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني" لم تعد تمثل فعليًا كل القوى الفلسطينية، خصوصًا بعد صعود حماس وبقاء الانقسام بين غزة والضفة. كما أن مؤسسات المنظمة نفسها أصبحت شبه معطلة أو خاضعة بالكامل لهيمنة الحلقة الضيقة المحيطة بالرئاسة.

أما حركة فتح، فقد تحولت تدريجيًا من حركة تحرر وطني إلى بنية سلطة مرتبطة بالأجهزة الأمنية والبيروقراطية والتمويل الخارجي. وفي الوقت نفسه فقدت الحركة كثيرًا من قدرتها التعبوية والجماهيرية، خصوصًا بين الأجيال الفلسطينية الجديدة التي لم تعش تجربة الثورة الفلسطينية أو الانتفاضة الأولى، بل عاشت تجربة السلطة والانقسام والبطالة والفساد والاحتلال المستمر.

والأزمة نفسها تطال السلطة الفلسطينية. فهي من جهة عاجزة عن التحول إلى دولة مستقلة بسبب الاحتلال الإسرائيلي، ومن جهة أخرى عاجزة عن استعادة شرعيتها الديمقراطية بسبب غياب الانتخابات والانقسام الداخلي. وهكذا أصبحت السلطة تبدو، بالنسبة لقطاعات واسعة من الفلسطينيين، كيانًا إداريًا وأمنيًا يدير شؤون الحياة اليومية تحت الاحتلال أكثر مما يقود مشروع تحرر وطني.

وفي ظل هذه المعطيات، يطرح كثير من المراقبين احتمال أن تكون الحركة الوطنية الفلسطينية المعاصرة، التي بدأت مع انطلاقة فتح عام 1965، تقترب من نهاية تاريخية. فالنموذج الذي قاد الفلسطينيين منذ منتصف الستينيات (أي نموذج منظمة التحرير وفتح والكفاح الوطني المعاصر) يبدو اليوم في حالة إنهاك عميق سياسيًا وتنظيميًا وشعبيًا.

وهنا يبرز شبح المقارنة مع المرحلة التي أعقبت النكبة عام 1948 وحتى انطلاقة فتح. ففي تلك السنوات عاش الفلسطينيون حالة تيه سياسي وتنظيمي، بعد انهيار المجتمع الفلسطيني وتوزعه بين المنافي واللجوء والاحتلال والأنظمة العربية. ولم يبدأ الفلسطينيون استعادة كيانهم السياسي المستقل إلا مع صعود منظمة التحرير وحركة فتح في منتصف الستينيات.

اليوم، يخشى كثيرون من دخول الفلسطينيين مرحلة تيه جديدة، وإن بصيغة مختلفة. فهناك سلطة بلا سيادة، ومنظمة تحرير متآكلة الشرعية، وحركة فتح منقسمة بين إرث ثوري قديم وبنية سلطة بيروقراطية، وانقسام جغرافي وسياسي دائم بين غزة والضفة، بينما تتقدم إسرائيل بسرعة نحو تكريس واقع يجعل إقامة دولة فلسطينية مستقلة شبه مستحيلة.

والأخطر أن هذا الواقع لا يرتبط فقط بصعود اليمين الإسرائيلي، بل بتحول أعمق داخل المجتمع والسياسة في إسرائيل نفسها. فاليوم يكاد يكون هناك إجماع إسرائيلي واسع (من اليمين والوسط وحتى تيارات من اليسار) على رفض العودة إلى حدود 1967 أو السماح بقيام دولة فلسطينية ذات سيادة حقيقية. قد تختلف الأحزاب الإسرائيلية في الأسلوب، لكنها تتفق عمليا على عدم تمكين الفلسطينيين من الاستقلال الكامل.

وقد تعزز هذا التوجه أكثر بعد حرب غزة الأخيرة، حيث صعدت داخل إسرائيل خطابات تدعو صراحة إلى إنهاء أي أفق لدولة فلسطينية مستقلة، وإعادة صياغة العلاقة مع الفلسطينيين باعتبارهم تجمعات سكانية تخضع لترتيبات أمنية واقتصادية لا مشروعًا وطنيًا مستقلًا. وفي هذا السياق لم تعد إسرائيل تتعامل مع السلطة الفلسطينية كشريك سياسي محتمل، بل كجهاز إداري وأمني مطلوب منه إدارة السكان ومنع الانفجار.

أما إقليميًا ودوليًا، فإن القضية الفلسطينية لم تعد تحتل المكانة التي احتلتها لعقود طويلة. فالعالم العربي يعيش أولويات مختلفة مرتبطة بالصراعات الداخلية والأزمات الاقتصادية والتحالفات الإقليمية، فيما يتجه النظام الدولي نحو إعادة ترتيب أولوياته بين الحرب في أوكرانيا والصراع مع الصين والأزمات الاقتصادية العالمية. وحتى الدعم الدولي التقليدي للفلسطينيين بات يركز أكثر على الجوانب الإنسانية والإغاثية لا على مشروع التحرر الوطني.

في ضوء كل ذلك، تبدو "العباسية" وكأنها آخر مراحل النظام السياسي الفلسطيني الذي تأسس بعد 1965، لا بداية مرحلة جديدة مستقرة. فمحمود عباس نجح في القضاء تنظيميًا على كثير من بقايا العرفاتية داخل فتح، لكنه لم ينجح في بناء مشروع وطني جديد قادر على إعادة إنتاج الشرعية الفلسطينية أو مواجهة التحولات الإسرائيلية والإقليمية العميقة.

ولهذا فإن السؤال الحقيقي لم يعد فقط: من سيرث محمود عباس؟ لكن ماذا سيبقى من فتح ومنظمة التحرير والسلطة بعد نهاية العباسية نفسها؟ وهل سيشهد الفلسطينيون إعادة تشكل لحركة وطنية جديدة كما حدث بعد نكبة 1948، أم أنهم سيدخلون مرحلة طويلة من الفراغ والتفكك السياسي في ظل واقع إسرائيلي يعمل بصورة منهجية على إنهاء أي إمكانية لقيام كيان فلسطيني مستقل؟

الكلمات المفتاحية

حساسية الإبادة غير المفرطة

حساسية الإبادة غير المفرطة

أعادت الإبادة تشكيل علاقة الغزيين بالكلمات، وحوّلت بضعة حروف إلى رصاص قادر على القتل كالطائرات تمامًا


قراءة في الانتخابات الإسرائيلية المقبلة

قراءة في الانتخابات الإسرائيلية المقبلة

منذ أكثر من عشرين عامًا، أثبت بنيامين نتنياهو قدرة استثنائية على الإفلات من كل الأزمات التي كان يعتقد أنها ستنهي مستقبله السياسي


ملامح أزمة جديدة في حركة فتح

ملامح أزمة جديدة في حركة فتح

تاريخيًا، كانت فتح تستفيد من كونها الحركة الوطنية الأكثر شعبية وحضورًا داخل مؤسسات السلطة ومنظمة التحرير، إلا أن هذا الامتياز لم يعد كافيًا في ظل الانقسامات التنظيمية التي تراكمت خلال السنوات الماضية


إعلان الرئيس الفلسطيني تحديد الانتخابات.. سؤال التوقيت

إعلان الرئيس الفلسطيني تحديد الانتخابات.. سؤال التوقيت

إعلان موعد الانتخابات يأتي في ظل تحديات داخلية لا تقل تعقيدًا عن التحديات الخارجية

جيش الاحتلال يعتقل شادي جمعة بعدما قضى 19 عامًا في سجون السلطة
أخبار

بعد 19 عامًا من اعتقاله لدى الأمن الفلسطيني.. الاحتلال يقدّم لائحة اتهام بحق شادي جمعة

الأسير شادي جمعة يقضي حكمًا بالسجن 20 عامًا في سجون السلطة الفلسطينية، وقد أفرج عنه مؤخرًا قبل أن يعلن الاحتلال اعتقاله في عملية خاصة.

انتهاك جديد بحق الأسرى المنوي الإفراج عنهم في صفقة التبادل المقبلة
أخبار

تقرير: الاحتلال يغلق عشرات التحقيقات الخاصة باستشهاد معتقلين من غزة

برر الجيش الإسرائيلي إغلاق الملفات بما وصفه بـ"صعوبات في جمع الأدلة"، رغم أن الوقائع حدثت داخل منشآت تخضع لسيطرته الكاملة.


أحزاب ألمانية تطالب إسرائيل بوقف تشريع عقوبة إعدام الأسرى الفلسطينيين
أخبار

"إسرائيل" تمهد لخطة بن غفير بإحاطة سجن للأسرى بالتماسيح

وزيرة حماية البيئة في حكومة الاحتلال أجرت تعديلًا على تعريف قانوني يتعلق بالحيوانات البرية، بهدف تجاوز اعتراض سلطة الطبيعة وتمكين نقل تماسيح إلى منشأة لاعتقال الفلسطينيين.

استطلاع "معاريف": تراجع الائتلاف الحاكم وصعود معسكر المعارضة إلى 61 مقعدًا
أخبار

استطلاع إسرائيلي: الائتلاف يتراجع إلى 48 مقعدًا والمعارضة ترتفع إلى 62

بيّن الاستطلاع استمرار تصدّر حزب "ياشار!" برئاسة غادي آيزنكوت المشهد السياسي بحصوله على 22 مقعدًا، متساويًا مع حزب الليكود الذي عزز تمثيله بمقعد إضافي.

الأكثر قراءة

1
مقابلات

خاص | محمود مرداوي: اتفاق على غالبية بنود مفاوضات القاهرة وإسرائيل تعطل التوصل لاتفاق


2
تقارير

الانتخابات التشريعية.. هل يصمد موعد نوفمبر أمام تحديات الانقسام والقدس وغزة؟


3
تقارير

شهادات لـ"الترا فلسطين": نساء بالضفّة يتعرضن للإرهاب الجنسي من المستوطنين


4
تقارير

قبل أن يحمل ابنته ويحرس عرين فلسطين.. رصاصة الاحتلال تُسقط حلم الحارس سليم الأشقر


5
تقارير

"بابا تعال عندنا".. آخر مكالمة بين مالك ووالده قبل استشهاده في دير البلح