فرض السيادة الإسرائيلية على المناطق "ب" في الضفة: ملف صحراء القدس
1 ديسمبر 2025
بتاريخ 28 حزيران/يونيو 2024، قررت الحكومة الإسرائيلية سحبت صلاحيات السلطة الفلسطينية في صحراء القدس (المصنفة منطقة "ب")، واعادتها الى السلطات الإسرائيلية ممثلة بالإدارة المدنية التي يسيطر عليها سموتريتش. وقد قدمت السلطة الفلسطينية التماسًا للمحكمة العليا الإسرائيلية لمنع تنفيذ هذا القرار، بينما ردت منظمة "ريغافيم" بالتماس مضاد لحث المحكمة على فرض تطبيق قرار الحكومة الإسرائيلية على الفور، على أن تبدأ بهدم مدرسة فلسطينية مقامة في الصحراء (كان من المتوقع أن يتم افتتاح المدرسة في بداية العام الدراسي 2025).
وقد ناقشت المحكمة الإسرائيلية العليا ملف صحراء القدس بالفعل، لكنها وبدلًا من البت في الموضوع قررت منح السلطة الفلسطينية مهلة حتى 12 كانون الأول/ديسمبر 2025 لتقديم تفسير حول إنشاء مدرسة في صحراء القدس وطالبتها بتقديم إجابات: لماذا أُنشئت المدرسة؟ هل البناء قانوني أم لا؟ هل هناك انتهاك لالتزامات السلطة؟ هذه المقالة تستعرض ملف "صحراء القدس"، تاريخها، مصيرها أثناء اتفاقيات أوسلو، دوافع إسرائيل في العودة لفرض السيادة عليها.
قررت المحكمة العليا الإسرائيلية منح الطرف الفلسطيني 30 يومًا للرد على التماس ريغافيم ضد مدرسة في صحراء القدس، ينتهي في 12 كانون الأول/ديسمبر 2025، وبعدها ستُتخذ القرارات بشأن استمرار الإجراءات القضائية
ما هي صحراء القدس؟
تمتدّ صحراء القدس من تخوم بيت ساحور شرقًا وصولًا إلى نهر الأردن، مشكلةً شريطًا صحراويًا واسعًا شرق مدينة القدس. يبلغ طول هذا الامتداد نحو 85 كيلومترًا (من الشمال إلى الجنوب) فيما يصل عرضه إلى حوالي 25 كيلومترًا (من الشرق إلى الغرب- انظر/ي الخارطة 1). وتُعدّ قمّة المنطقة القريبة من بلدة بني نعيم أعلى نقطة فيها بارتفاع يصل إلى نحو 970 مترًا فوق سطح البحر.
تضمّ المنطقة منظومة بيئية وطبيعية غنيّة، أبرزها 19 جدول مياه موسمي وثابت، من أهمها وادي القلط ووادي السيال، إضافة إلى خمس مغر أثرية واسعة وخمس مواقع تراثية بارزة. ورغم طبيعتها الوعرة، تحتضن الصحراء تجمعات رعوية فلسطينية صغيرة، وفي المقابل تشهد حضورًا متزايدًا لنشاطات استيطانية شبابية تُقام على شكل بؤر زراعية ورعوية.
وضعية الصحراء وفق اتفاقيات أوسلو؟
بعد توقيع اتفاقيات أوسلو الثاني عام 1995، جرى تقسيم الضفة الغربية إلى ثلاث مناطق تختلف في طبيعة الصلاحيات والسيطرة: منطقة "أ" التي تخضع بالكامل للسلطة الإدارية والأمنية الفلسطينية، منطقة "ب" التي تتمتع فيها السلطة الفلسطينية بصلاحيات إدارية فيما تبقى الصلاحيات الأمنية بيد إسرائيل، ومنطقة "ج" التي بقيت تحت السيطرة الإدارية والأمنية الإسرائيلية الكاملة، وكانت الحصص في نهاية العام 1995 كما هو مبين في الجدول 1.
الجدول (1): وضعية أراضي الضفة الغربية مع الانتقال من اتفاق أوسلو (1995) إلى اتفاق واي ريفير (1998)
| اتفاقيات أوسلو الثانية (1995) | اتفاقيات واي ريفير (1998) |
مساحة المنطقة أ | 3% | 18% |
مساحة المنطقة ب | 25% | 21% بشرط أن يكون 3٪ من المنطقة "ب" محميات طبيعية |
مساحة المنطقة ج | 72% | 61% |
المصدر: المركز الفلسطيني للدراسات الإسرائيلية- مدار
في مفاوضات واي ريفير عام 1998، وهي المفاوضات الأخيرة التي تم بموجبها ترسيم "الحصص" النهائية من أراضي الضفة الغربية، اندلع خلاف حول المساحات الإضافية التي كان يفترض نقلها إلى السلطة. فبينما وعد بنيامين نتنياهو في البداية بتحويل نحو 13% من الضفة الغربية، عاد وتراجع إلى 11% فقط، الأمر الذي اعتبره الجانب الفلسطيني انتقاصًا من التفاهمات.
حينها، لحل الخلاف، اقترح دينيس روس (المبعوث الأميركي وقتها) فكرة إدراج 2–3% كمحميات طبيعية تُنقل إداريًا للسلطة الفلسطينية، بحيث تبدو إضافة رقمية لمساحة السيطرة الفلسطينية، لكنها عمليًا مناطق محدودة الاستخدام وفق الأوامر العسكرية التي بموجبها قامت إسرائيل بإعلانها كمحمية طبيعية قبل أوسلو، ولا يحق للفلسطينيين تغيير تصنيفها أو تطويرها عمرانيًا.
وقد كان جزء من صحراء القدس من بين المناطق التي شملها هذا التصنيف باعتبارها منطقة "ب". وتنص مذكرة واي ريفير بوضوح على أن السلطة الفلسطينية ستحصل على نحو 3% إضافية من الضفة الغربية تحت تصنيف منطقة "ب"، لكنها ستبقى "مناطق خضراء" أو "محميات طبيعية" تُدار وفق معايير معينة بحيث تمنع البناء الجديد، لكنها تسمح بصيانة الطرق والمرافق القائمة، مع ضمان عدم المساس بالسكان المقيمين، بمن فيهم التجمعات البدوية.
وبموجب الاتفاق، تبقى لإسرائيل "المسؤولية الأمنية العليا" داخل هذه المناطق، بينما يسمح للشرطة الفلسطينية بالتحرك فيها بعد التنسيق. وبذلك، فإن الإدارة المدنية الإسرائيلية لا تملك صلاحية فرض سلطتها أو إجراءاتها التخطيطية داخل الجزء الذي تحول إلى منطقة "ب"، بينما تحتفظ السلطة الفلسطينية وفق الاتفاق بحق إدارته كمنطقة سياحية أو كمحمية طبيعية (ولكن بدون بناء وتخطيط سكني)، حسب ما تقرره هي.
الخارطة 1: محمية صحراء القدس وفق اتفاق واي ريفير 1998ب

كيف استعادة إسرائيل سلطتها على مناطق "ب" في محمية صحراء القدس؟
في 28 حزيران/يونيو 2024 اتخذت الحكومة الإسرائيلية قرارًا جديدًا يقضي بسحب صلاحيات الإنفاذ من السلطة الفلسطينية في الجزء الواقع من صحراء القدس المصنّف منطقة "ب"، والشروع بهدم ما تعتبره "بناءً فلسطينيًا متناميًا". عمليًا، يسمح القرار للإدارة المدنية والجيش بتنفيذ عمليات هدم وإزالة منشآت فلسطينية في صحراء القدس، ويمهّد لتطبيق سياسة مشابهة في مناطق "ب" أخرى، ما يعني توسيع نطاق السيطرة الإسرائيلية على حساب الصلاحيات الفلسطينية.
ثم بتاريخ 18 تموز/يوليو 2024، وقّع قائد المنطقة الوسطى في الجيش الإسرائيلي على أمرين عسكريين جديدين، يترجمان قرار الحكومة الإسرائيلية، وينقلان إلى إسرائيل صلاحيات تخطيط وبناء وإنفاذ هدم تتعلق بصحراء القدس كانت ممنوحة حصريًا للسلطة الفلسطينية بموجب اتفاقيات أوسلو ومذكرة واي ريفر لعام 1998.
الأمر الأول عبار عن تعديل على الأمر العسكري بشأن تطبيق الاتفاق المرحلي (الأمر العسكري رقم 7 للعام 1995)، والذي يمنح إسرائيل صلاحيات الإنفاذ والتخطيط والبناء داخل "المحمية الاتفاقية"، ويعيد للإدارة المدنية الإسرائيلية حق إصدار أوامر الهدم. يضع التنفيذ بيد "النائب المدني لرئيس الإدارة المدنية"، وهو موظف عينه سموتريتش لتوسيع سلطة المستوطنين على الضفة الغربية.
الأمر الثاني بنفس التاريخ جاء بعنوان "أمر منع البناء في المحمية"، والذي يحظر أي بناء فلسطيني جديد داخل المحمية الاتفاقية، ويعتبر كل بناء أُقيم بعد اتفاقية واي ريفر 1998 بناءً غير قانوني. يسمح الأمر للإدارة المدنية بهدم المباني والمنشآت الفلسطينية دون الحاجة لموافقة السلطة الفلسطينية، كما أن الأمر يستبعد الجيش من التنفيذ ويربط التنفيذ مباشرة بسلطات سموتريتش.
هذه القرارات تنقض تمامًا ما نصت عليه اتفاقيات أوسلو 1995 وواي ريفر 1998، التي أكدت أن الصلاحيات المدنية (التخطيط/البناء/الإنفاذ) في مناطق "ب" هي صلاحيات فلسطينية خالصة.
في ظل الحرب.. ما هو سياق دفع الحكومة الإسرائيلية إلى هذا الإجراء؟
يقف وراء القرار الإسرائيلي دوافع سياسية واستيطانية قادتها بالأساس منظمة "ريغافيم" التي أسسها سموتريتش، والتي لعبت دورًا مركزيًا في الدفع نحو توسيع السيطرة الإسرائيلية على صحراء القدس. فقد رحّبت المنظمة بالقرار واعتبرته خطوة لتعزيز "السيادة" والاستيطان و"استعادة المسؤولية" من السلطة الفلسطينية.
ومنذ تقريرها عام 2009، روّجت "ريغافيم" لروايات تزعم انتشار البناء الفلسطيني غير القانوني ووجود مناشر ومحاجر وطرق ومكبات نفايات، مع حديثها عن 500 مبنى عام 2020 في الصحراء، وارتفاعها الى حوالي 2000 مبنى عام 2022، رغم غياب الأدلة. هذه الادعاءات تسللت تدريجيًا إلى نقاشات الحكومة الإسرائيلية، وأسهمت في تشكيل سياسات عقابية ضد السلطة.
وفي صيف 2023، دفع سموتريتش داخل لجنة الخارجية والأمن باتجاه اعتبار أنشطة السلطة "أعمالًا سياسية معادية" والدعوة لخطة صهيونية لضبط الوضع. على هذا الأساس، جاء قرار الكابينيت 2024 بسحب صلاحيات الإنفاذ من السلطة ومنح الإدارة المدنية حق الهدم، تمهيداً لتوسيع السيطرة الإسرائيلية في مناطق "ب".
السلطة الفلسطينية تستأنف أمام المحكمة الإسرائيلية.. ماذا حصل؟
لم تنفذ القرارات العسكرية بالهدم على الفور بسبب وصول الملف إلى المحكمة العليا الإسرائيلية والتي ناقشت القضية في 12 تشرين الثاني/نوفمبر 2025. وقد جمعت الجلسة التماسين متعارضين: الأول مقدم من السلطة الفلسطينية تطالب بإلغاء إجراءات الهدم؛ والثاني مقدم من منظمة "ريغافيم" ومجلس جنوب استيطاني جبل الخليل يطالبون بتنفيذ قرارات الكابينيت وإزالة البناء الفلسطيني على الفور.
خلال المحكمة، جادل المحامي الحاضر عن السلطة الفلسطينية بأن أوامر الهدم غير قانونية، وتنتهك اتفاق "واي ريفير"، وتمسّ بحق الملكية للفلسطينيين (سابقًا، كانت المحكمة الإسرائيلية ترد قرارات حكومية فقط في حال ثبت انها تمس ملكيات خاصة)، وأضاف أن الرئاسة الفلسطينية تعمل على حماية الطبيعة ولديها خطة وطنية بيئية.
أما ممثل الدولة (أي النيابة العامة الإسرائيلية)، فأكد أن السلطة خرقت اتفاق "واي ريفير" بشكل فاضح، وأن قرار الحكومة الإسرائيلية الأخير من شأنه أن "يدخل تعديلات على اتفاق واي ريفير تسمح بإرجاع الصلاحيات لدولة إسرائيل وإصدار أوامر إزالة البناء غير القانوني".
أما مستشار ريغافيم القانوني، فقال إن المسألة سياسية وليست دستورية (بمعنى لا يحق للمحكمة البت فيها)، وأن معظم الأرض كانت خالية ومهجورة عند توقيع الاتفاق في 1998، وبالتالي الادعاء بوجود "حق ملكية" هو ادعاء ضعيف ويجب توجيهه للسلطة الفلسطينية التي "أخلّت بالتزاماتها". وأضاف أنه خلال السنوات الماضية تم بناء آلاف المباني وشق شبكة طرق في المنطقة بدعم من الاتحاد الأوروبي، كما تم بناء مدرسة جديدة رغم الشكاوى المتكررة من ريغافيم، دون تنفيذ أي إجراءات هدم.
في النهاية، قررت المحكمة منح الطرف الفلسطيني 30 يومًا للرد على التماس ريغافيم ضد المدرسة (ينتهي في 12 كانون الأول/ديسمبر 2025)، وبعدها ستُتخذ القرارات بشأن استمرار الإجراءات القضائية. ويمكن فهم قرار المحكمة بأن كل قضية صحراء القدس قد تم تلخيصها في "مصير مدرسة صغيرة"، على أن تنظر إسرائيل في كيفية قيام السلطة الفلسطينية بمعالجة بناء المدرسة (هدمه، إخلائه، أو تشغيله).
الكلمات المفتاحية

سفير واشنطن في تل أبيب: تهجير الفلسطينيين من قطاع غزة لا يزال خيارًا قائمًا
سفير الولايات المتحدة في تل أبيب: شعرت بخيبة أمل عندما قامت بعض الدول بإجراءات مثل الاعتراف بالدولة الفلسطينية رغم طلب أميركا عدم القيام بذلك

قراءة في تقرير إسرائيلي: ما هي البدائل الاستراتيجية أمام إسرائيل في غزة؟
نشر معهد أبحاث الأمن القومي الإسرائيلي دراسة تعالج الخيارات المتاحة أمام "إسرائيل" في إدارة قطاع غزة عام 2026.

عزمي بشارة: تأثير إسرائيل على ترامب بارز جدًا في الملف الفلسطيني
حول اللجنة اللجنة الإدارية في غزة، قال بشارة إنه رغم تشكيلها سيحاول نتنياهو بكل جهده إفشال المرحلة الثانية أو الموافقة على ما يريده منه، أي مواصلة الضغط على غزة

حوار عارف بكر | عن حرب لم تلتقطها الكاميرات.. كيف أبادت إسرائيل الثقافة في غزة؟
عارف بكر: المشهد الثقافي في غزة بعد حرب الإبادة يبدو مُثقلاً بالخسارة والغياب. العشرات من المواقع الأثرية والمراكز والمؤسسات الثقافية والمكتبات ودور النشر دُمّرت كليًا أو جزئيًا

البيت الأبيض يعلن تشكيل مجلس تنفيذي لـ"مجلس السلام" لغزة ويعيّن قائدًا لـ"قوة الاستقرار الدولية"
جرى تكليف نيكولاي ملادينوف، عضو المجلس التنفيذي، بمنصب "الممثل السامي لغزة"، فيما عُيّن الجنرال جاسبر جيفرز قائدًا لقوة الاستقرار الدولية

القطاع الصحي في غزة: كيف أعادت الحرب تعريف الخطأ الطبي؟
لم يكن الوصول إلى الرعاية الصحية في قطاع غزة يومًا مسألة مضمونة، لكن الحرب الأخيرة نزعت عنه ما تبقّى من يقين

المنازل الآيلة للسقوط.. تهديد مستمر بالموت في غزة
انهيار 49 مبنى بشكل كلي، منها أكثر من 20 مبنى انهار نتيجة المنخفضات الجوية، في الوقت الذي تعرض فيه أكثر من 110 مبانٍ للتدمير الجزئي، فيما وصلت أعداد ضحايا هذه المنخفضات إلى 27 ضحية

