فلسطين 2024 | قطاع غزة: بداية ونهاية بالدم والقتل والدمار والتهجير
28 ديسمبر 2024
ثقيلًا جدًا، مَرَّ عام 2024 على الفلسطينيين في قطاع غزة، مع استمرار حرب الإبادة الجماعية التي تواصلها إسرائيل بحقهم، منذ السابع من تشرين الأول/أكتوبر 2023، والتي راح ضحيتها ما يزيد عن 45 ألف شهيد، 70% منهم نساء وأطفال، وما يزيد عن 100 ألف مصابٍ، وآلاف المفقودين.
عام، سبقه ثلاثة أشهر، يصفها الغزيّون بأنه الأكثر قسوة ومرارة في حياتهم، أجبروا فيه قسرًا وتحت الرصاص ودوي القذائف على ترك منازلهم والعيش في خيام، لا تحميهم من حرارة الصيف ولا برد الشتاء، في ظروف مأساوية ينهشهم فيها الفقر والأمراض، وتلاحقهم أزمات معيشية لا متناهية.
2024.. عام غزة، من جوع ونزوح وإبادة العائلات وخطة الجنرالات وبداية ونهاية في تدمير المستشفيات
وعلى مدار العام، شهد قطاع غزة، واحدة من أعنف وأكثر الحروب دموية، خلال القرن الحالي، فيما كان أبرز معالم الحرب، النزوح المتكرر، من مكان إلى آخر، مع تدمير المستشفيات، ودخول شتاء آخر، وصولًا إلى الدمار الواسع، ومحاولات التهجير المستمرة، وسعي الاحتلال إلى تطبيق ما عرف باسم "خطة الجنرالات".
نزوح لا يتوقف
وفق الأرقام الأممية، فإن 9 من كل 10 أشخاص في غزة نزحوا مرة واحدة على الأقل، وبحسب الأمم المتحدة، نزح ما لا يقل عن 1.9 مليون شخص، أو حوالي 90 في المائة من السكان، في جميع أنحاء قطاع غزة، وصار تهجير الناس من مكان إلى آخر، أحد أدوات الجيش الإسرائيلي في هجومه على قطاع غزة.
وقالت منظمة "هيومن رايتس ووتش"، إن سلوك إسرائيل في قطاع غزة أدى إلى ارتفاع كبير لمعدل النزوح ما يرقى إلى تهجير قسري، وأكدت أن إسرائيل مسؤولة عن جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية في القطاع. مشيرةً إلى وجود أدلة على العديد من أعمال التهجير القسري في غزة ما يرقى إلى جرائم حرب، وإن مزاعم إسرائيل بشأن النزوح القانوني في القطاع الفلسطيني كاذبة.
وفي بداية الحرب، كان النزوح الكبير، يحدث من شمال القطاع إلى جنوب وادي غزة، كما وصف الاحتلال طريق النزوح في بياناته، ولكن النزوح الأبرز خلال العام، كان من رفح، التي نزح منها ما يزيد عن مليون غزي، في أيار/مايو، إلى وسط القطاع، نتيجة الهجوم الإسرائيلي عليها.
مجدي أبو ثرية (37 عامًا)، اضطر للنزوح من بيت لاهيا إلى جنوب القطاع برفقة عائلته المكونة من 35 فردًا، بحثًا عن الأمان في جنوب قطاع غزة، إلا أنه لم يجد ذلك هو وعائلته.
ويقول أبو ثرية لـ "الترا فلسطين"، اضطررنا للنزوح 8 مرات في جنوب قطاع غزة، بسبب ملاحقة الاحتلال لنا، فبعد نزوحنا إلى مدرسة في غزة توجهنا إلى النصيرات وهناك أجبرنا الاحتلال على النزوح لمنطقة الزوايدة ثم إلى دير البلح وبعد ذلك إلى شرق خانيونس ثم إلى وسطها، وبعدها إلى رفح ومن ثم العودة لخانيونس وانتهاء بالزوايدة. ويضيف أبو ثرية، للأسف في كل عملية نزوح نضطر إلى فك الخيام ونقل الأغطية والمستلزمات وهذا يحتاج إلى مبلغ 1000 شيكل على الأقل كأجرة نقل، عدا عن تكلفة إعادة بناء الخيام التي تلفت بسبب تكرار عملية نقلها وإعادة تركيبها.
ويقف أبو ثرية قرب دوار أبو سمرة في بلدة الزوايدة حائرًا وهو يبحث عن بضع كيلوات من الطحين لسد جوع أطفاله وأطفال أشقاءه، بعد ارتفاع ثمن كيس الطحين إلى 250 لـ 300 دولار بسبب تقنين مروره إلى قطاع غزة بسبب القيود الإسرائيلية.
ولادة بعيدة عن العائلة
تشير التقديرات إلى أن 46300 امرأة حامل في غزة يواجهن مستويات من أزمة الجوع. وتواجه نحو 155 ألف امرأة حامل ومرضعة تحديات حرجة في الحصول على الرعاية قبل الولادة وبعدها.
ووفق الأرقام الأممية، هناك واحدة من كل أربع نساء وفتيات في سن الإنجاب، وحوالي 572000 يحتجن إلى الوصول إلى خدمات الصحة الإنجابية. وفي شهر تشرين الأول/أكتوبر الماضي، مع مرور عام على الحرب، فقد أشارت التقديرات إلى أنه من المقرر أن تضع حوالي 5500 امرأة مولودها خلال الثلاثين يومًا، أي بمعدل أكثر من 160 ولادة كل يوم.
وتشير التقديرات إلى أن 840 امرأة قد يعانين من مضاعفات الحمل أو الولادة. وقد انقطعت العديد من هؤلاء النساء عن خدمات الولادة الآمنة حيث أصبحت المستشفيات مكتظة بالضحايا، ونفد الوقود للمولدات، وتفتقر إلى الأدوية والإمدادات الأساسية، بما في ذلك لإدارة حالات الطوارئ التوليدية.
وقالت ياسمين الباز (32 عامًا)، التي توشك على وضع مولودتها، لـ "الترا فلسطين"، "بقيت في غزة برفقة زوجي وأطفالي الثلاثة، فيما اضطرت عائلتي بالكامل للنزوح إلى جنوب القطاع بسبب قصف منزلهم، وأنا الآن في أشد لحظاتي حاجة لوجودهم إلى جانبي".
وأضافت الباز، عشت خلال شهور الحرب معاناة مركبة، فخلال شهور الحرب نزحت 8 مرات بسبب اقتراب دبابات الاحتلال من منزلي والأماكن التي كنا نتواجد بها، فيما لا زال يلاحقني هاجس مخيف حول صحة طفلتي بسبب عدم توفر الغذاء المناسب والرعاية الصحية، فخلال أشهر الحمل الأولى لم أكن أتناول سوى وجبة واحدة يوميًا من المعلبات أو الخبز المتيبس والمصنوع من الذرة وأعلاف الطيور المطحونة.
وتواصل الباز حديثها، منذ اندلاع الحرب قبل 14 شهرًا وأنا أحضر الطعام لأطفالي على نار الحطب بسبب عدم توفر الغاز، وأخشى أن يكون الدخان المنبعث من النيران قد أثر على صحة جنيني.
بدوره، حذر نيستور أوموهانغي، ممثل صندوق الأمم المتحدة للسكان في فلسطين من أن أكثر من 17 ألف امرأة حامل على حافة المجاعة، بينما تعيش 11 ألف امرأة حامل بالفعل في ظروف تشبه ظروف المجاعة.
وقال نيستور أوموهانغي في أعقاب زيارة أجراها في تشرين الأول/أكتوبر إلى قطاع غزة، إن سوء التغذية والقلق يعوقان الرضاعة الطبيعية لثلاثة أرباع الأمهات الجدد، في وقت لا يتوفر فيه حليب الأطفال. وأشار أوموهانغي إلى وجود 49 ألف امرأة حامل حاليًا، ومن المتوقع أن تلد 4000 منهن قريبًا، وقد فاقمت ندرة الرعاية قبل الولادة وبعدها مخاطر الإجهاض والوفيات أثناء الولادة.
ضحايا تحت الرادار
وفق الأمم المتحدة، أدت الحرب إلى تفاقم أزمة الصحة العقلية المستمرة في غزة، مما ألحق عواقب صحية نفسية شديدة ودائمة على السكان مما يستلزم استجابة شاملة وطويلة الأمد للصحة العقلية والدعم النفسي والاجتماعي.
وعلى صعيد آخر، قالت لويز ووتريدج، مسؤولة الطوارئ في الأونروا، إن " غزة لديها الآن أعلى عدد من الأطفال مبتوري الأطراف بالنسبة لعدد السكان في أي مكان في العالم. والأطفال هم من بين الأكثر تضررًا، حيث تسجل غزة الآن أعلى عدد من الأطفال مبتوري الأطراف بالنسبة لعدد السكان على مستوى العالم". مضيفةً: "يفقد الكثيرون أطرافهم. وفي سيناريوهات مثل هذه، يخضعون لعمليات جراحية بدون تخدير".
وبحسب وكالة الأونروا، أصيب ما يقرب من 26 ألف شخص بإصابات غيرت حياتهم خلال الأشهر الأربعة عشر الماضية، وكلهم يحتاجون إلى خدمات إعادة التأهيل، وخاصة لبتر الأطراف وإصابات النخاع الشوكي، وفقًا لمنظمة الصحة العالمية.
وأصبحت المستشفيات مثقلة بالمرضى، حيث يكافح الأطباء لعلاج الإصابات المهددة للحياة، ومنع العدوى، ومعالجة الأمراض القابلة للعلاج. ويتفاقم الوضع بسبب النقص الحاد في المواد الأساسية، بما في ذلك الأنسولين والحقن وأدوية السرطان.
ويحرم أكثر من 10 آلاف مريض بالسرطان في قطاع غزة من الحصول على الرعاية الطبية اللازمة. فيما يعد مرضى الكلى من ضحايا الحرب أيضًا، مع تنقلهم المتكرر في أنحاء قطاع غزة بحثًا عن مستشفى يقدم الخدمات العلاجية لهم، في ظل تدمير الاحتلال لعدة أقسام تقدم العلاج.
نجاة الحلبي (58 عامًا) أجبرت على النزوح من منزلها في مخيم الشاطئ شمال غرب مدينة غزة في بداية الحرب برفقة أحد أبنائها، بسبب حاجتها لعمليات غسيل الكلى، بسبب معاناتها مع مرض الفشل الكلوي، فيما بقي غالبية أفراد عائلتها في مدينة غزة.
تصف الحلبي في حديث مع "الترا فلسطين"، عام 2024 بأنه أسوأ عام مر في حياتها، وتقول: "فقدت فيه أعز الناس على قلبي، أبوي وأختي وأخوي وزوجته وأطفال أخوي الأيتام، وبيتي تضرر كثير". وتضيف الحلبي، "تعبت كثير من الحياة داخل الخيمة"، مشيرةً إلى أنها عانت كثيرًا بسبب كثرة النزوح بحثًا عن مستشفى قريب يوفر خدمة غسيل الكلى.
وتتمنى الحلبي أن تنتهي الحرب مع نهاية هذا العام، وأن تعود إلى منزلها ولقاء ما تبقى من عائلتها هناك، كما تحلم بأن تعود غزة جميلة كانت من قبل وأن تجلس مجددًا على كورنيش البحر برفقة صديقاتها.
من جانبه، قال مدير المستشفيات الميدانية في وزارة الصحة بغزة مروان الهمص لـ "الترا فلسطين"، إنه يتم تسجيل حالات وفاة بصورة يومية في صفوف أصحاب الأمراض المزمنة بسبب عدم توفر الخدمة الصحة الملائمة، خاصة مرضى الفشل الكلوي ومرضى السرطان.
وذكر الهمص أن عدد المرضى الذين يحتاجون للعلاج في الخارج، بلغ 25 ألف مريض، منهم 14 ألفًا، جهزت ملفاتهم بالكامل إلا أن الاحتلال الاسرائيلي يرفض السماح لهم بالسفر.
وبين أن الاحتلال يسمح بالتنسيق مع منظمة الصحة العالمية وبعض الدول، بالسفر ما نسبته مريض إلا ربع يوميًا من المرضى الأطفال المصابين بالسرطان، لـ"ذر الرماد في العيون"، معربًا عن أسفه من أن هؤلاء المرضى يموتون بصمت تباعًا في قطاع غزة دون تلقي أي خدمة صحية تتناسب مع حالتهم.
خطر المجاعة
كانت مجازر الطحين، التي تكررت، واحدة من معالم الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة، ولم تظهر هذه المجازر للعالم، الموت الكثير في القطاع، لكنها أظهرت الجوع والأجساد الهزيلة، وهي تبحث تحت الرصاص عن كيس طحين، بدلًا من طحن الأعلاف.
في منتصف كانون الأول/ديسمبر، قالت منظمة أوكسفام الخيرية إن 12 شاحنة فقط من أصل 34 شاحنة محملة بالغذاء والمياه سمح لها بالدخول إلى شمال غزة خلال الأسابيع العشرة الماضية، ووزعت على المدنيين الفلسطينيين الجائعين؛ بسبب "التأخير المتعمد والعراقيل المنهجية" من قبل الجيش الإسرائيلي.
وكتبت منظمة أوكسفام: "بالنسبة لثلاثة من هذه المهمات، بمجرد توصيل الطعام والماء إلى المدرسة التي لجأ إليها الناس، تم تطهيرها وقصفها في غضون ساعات". مشيرةً إلى "انتهاك إسرائيل العلني للقانون الدولي واستخدامها المجاعة بلا هوادة كسلاح في الحرب".
وفي شهر تشرين الثاني/نوفمبر، حذرت لجنة مراجعة المجاعة المستقلة، وهي لجنة تضم خبراء عالميين في مجال الأمن الغذائي، في تنبيه نادر من أن هناك "احتمالًا قويًا بأن المجاعة وشيكة في مناطق" شمال قطاع غزة.
وحذر المستشار الإعلامي لوكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين "الأونروا" في غزة، عدنان أبو حسنة، من كارثة إنسانية غير مسبوقة في القطاع، مؤكدًا أن أكثر من 90% من سكان غزة يعانون من سوء التغذية بسبب الانهيار الحاد في الأوضاع الصحية والاقتصادية.
وأوضح أبو حسنة، في تصريحات لـ"الترا فلسطين"، أن هذا الوضع أدى إلى انعدام المناعة الفردية لدى السكان، مما ساهم في انتشار أمراض خطيرة مثل التهاب الكبد الوبائي، والتهاب السحايا، والالتهابات الصدرية والمعوية، التي أصابت مئات الآلاف من سكان غزة. وأشار إلى أن المواطن الغزي فقد القدرة على مقاومة أي من الأمراض.
وأكد أبو حسنة، أن القطاع يشهد "مجاعة حقيقية" تضرب شماله وجنوبه، في ظل تقنين الاحتلال الإسرائيلي لدخول المساعدات الإنسانية، حيث يسمح بدخول ما يعادل 6% فقط من احتياجات السكان، مما أدى إلى نقص كبير في المواد الغذائية الأساسية، كالطحين، والأدوية، والمياه.
وأشار أبو حسنة إلى أن مخزون وكالة الأونروا من الطحين وحليب الأطفال أصبح شحيحًا للغاية، حيث لا تكفي المواد الغذائية المتوفرة سوى لأيام قليلة، موضحًا أن ما يصل إلى مستودعات الأونروا يُوَزَّع على الفور دون أي احتياطي. كما أضاف أن كمية حليب الأطفال المتوفرة تكاد تكفي لبضعة أسابيع فقط، مما يفاقم من معاناة الأمهات والأطفال.
وبينما كان نتنياهو يتحدث أمام العالم، عن إدخال المساعدات إلى قطاع غزة، وكان يحتسب السعرات الحرارية التي تصل إلى القطاع المحاصر، مثلما فعل في خطابه أمام "الكونغرس"، فقد أقر المتحدث باسم الجيش الإسرائيلي، أن "رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو طلب منه أن يسلط الضوء باللغة الإنجليزية على المساعدات الإنسانية التي دخلت قطاع غزة". فيما كانت إسرائيل تسعى إلى تحويل إدخال المساعدات إلى ورقة مساومة سياسية، سواء في المفاوضات بهدف تبادل الأسرى، أو في ما يعرف في ترتيبات "اليوم التالي".
وأظهرت تحليلات صور الأقمار الصناعية التي أجرتها الأمم المتحدة، أن أكثر من 90% من الماشية نفقت، وأن نحو 70% من الأراضي المخصصة لزراعة المحاصيل في غزة دمرت أو تضررت منذ بداية الحرب في القطاع.
وتسببت القيود الإسرائيلية إلى ارتفاع ثمن كيس الطحين وزن 25 كيلو غرام إلى 850 لـ 1000 شيكل (250 لـ 300 دولار تقريبًا)، وارتفاع ثمن كيلو الأرز من 6 شواكل لـ 28 شيكلًا، وهذا الأمر ينسحب على كافة المواد الغذائية الأخرى، الأمر الذي دفع المواطنين إلى تقليل عدد وجباتهم اليومية، فيما يعتمد عدد كبير من النازحين في غذائهم على الوجبة المجانية التي تقدمها المطابخ العامة "التكيات" بسبب عدم مقدرتهم على شراء الطعام بسعر مضاعف.
وبحسب مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (أوتشا)، فإن وصول المساعدات الإنسانية إلى القطاع يواجه عراقيل كثيرة، ومن أصل 423 حركة مساعدات إنسانية تم التنسيق لها مع السلطات الإسرائيلية في الفترة من الأول إلى 20 تشرين الأول/أكتوبر الماضي، تم تسهيل 151 حركة فقط، ورُفضت 189، وعطلت البقية. وفيما يتعلق بحركة وصول المساعدات إلى شمال القطاع، قال المكتب الأممي إنه تم تسهيل 4 حركات فقط من أصل 66 حركة مخططًا لها في ذات الفترة.
وبحسب المكتب الإعلامي الحكومي، فإن جيش الاحتلال قتل خلال الحرب على غزة 722 شخصًا من عناصر تأمين المساعدات في إطار فرض معادلة تجويع المدنيين والأطفال والنساء، وذلك بعد قتل 13 عنصرًا خلال تأمين وصول المساعدات في 12 كانون الأول/ديسمبر الجاري.
وبين المكتب أن "كمية المساعدات التي يسمح الاحتلال بدخول جزء بسيط منها، لا يغيث سوى أقل من 5% من حاجة أبناء شعبنا الفلسطيني في قطاع غزة للغذاء والمساعدات التموينية والمواد الغذائية على مدار جريمة الإبادة الجماعية".
وبالتزامن مع ذلك، "تواطؤ" الاحتلال مع عصابات سرقة المساعدات التي تتمركز في المناطق التي يسيطر عليها جيش الاحتلال ناريًا، إذ تنفذ فيها عمليات سرقة كبيرة للشاحنات، وصلت في مرات عدة إلى أكثر من 100 شاحنة، كما في ورد في تحقيق لـ"الترا فلسطين".
وفي تشرين الثاني/نوفمبر، أكدت وكالة "الأونروا"، أن ما يسمح الاحتلال الإسرائيلي بإدخاله من الطحين والمواد الغذائية إلى قطاع غزة لا يُلبّي حاجة 6 في المئة من السكان، ما تسبب بأزمة حادة في الحصول على الخبز.
قصف مراكز الإيواء والمناطق الإنسانية
ومنذ بداية الحرب على قطاع غزة، تواصل قوات الاحتلال قصف مراكز الإيواء والمدارس التابعة للأونروا والتي تضم مئات الآف النازحين، الأمر الذي أدى إلى فقدان الشعور بالأمان لدى جميع العائلات النازحة داخل هذه الأماكن.
وفي أول ثلاثة أيام من الأسبوع الثالث من شهر كانون الأول/ديسمبر 2024 وحده، قصفت طائرات الاحتلال بالصواريخ أربعة مدارس تأوي آلاف النازحين في قطاع غزة، وهي مدرسة العائلة المقدسة والماجدة وسيلة في غزة، ومدرسة خليل عويضة في بيت حانون، ومدرسة أحمد عبد العزيز بخانيونس، ما أسفر عن وقوع عشرات الضحايا.
وبحسب المكتب الإعلامي الحكومي، فإن جيش الاحتلال الإسرائيلي ارتكب مجزرة فظيعة بحق مدرسة خليل عويضة التي تؤوي نازحين في بلدة بيت حانون شمال قطاع غزة، واستشهد فيها أكثر من 43 شهيدًا، ليرتفع عدد مراكز النزوح التي استهدفها الاحتلال إلى أكثر من 213 مركزًا للإيواء والنزوح منذ بداية الحرب.
من جانبها، وثّقت مفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان، وقوع تسع هجمات حتى الآن خلال شهر كانون الأول/ديسمبر 2024، ضد مدارس تأوي نازحين في قطاع غزة. ووُثّقت 95 حادثة انطوت على هجمات على مبانٍ مدرسية، معظمها تُستخدم كمراكز إيواء للنازحين، بما فيها 61 حادثة في محافظة شمال غزة، وذلك في الفترة الواقعة بين 6 تشرين الأول/أكتوبر و15 كانون الأول/ديسمبر 2024. وفي يومي 14 و15 كانون الأول/ديسمبر وحدهما، تعرضت أربع مدارس للقصف.
"لا مكان آمن في غزة"، كانت جملة أساسية في عشرات وربما مئات التصريحات التي صدرت عن منظمات حقوقية وأممية، أكدت كلها على أن كافة قطاع غزة تحت نيران الاحتلال، ووصف العيش في القطاع بأنه "حياة في فخ الموت".
وصارت المناطق الإنسانية، كما توصف، منطقة لارتكاب المجازر، وبالأخص في المواصي، التي دعا الاحتلال الناس للنزوح إليها، وارتبكت فيها عشرات المجازر، كان أبرزها مجزرة المواصي في تموز/يوليو المنصرم، مع العلم أن 10% من مساحة قطاع غزة يسميها الاحتلال الإسرائيلي بـ"مناطق إنسانية"، ويمكن تقليصها بأوامر عسكرية في أي وقت.
وقال مسؤول أممي: "منطقة إنسانية في غزة؟ لا يوجد شيء من هذا القبيل. كل مكان يمكن أن تشتعل فيه النيران من أي اتجاه طوال الوقت. في أوكرانيا هناك جبهة، الجبهة تتحرك، ولكن السكان لديهم الوقت للهروب من أجل الحصول على استجابة إنسانية لاحتياجاتهم. هنا، فر السكان إلى المواصي في جنوب قطاع غزة، ولكن هناك أيضًا هجمات، كل شيء مأساوي للغاية".
إبادة العائلات
وعلى مدار حرب الإبادة، انتشر مصطلح "تم مسح العائلة بالكامل من السجل المدني"، ويقصد بهذه العبارة مقتل جميع أفراد العائلة بالقصف الإسرائيلي.
وتعد "إبادة العائلات" من أسوأ ظواهر الحرب الإسرائيلية على غزة، حيث مسحت الآلاف من العائلات من السجل المدني الفلسطيني. وبحسب آخر احصائية للمكتب الإعلامي الحكومي والتي نشرتها في الأول من تشرين الثاني/نوفمبر، فإن دولة الاحتلال ارتكبت 7160 مجزرة بحق عائلات قطاع غزة، 1410 عائلة منهم مسحت بالكامل من السجل المدني، و3463 عائلة تبقى منها ناجٍ واحد فقط، و2287 عائلة تبقى منها أكثر من ناجٍ واحد.
وبحسب المكتب الإعلامي، فإن عائلة النجار تعد أكثر عائلة فقدت عددًا من أفرادها وعددهم 520 فردًا، تليها عائلة المصري التي فقدت 287 فردًا، تليها عائلة عاشور والتي فقدت 217 فردًا، ثم عائلة حجازي التي فقدت 199 فردًا، وعائلة عوض التي فقدت 198.
تدمير المستشفيات
عمدت قوات الاحتلال إلى اتباع سياسة منهجية في تدمير مستشفيات قطاع غزة سعيًا لإسقاط المنظومة الصحية، كما يقول مدير المستشفيات الميدانية بوزارة الصحة في غزة مروان الهمص لـ "الترا فلسطين".
وأوضح الهمص، أن الاحتلال الاسرائيلي دمر منذ بداية الحرب، 65 لـ 70% من المنظومة الصحية، لكن لا تزال الطواقم الطبية تقف على أقدامها وتقدم الخدمة لأبناء شعبنا.
وذكر أن عدد المستشفيات العاملة في قطاع غزة هي 12 مستشفى غالبيتها تعمل بصورة جزئية، من أصل 37 مستشفى كانت عاملة قبل الحرب.
وبين الهمص، أن الاستهداف الإسرائيلي للمنظومة الصحية والطواقم الطبية أسفر عن ارتقاء 1056 شهيدًا، وقرابة 4500 مصابًا، و330 معتقلًا بينهم ستة شهداء داخل سجون الاحتلال.
وأشار الهمص إلى أن الاحتلال حول مستشفى الصداقة التركي الوحيد المخصص في قطاع غزة لمرضى السرطان، إلى مقر قيادة للجيش حيث يقع المستشفى ضمن ما يسمى محور نتساريم، كما تم تدمير وإخراج جميع مستشفيات مدينة رفح عن الخدمة، فيما بقي مستشفى كمال عدوان وحيدًا في محافظة شمال غزة يصارع من أجل استمرار تقديم الخدمة بحدها الأدنى في ظل الاستهداف المتواصل والمستمر بحقه.
أطفال بلا تعليم
وأدت الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة، إلى حدوث شلل كامل في العملية التعليمية وحرمان ما يزيد عن 600 ألف طفل من الالتحاق بمدارسهم للعام الثاني على التوالي، فيما اتجه عدد كبير من هؤلاء الأطفال إلى العمل لتوفير أساسيات الحياة لعائلاتهم، فيما حظي عدد قليل منهم بفرصة جزئية لتلقي التعليم من خلال المبادرات الفردية والمجتمعية التي انتشرت في مخيمات النازحين.
ووفقًا لوزارة التربية والتعليم العالي الفلسطينية، حتى نهاية أيلول/سبتمبر 2024، تعرضت 122 مدرسة وجامعة دمرت كليًا و334 مدرسة وجامعة دمرت بشكل جزئي. وبينت الوزارة أن مؤسسات التعليم العالي عانت من مصير مماثل، إذ تم تدمير 31 مبنى جامعي بالكامل. بالإضافة إلى ذلك، دُمر 55 مبنى جامعي جزئيًا، مما أدى إلى عدم تمكن 88 ألف طالب و5 آلاف أستاذ من الالتحاق بجامعاتهم والوصول إليها.
وأودى العدوان الإسرائيلي بحسب الوزارة بحياة أكثر من 10449 من طلبة المدارس، وأكثر من 613 طالبًا جامعيًا، و419 مدرسًا وموظفًا مدرسيًا، و111 موظفًا ومحاضرًا جامعيًا، بالإضافة إلى ذلك، أصيب 16250 من طلبة المدارس و1389 طالبًا جامعيًا.
وفي تقرير نشرته مفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان، في 17 كانون الأول/ديسمبر، فقد كشف تقييم أعدته مجموعة التعليم، بناءً على صور الأقمار الصناعية التي جُمعت في 1 كانون الأول/ديسمبر 2024، أن ما يقرب من 88 بالمائة من المباني المدرسية في قطاع غزة (496 من أصل 564 مدرسة) تعرَّضت للقصف المباشر أو لحقت بها الأضرار، وباتت الآن في حاجة إلى إعادة بناء بالكامل أو إعادة تأهيل شاملة، لكي تعاود عملها من جديد. وبينت أن من بين هذه المدارس 55 بالمائة، أي ما عدده 275 مدرسة حكومية، وثلثها 161 مدرسة تابعة للأونروا، و12 بالمائة، ما عدده 57 مدرسة خاصة. وتُعزى هذه الزيادة بشكل رئيسي إلى زيادة عدد المدارس التي طالها القصف المباشر، ولا سيما في محافظة شمال غزة، حيث تقع 11 مدرسة من أصل 18 مدرسة جرى تحديدها على أنها تعرّضت للقصف المباشر خلال الأشهر الثلاثة المنصرمة.
وتقول كاثرين راسل المديرة التنفيذية لليونيسف: "لا ينبغي أن تكون المدارس على خطوط المواجهة في الحرب، ولا ينبغي أن يتعرض الأطفال للهجوم العشوائي أثناء بحثهم عن مأوى. إن الأهوال التي نشهدها في غزة تشكل سابقة مظلمة للإنسانية، حيث يتعرض الأطفال لقصف بالقنابل بأعداد قياسية أثناء بحثهم عن الأمان داخل الفصول الدراسية. لقد أصبحت الصدمة والخسارة هي القاعدة اليومية بالنسبة لهم".
لكن الحرب في غزة، تتجاوز كل ما سبق، إذ صارت صراعًا على الوجود المادي المباشر، إذ قالت وكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (الأونروا)، إن 14500 طفل فلسطيني قتلوا منذ بدء الحرب الإسرائيلية على القطاع في تشرين الأول/أكتوبر الماضي.
وأوضحت الأونروا: "يُقتل طفل واحد كل ساعة. هذه ليست أرقامًا، بل هي أرواح تُقطع قبل أوانها. لا يمكن تبرير قتل الأطفال. أولئك الذين نجوا من الموت يعانون من ندوب جسدية وعاطفية. محرومون من التعليم، يبحث عن الأولاد والبنات في غزة بين الأنقاض. الوقت يمر بسرعة بالنسبة لهؤلاء الأطفال. إنهم يخسرون حياتهم ومستقبلهم ومعظم آمالهم".
شلل الأطفال
في آب/أغسطس، رصدت أول حالة إصابة في فيروس شلل الأطفال، كان هذا الفيروس الذي انتهى في الثمانينات، قد عاد إلى القطاع نتيجة العدوان الإسرائيلي المستمر، في ظل انعدام الصرف الصحي وغياب الرعاية الصحية الأولية، وتدمير البنية التحتية للمنظومة الطبية.
وبعد اكتشاف الفيروس في قطاع غزة، وإثبات أول حالة إصابة فيه، انطلقت المناشدات الدولية للتوصل إلى اتفاق وقف إطلاق نار، بهدف إطلاق جولة من التطعيم، لمحاصرة الفيروس قبل انتشاره.
وبعد أسابيع من الضغوط الدولية والمفاوضات، وافقت حكومة نتنياهو، على ما وصفته بـ"الهدن التكتيكية"، التي تنفذ في مناطق معينة وضمن ساعات محددة، بهدف إطلاق حملة التطعيم، بشكلٍ تدريجي في قطاع غزة، ومع ذلك نفذ طيران الاحتلال عدة غارات في محيط مراكز التطعيم.
دمار واسع
بعد مرور عام على الحرب، قال مركز الأقمار الصناعية التابع للأمم المتحدة "يونوسات"، إن ثلثي المباني في قطاع غزة "دُمّرت أو تضررت" في الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة.
وأوضح مركز "يونوسات"، أن الصور عالية الدقة التي تم جمعها يومي 3 ثم 6 أيلول/سبتمبر الحالي أظهرت تدهورًا واضحًا، حيث تبين أن 66 في المئة من المباني في قطاع غزة لحقت بها أضرار كلية أو جزئية.
وبيّن مركز "يونوسات"، أن 52 ألفًا و564 مبنى دُمرت بالكامل، و18 ألفًا و913 مبنى تضررت بشدة، و35 ألفًا و591 مبنى تضررت هياكلها، بينما 56 ألفًا و710 أبنية لحقت بها أضرار متوسطة.
وتشير التقديرات إلى أن التدمير الكبير، حدث في مخيم جباليا، وأكد المعلق العسكري لصحيفة "هآرتس"، عاموس هارئيل، أن الدمار الذي أحدثه جيش الاحتلال الإسرائيلي في مخيم جباليا شمال قطاع غزة لا يُشبه ما حدث في القرى الحدودية في جنوب لبنان، ولا في منطقة محور صلاح الدين/فيلادلفي على امتداد الحدود بين غزة ومصر، ولا في قلب مخيم جنين خلال "عملية السور الواقي" في عام 2002.
وأظهرت صور التقطتها الأقمار الصناعية لمدينة جباليا ونشرت مؤخرًا أن مخيم اللاجئين الأكبر في قطاع غزة تعرض لتدمير شبه كامل نتيجة للنشاط العسكري الإسرائيلي. وتشير الصور، التي نشرتها صحيفة "هآرتس" الإسرائيلية، إلى أن المنطقة التي كان يعيش فيها أكثر من 116 ألف لاجئ في ظروف مزدحمة للغاية، لم تعد صالحة للسكن، حيث تظهر عشرات الآلاف من المنازل المدمرة أو المتضررة بشدة والبنية التحتية الأساسية في حالة خراب.
خطة الجنرالات ومحاور تقسيم القطاع
في بداية أيلول/سبتمبر الماضي، ظهرت عدة أنباء عن ما عرف لاحقًا باسم "خطة الجنرالات"، وخطة من إعداد ضباط كبار في خدمة الاحتياط، في جيش الاحتلال، وتتكون الخطة من مرحلتين، بهدف دفع عناصر الفصائل الفلسطينية إلى "الاستسلام أو الموت"، وتقوم على التهجير القسري من الشمال وفرض حصار عسكري عليه.
وتنص الخطة الإسرائيلية، على إعلان المنطقة الواقعة شمال محور "نتساريم"، الذي يفصل بين شمال قطاع غزة وجنوبه، منطقة عسكرية مغلقة، وإجبار نحو 300 ألف فلسطيني يتواجدون في شمال القطاع على النزوح خلال أسبوع واحد فقط. وتفترض "خطة الجنرالات"، أن هذا الحصار سيجبر المقاتلين الفلسطينيين على الاختيار بين الاستسلام أو الموت. أما المرحلة الثانية من "خطة الجنرالات" ستُسْتَنْسَخ العملية التي نُفِّذَت في الشمال على باقي أنحاء قطاع غزة.
الخطة التي ساهم بشكلٍ كبير في العمل عليها، غيورا آيلاند، مستشار الأمن القومي الإسرائيلي السابق، تسببت في جدل كبير حول العالم، ورغم نفي الجيش الإسرائيلي تبني الخطة، وتراجع آيلاند عنها لاحقًا، لصالح تنفيذ صفقة تبادل بشكلٍ عاجل.
وبعد 10 أيام من بداية الهجوم الإسرائيلي على جباليا ومناطق شمال قطاع غزة، أكد المحلل العسكري لصحيفة "هآرتس"، أن جيش الاحتلال بدأ بتطبيق "خطة الجنرالات" في شمال قطاع غزة. وقال عاموس هارئيل حينها، إن "هناك توجهًا سياسيًا إسرائيليًا يدفع نحو إجبار سكان شمال قطاع غزة على النزوح باتجاه الجنوب، حيث تتدخل أحزاب اليمين المتطرف في القرارات بالتعاون مع ضباط احتياط، وقادة الوحدات العسكرية المنتشرة في القطاع".
وأكدت صحيفة "هآرتس" الإسرائيلية، في افتتاحيّتها يوم 10 تشرين الثاني/نوفمبر، أنّ الجيش الإسرائيلي ينفذ "عملية تطهير عرقي" في شمال قطاع غزة، تشمل تهجير السكان القليلين المتبقين بالقوة، وتدمير منازلهم والبنية التحتية، وفتح طرق عريضة في إطار خطة تهدف لفصل مناطق شمال القطاع عن مدينة غزة.
وبعدها بأيام، تناول تقرير تحليلي نشر في صحيفة "هآرتس" الإسرائيلية، مقالة تتناول الواقع في قطاع غزة، تحت الاحتلال الإسرائيلي، بعنوان "العالم يرفض خطة الجنرالات الإسرائيلية بشأن غزة، لذا يحاول الجنرالات الالتفاف عليها"، مشيرًا إلى أن رئيس شعبة الاستخبارات العسكرية السابق في جيش الاحتلال، يعتقد بأن الجيش الإسرائيلي "سوف يقوم خلال السنوات القادمة بتقسيم غزة واستخدام هذه الشرائح في شن غارات على المناطق المأهولة بالسكان".
ووفق تقرير إسرائيلي، فالحديث يدور الآن عن 3 دوائر حصار في قطاع غزة، وتطبق عليها كافة أنواع القيود. أولًا، القطاع بأكمله محاصر، فلا يدخله أو يخرج منه أحد إلا بقرار من جيش الاحتلال. ويفرض حصار آخر على كامل شمال قطاع غزة، من منطقة وادي غزة إلى الشمال، بما في ذلك مدينة غزة. وفرض جيش الاحتلال مطلع تشرين الأول/أكتوبر حصارًا آخر وأشد شمال قطاع غزة، في محيط مدن جباليا وبيت حانون وبيت لاهيا. ووصفه أحد مسؤولي الأمم المتحدة بأنه "حصار داخل حصار داخل حصار".
واحدة من معالم هذا الحصار، كان محور نتساريم، الذي نُشرت عنه أول التقارير في منتصف أيار/مايو الماضي، إذ قام جيش الاحتلال بالسيطرة على ما كان سابقًا يُعرف باسم مستوطنة نتساريم، إذ قام بتحصين وبناء قواعد والاستيلاء على المباني وتدمير المنازل بشكلٍ متواصل، ويبلغ طول ممر نتساريم 6.4 كليومترات، ويمتد من شرق إلى غرب غزة، وطوليًا بنفس المسافة تقريبًا.
وعلى مدار أشهر الحرب، أظهرت صور أقمار صناعية جديدة، نشرت بشكل متتابع، إقدام جيش الاحتلال على توسعة ممرّ نتساريم الذي يقسم قطاع غزة إلى قسمين شمالي وجنوبي. وفي 10 تشرين الثاني/نوفمبر، نشرت صحيفة "يديعوت أحرونوت" الإسرائيلية، تقريرًا لمراسلها للشؤون العسكرية، يوآف زيتون، تناول فيه ممر نتساريم الذي يفصل شمال قطاع غزة عن جنوبه، وأقام الاحتلال فيه منشآت عسكرية ثابتة ومعتقلات ومراكز قيادة. وجاء تقرير الصحيفة الإسرائيلية عن محور نتساريم تحت عنوان: "هوائي شركة سيلكوم وخط المياه الجديد والمعبر رقم 3.. أكبر منطقة إسرائيلية في غزة- نظرة من الداخل".
وورد في التقرير، القول: إنّه "بهدوء شديد، وفي ظل تحويل قطاع غزة إلى جبهة ثانوية، وبينما يقبع المختطفون في الأنفاق، تحوّل ممر نتساريم الفاصل بين شمال قطاع غزة وجنوبه، من ورقة مساومة في المفاوضات إلى جيب إسرائيلي طوله 8 كيلومترات وعرضه 7 كيلومترات، يحتوي على مواقع عسكرية دائمة، وسلسلة من الصواري التي رفعت عليها الأعلام الإسرائيلية، كما بدأ الجيش الإسرائيلي تنفيذ خطة مماثلة لتوسيع محور فيلادلفيا (جنوب القطاع) وإنشاء معبر كيسوفيم لأول مرة منذ عام 2005".
وفي الأيام الأخير من الشهر الجاري، أظهر تحليلٌ أجرته صحيفة "واشنطن بوست" لصور الأقمار الصناعية عالية الدقة، أن جيش الاحتلال الإسرائيلي هدم أحياء كاملة، وأقام تحصينات عسكرية، وأنشأ طرقًا جديدة، في شمال قطاع غزة بعد إخلاء أهلها منها.
وبحسب ما نشرت "واشنطن بوست"، يوم الإثنين، فإن الأدلة المرئية تُظهر أن ما يقرب من نصف مخيم جباليا للاجئين تم هدمه في الفترة من منتصف تشرين الأول/أكتوبر حتى منتصف كانون الأول/ديسمبر، ونتيجة لذلك تم ربط طريق قائم في الغرب بمسار مركبات موسع في الشرق، وبالتالي إنشاء محور عسكري جديد يمتد من البحر إلى السياج الحدودي بين قطاع غزة ومنطقة الغلاف.
ويقول المحللون، إن إنشاء هذا الممر، وتطهير مساحات من الأرض على جانبيه، وبناء مواقع استيطانية محمية على شكل مربع، يشبه ما فعله جيش الاحتلال في منطقة محور نتساريم وسط قطاع غزة، إلا أن المحور الذي تم إنشاؤه حديثًا ربما يهدف إلى فصل أقصى شمال قطاع غزة عن مدينة غزة.
وتحولت محاور نتساريم وصلاح الدين/فيلادلفي، إلى عقدة وقضية نقاش دائمة في مفاوضات صفقة التبادل ووقف حرب غزة، وفي الوقت نفسه، تحول محور نتساريم، إلى محور موت بالنسبة لأهالي قطاع غزة، وبحسب ما نشر في صحيفة "هآرتس"، قال ضباط إسرائيليون خدموا في محور نتساريم وسط القطاع، إن جيشهم يقتل بالرصاص كل فلسطيني يقترب من المنطقة ولو كان طفلًا أو غير مسلح، ويترك الكلاب بعدها لتنهش جثثهم. وأشار التحقيق الإسرائيلي، إلى أن جيش الاحتلال يقتل كل من يقترب من المحور، حتى لو كان حاملًا للعلم الأبيض.
ووفق تحقيق هآرتس، فإنه "من بين 200 جثة، تم التأكد من أن 10 فقط هم أعضاء في حماس"، فيما قال جنود الاحتلال: إن "أي شخص يعبر خطًا وهميًا في ممر نتساريم يتم إطلاق النار عليه حتى الموت، حيث يتم اعتبار كل ضحية فلسطينية إرهابية - حتى لو كانت طفلة".
شتاء آخر
في 25 تشرين الثاني/نوفمبر، مع وصول أول منخفض شتوي إلى قطاع غزة، أشار المكتب الإعلامي الحكومي إلى أن قرابة 10000 خيمة جرفتها مياه البحر وتعرضت للتلف بسبب دخول فصل الشتاء.
وحينها، أشار المكتب إلى أن ما نسبته 81% من خيام النازحين أصبحت غير صالحة للاستخدام، وذلك بعد تلف واهتراء 110000 خيمة من أصل 135000 خيمة بحاجة إلى تغيير واستبدال فوري عاجل نتيجة اهتراء هذه الخيام تمامًا، ونتيجة دخول المنخفضات الجوية وفصل الشتاء وجرف أمواج البحر لآلاف الخيام.
وفي مطلع تشرين الأول/أكتوبر الماضي، ضمن تحديث صادر عن مكتب تنسيق الشؤون الإنسانية في الأراضي الفلسطينية المحتلة (أوتشا)، حُذر من أن تلبية الاحتياجات الإنسانيّة لأكثر من 2.1 مليون شخص خلال موسم الأمطار يتطلب وصولًا إنسانيًا دون عوائق إلى غزة وعبرها.
وفي تشرين الثاني/نوفمبر الماضي، قال مفوض وكالة "الأونروا"، فيليب لازاريني، إن الشتاء في غزة يعني موت مزيد من الفلسطينيين ليس فقط بسبب الغارات الجوية والأمراض والجوع، بل وهم يرتجفون من البرد أيضًا، خاصة من الفئات الأكثر ضعفًا، مثل كبار السن والأطفال.
وخلال شهر كانون الأول/ديسمبر، أعلن عن وفاة الطفلة الرضيعة عائشة القصاص (20 يومًا)، داخل خيمة في مواصي خانيونس، نتيجة البرد الشديد، وبعد أقل من أسبوع توفيت الطفلة سيلا محمود (14 يومًا) أيضًا في خيمة نزوح في مواصي خانيونس، وخلال ساعات توفي الطفل الرضيع علي عصام صقر (23 يومًا)، والطفل علي حسام عزام (4 أيام)، والطفل جمعة البطران (30 يومًا)، وبعد ساعات توفي شقيقه التوأم نتيجة البرد علي البطران. كما توفي الممرض أحمد الزهارنة، نتيجة البرد، في ذات المكان.
ومع بداية الشهر الأخير في العام، قالت مسؤولة الاتصالات في اليونيسف روزاليا بولين: "لقد حل الشتاء الآن على غزة. الأطفال يشعرون بالبرد وحفاة الأقدام. ولا يزال العديد منهم يرتدون ملابس الصيف. ومع نفاد غاز الطهي، يبحث الكثيرون بين الأنقاض عن قطع بلاستيكية لحرقها. وتدمر الأمراض أجساد الأطفال الصغيرة في حين تعاني المستشفيات من الفقر وتتعرض للهجوم المستمر. والرعاية الصحية في حالة يرثى لها: فالمستشفيات تفتقر إلى الأدوية والإمدادات الطبية والأطباء. ويتفاقم هذا الوضع بسبب استمرار انقطاع التيار الكهربائي شبه الكامل، مما يجعل المستشفيات والبنية الأساسية الحيوية الأخرى تعتمد بالكامل على واردات الوقود الضئيلة".
وأوضح مسؤول أممي: "وتيرة تقديم المساعدات وتحويلها إلى المحتاجين بطيئة للغاية. بالمعدل الحالي، سيستغرق الأمر أربع سنوات حتى نوزع الخيام على كل من يحتاج إليها".
قصة إبادة معلنة
خلص تحقيق لمنظمة العفو الدولية، إلى أن "إسرائيل ارتكبت وما زالت ترتكب جرائم إبادة جماعية ضد الفلسطينيين في قطاع غزة المحتل". وبعد بضعة أيام، صرح المركز الأوروبي للحقوق الدستورية وحقوق الإنسان أنه بعد البحث والتحليل، خلص إلى أن "هناك حجة قانونية سليمة مفادها أن إسرائيل ترتكب جرائم إبادة جماعية ضد الفلسطينيين في غزة".
وبعد أيام قليلة من ذلك، أعلنت منظمة هيومن رايتس ووتش إن "السلطات الإسرائيلية مسؤولة عن جريمة ضد الإنسانية تتمثل في الإبادة وأعمال الإبادة الجماعية"، وذكرت منظمة أطباء بلا حدود أن "فرقها الطبية في شمال غزة ترى علامات واضحة على التطهير العرقي". وفي وقت سابق من شهر تشرين الثاني/نوفمبر، خلصت هيومن رايتس ووتش إلى أن تصرفات إسرائيل في غزة ترقى إلى "جرائم حرب" و"جرائم ضد الإنسانية"، ويبدو أنها "تتفق أيضًا مع تعريف التطهير العرقي". وأصدرت المحكمة الجنائية الدولية مذكرات اعتقال بحق بنيامين نتنياهو ويوآف غالانت، في تشرين الثاني/نوفمبر، بتهمة ارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية.
هذا عرض موجز، لـ"إبادة معلنة"، ما تزال قائمة في قطاع غزة، تتكثف مع مرور الأيام، ودخول فصل الشتاء، وتصعيد العدوان على شمال القطاع، الذي كانت واحدة من صوره، إحراق مستشفى كمال عدوان، وخروج مديره الطبيب حسام أبو صفية، أمام دبابات الميركافا، ليعتقله الاحتلال.
الكلمات المفتاحية
هآرتس: أوامر عسكرية مرتقبة لترخيص 100 بؤرة زراعية استيطانية بالضفة الغربية
العديد من هذه البؤر الزراعية الاستيطانية متورطة في تهجير تجمعات الرعاة الفلسطينيين، في الوقت الذي أعلنت فيه بريطانيا فرض عقوبات على اتحاد المزارع الاستيطانية، الذي ينسق نشاطها ويوفر الدعم لها
تقرير: 56% من ضحايا المتفجرات في العالم نتيجة القصف الإسرائيلي
تقرير: 90% من إجمالي الهجمات على عمليات الإغاثة الإنسانية حول العالم وقعت في الأراضي الفلسطينية خلال 2025
تقرير إسرائيلي: واشنطن قصفت إيران للضغط لا للتصعيد
قالت القناة 12 الإسرائيلية، إن الهدف الأساسي من الضربات الأميركية الأخيرة على إيران، يتمثل في تعزيز الضغط الأميركي في إطار المفاوضات مع طهران
حماس: سلّمنا ردّ الفصائل على ورقة ملادينوف بشأن غزة
أكدت حماس أن الفصائل الفلسطينية تعاملت مع خارطة الطريق الخاصة بتطبيق المرحلة الثانية من خطة ترامب بمستوى عالٍ من المسؤولية والإيجابية.
الاحتلال يعاود قصف الضاحية الجنوبية لبيروت بعد أسبوع على التصعيد
يزعم الاحتلال أن قصف الضاحية الجنوبية جاء ردًّا على استهداف مواقع إسرائيلية في شمال فلسطين المحتلة بمسيّرات لحزب الله.
بعد 24 عامًا من الاعتقال.. استشهاد الأسير عماد سرحان في سجون الاحتلال
سلطات الاحتلال أبلغت عائلة الأسير سرحان باستشهاد نجلها في السجن، مشيرة إلى أنه تعرض لنوبة قلبية يوم أمس.
رئيس "أرض الصومال" يزور "إسرائيل" لافتتاح سفارة بالقدس وسط تنديد واسع
وصل رئيس إقيلم "أرض الصومال" الانفصالي عبد الرحمن محمد عبد الله، اليوم الأحد، إلى "إسرائيل"، في زيارة رسمية هي الأولى من نوعها.