فلسطين 2024 | مراجعة سياسية.. جمود وانتظار في عام الإبادة
30 ديسمبر 2024
عام من الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة، لم يكسر الجمود السياسي الفلسطيني، ورغم تحرك ملفات عديدة عالقة، وعقد حوارات واجتماعات عدة، إلّا أنّها لم تنعكس على المجال العام الفلسطيني، كما أنها لم تذهب إلى "حلحلة" في هذه الملفات.
ومن استبدال الحكومة في السلطة الفلسطينية، وصولًا إلى "إصلاحها" أو "تجديدها"، كما طرح الأمر أميركيًا، وحتى لقاءات المصالحة في العاصمة الصينية بكين، ومرسوم خلافة رئاسة السلطة، والنقاش المستمر عن "لجنة الإسناد المجتمعي في قطاع غزة"، وحتى الاشتباكات الأخيرة في مخيم جنين، كلها أحداث سياسية، تحدث في ظل الحرب، دون انعكاسات فعلية في الواقع.
مصالحة واتفاق معلق وحكومة جديدة بأزمة مستمرة وجمود في النظاق السياسي.. جولة "الترا فلسطين" في الأحداث السياسية الفلسطينية خلال عام 2024
ولعل نظرة أولية على غالبية هذه الأحداث، تشير إلى أن الدافع خلفها، سواء باستبدال الحكومة، أو حتى توقيع اتفاقية المصالحة، وصولًا إلى "لجنة الإسناد المجتمعي في قطاع غزة"، ضغوط دولية وإقليمية، تسعى إلى تحريك في هذه الملفات، باختلاف الدوافع والأهمية، دون رغبة حقيقية عند المستوى السياسي في إنجاز هذه القضايا.
تبديل حكومات.. حديث عن الإصلاح دون رغبة
منذ تشرين الثاني/نوفمبر 2023، وقضية إصلاح السلطة الفلسطينية تطرح من الولايات المتحدة الأميركية، إذ عبر الرئيس الأميركي جو بايدن، في مقال نُشر بـ"الواشنطن بوست"، عن رغبته في وجود سلطة متجددة، بهدف حكم الضفة الغربية وقطاع غزة بعد الحرب، أو ضمن "اليوم التالي".
وبعد عام، تحدثت وسائل إعلام، عن طرح وزير الخارجية الأميركية المنتهية ولايته أنتوني بلينكن، لـ"خطة لليوم التالي"، وهي نقاشات أميركية وإقليمية مستمرة، تبلورت في الخارجية الأميركية، دون طرحها بشكلٍ علني.
خلال هذا العام، أعلن رئيس وزراء السلطة الفلسطينية السابق، محمد اشتية، عن استقالة حكومته، بعد خمسة أعوام من بداية عملها. وفي خطاب الاستقالة، قال اشتية: إن قرار الاستقالة جاء على ضوء المستجدات و"السعي لجعل السلطة الفلسطينية، سلطة إدارية أمنية وبلا محتوى سياسي". وبعد استقالة اشتية، قال المتحدث باسم الخارجية الأميركية، ماثيو ميلر، إن "واشنطن ترحب بالتغيير في السلطة الفلسطينية، وتعتبرها خطوة مهمة لإعادة توحيد غزة والضفة الغربية تحت إدارتها".
وفي نهاية آذار/مارس 2024، أدت الحكومة الفلسطينية الجديدة التاسعة عشرة برئاسة محمد مصطفى، اليمين الدستورية أمام رئيس السلطة محمود عباس. ونُظر لهذه الحكومة، باعتبارها "استجابة جزئية لضغوط إصلاح/تجديد السلطة الفلسطينية". إذ ذهب محمد اشتية عضو مركزية حركة فتح والمسؤول المالي فيها، وجاء محمد مصطفى، المقرب من عباس، ورئيس صندوق الاستثمار وهو أحد "الصناديق السوداء"، كما توصف، نظرًا لغياب شفافية المعلومات عنه، إذ يضم الصندوق أموال منظمة التحرير وعدة استثمارات عامة.
وعند طرح تجديد/إصلاح السلطة، فإن الأمر ارتبط في محاولة أميركية لمعالجة "مخاوف" إسرائيل، وهو أمر غير مؤكد في المحصلة، بينما على المستوى العملي والمباشر ارتبط في قدرة السلطة على حصول دعم مالي.
وبينما أكدت حكومة مصطفى عن رغبتها بإجراء إصلاحات داخلية، وهذه ما أعلنته الحكومة بعد مرور أقل من شهر على تشكيلها. اقترح مصطفى، خطة لـ"اليوم التالي"، عبر مقالة نشرها في صحيفة "الواشنطن بوست"، تبدأ بإعادة هيكلة جهاز الشرطة في قطاع غزة. وقبلها، نشر مقالة في مجلة "الإيكونومست"، تحدث فيها عن رغبة في إصلاح السلطة الفلسطينية، مع العلم بأن مصطفى مُقل في الظهور عبر وسائل الإعلام العربية. كما أفادت صحيفة "بلومبرغ"، عن وجود خطة قدمت من قبل السلطة الفلسطينية، لإعادة إعمار القطاع.
اقرأ/ي: رئيس الوزراء وغزة.. هذا ليس نقاشًا عن الحكومة
وفي حزيران/يونيو، تحدث مسؤول فلسطيني عن طلب إدارة بايدن، من السلطة الفلسطينية، تقديم خطة تفصيلية لـ"إدارة قطاع غزة، في اليوم التالي للحرب".
وبعد 4 أشهر من تشكيل الحكومة، أعلنت المفوّضية الأوروبية، أنّها ستقدّم 400 مليون يورو كدعم ماليّ طارئ للسلطة الفلسطينية، على شكل منح وقروض، على ثلاث دفعات، وربطتها بتنفيذ إصلاحات. حينها، في نفس البيان الذي أشار إلى توقيع الاتفاقية، المنشورة على موقع الاتحاد الأوروبي، لم تشر وكالة الأنباء الرسمية، إلى هذا الربط.
وفي بيانها، أوضحت المفوّضية الأوروبية، في بيان، أنّها وقّعت خطاب نوايا مع السلطة الفلسطينية يحدد استراتيجية تهدف لمعالجة موقفها المالي وميزانيتها. وأشارت إلى أن توقيع الاتفاقية مع السلطة الفلسطينية يأتي وسط مخاوف من احتمال انهيار السلطة، مع تفاقم وضعها الماليّ الحرج. وبيّنت أنّ الدفعات ستبدأ في يوليو/ تموز وتستمرّ حتى أيلول/ سبتمبر المقبل، بحسب التقدّم في تنفيذ برنامج الإصلاحات للسلطة الفلسطينية.
وفي أيلول/سبتمبر، كشفت مصادر لـ"الترا فلسطين"، أن المفاوضات حول إصلاحات السلطة الفلسطينية لم تنته، وإنما رُحِّلَت الأزمات. وحينها، قال دبلوماسي أوروبي لـ "الترا فلسطين"، إن تحويل الدفعة الثانية من المساعدات الأوروبية "لا يعني أن كل شيء على ما يرام، لكننا نريد إعطاء فرصة أكبر للحكومة الفلسطينية للمضي قدمًا في الإصلاحات التي وعدت بالقيام بها، ووقعت عليها".
وحينها، أكدت مصادر فلسطينية خاصة لـ "الترا فلسطين"، أن أبرز الإصلاحات التي كانت على طاولة المفاوضات مع الاتحاد الأوروبي تتعلق بالتعديل على المناهج، وقطاع الأمن، وتحويل مستحقات أسر الشهداء والجرحى والأسرى إلى نظام التنمية الاجتماعية.
لكن مستشار الائتلاف من أجل النزاهة والمسائلة "أمان"، عزمي الشعيبي، قال إن "الإصلاح ارتبط منذ عام 1999 وحتى اليوم بتأجيل الملف السياسي وإنهاء الاحتلال وتقرير المصير للشعب الفلسطيني وإغلاق ملف مفاوضات أوسلو بنهاية مقبولة".
وبحسب الشعيبي، فإن "هذا الملف قديم جديد"، مضيفًا لـ"الترا فلسطين": أنه "طوال هذه المدة الإصلاح لم يكن في معظم الحالات ينبع من إرادة حقيقية، وإنما كان مطلبًا من الأطراف الدولية لشراء المزيد من الوقت؛ لأن الإسرائيليين كانوا يرفضون تطبيق أي اتفاق أو الدخول بمفاوضات جديدة".
وتابع الشعيبي في معرض توضيح ما جرى هذه الفترة، أنه منذ بدء حرب الإبادة الجماعية على غزة، بدأ الحديث في الإقليم ولدى الإدارة الأميركية والاتحاد الأوروبي، بأن السلطة يجب عليها تحسين نفسها وتجديد نفسها؛ لأن إسرائيل غير راضية عنها.
واستمر الشعيبي في القول: "رافق ذلك الأزمة المالية التي تعاني منها السلطة بسبب الحصار المالي وتراجع المساعدات الدولية وتوقف التجارة الداخلية بسبب أزمة رواتب الموظفين، وكل هذه الأمور، تزيد من حاجة السلطة للمساعدات المالية، بالإضافة إلى موضوع تأجيل الحل السياسي، وهذا دفع بالمجتمع الدولي إلى نفس النغمة، وهي أنكم بحاجة إلى إصلاحات، والسلطة قبلت بذلك مقابل الحصول على مساعدات. أي أن موضوع الإصلاح غير نابع من دوافع حقيقية للإصلاح؛ وإنما بسبب حاجة مالية في الأزمة الأخيرة".
وأردف الشعيبي أن "الدول المانحة كانت تقول سوف أعطيك مقابل تنفيذ أجندة كذا وكذا، وتقدم السلطة لهم أجندة بدلًا من خطط إصلاح، لتنفيذها مقابل شروط وإعادة التمويل للسلطة أو تأمين بعض الاحتياجات".
وأكد الشعيبي، أن الحكومة الـ19 الجديدة، أي حكومة محمد مصطفى، لم تتمكن من الخروج من الأزمة المالية وتسير بنفس الطريق من حيث أجندة الإصلاح، ولا نشاهد جدية حقيقية في موضوع الإصلاح؛ لأن من يريد أن يصلح يعرف بأن هذا يحتاج إلى عمل مشترك وآليات عمل تكون ذات ثقة من الناس ومعتمدة من جهة وطنية، في غياب المجلس التشريعي لاعتمد خطط الإصلاح، أو مؤتمر وطني يُقر هذه الخطط، ولم يتم التشاور مع مؤسسات المجتمع والقوى السياسية لتحديد أجندة الإصلاح، بل "يجلسون كفنيين وفقًا لضغوط دولية وليس رغبة بالتنفيذ".
واستعرض الشعيبي سلسلة من أجندة الإصلاح التي كان من الأصل أن يحدث فيها عمليات تغيير من بينها تقليل فاتورة الرواتب والتي على العكس كانت تزيد، وعدم الإصلاح في بند صافي الإقراض الذي يتعلق بديون الكهرباء والمياه وفاتورة العلاج عند إسرائيل، والبند المتعلق بعدد القوات الأمنية، وإصلاح قانون الخدمة المدنية، وقانون حق الحصول على المعلومات، وتعديل قانون التقاعد، وتحويل القضاء من هيئة مستقلة إلى مسيطر عليها من القوة التنفيذية، وغيرها من الموضوعات مثل التنمية الاجتماعية والتحويلات الطبية وقضايا التعليم.
وفي تموز/يوليو، تسلمت السلطة الفلسطينية من إسرائيل عائدات المقاصة لثلاثة أشهر، وأقر البنك الدولي بدفع 300 مليون دولار للسلطة، بموجب تفاهم أميركي إسرائيلي لمنع انهيار السلطة، بما يتفق مع الرؤية الأميركية لـ"اليوم التالي لحرب غزة"، بحسب ما ورد في "العربي الجديد".
يشار إلى أن عدة دولة إقليمية تنشط في طروحات اليوم التالي، من بينها الإمارات التي قدمت خطة لـ"السلطة الفلسطينية"، وأعربت عن استعدادها للمساهمة في قوات دولية تذهب إلى قطاع غزة، بشرط وصول الطلب لها من السلطة.
وكانت معالم هذا الأمر، قد ظهرت في الاجتماعات السداسية مع وزير الخارجية الأميركي، وضمن التحضير للقمة العربية، في أيار/مايو، وأكدت مصادر لـ"العربي الجديد"، أن الاجتماعات التحضيرية التي عُقدت في المنامة، للتحضير للقمة العربية، تم تعديل قراراتها المتعلقة بالدعم المالي لموازنة السلطة الفلسطينية، بناء على تحفظ شديد اللهجة أبدته الإمارات، ما أدى إلى شطب البنود التي تحفظت عليها الإمارات من قرار اللجنة التحضيرية للاجتماع؛ وبالتالي لن تكون هذه البنود موجودة في القرارات النهائية التي صدرت عن قمة البحرين. وكل البنود كانت مرتبطة في دعم السلطة الفلسطينية، وشبكة الأمان المالي الخاصة بها.
وخلال الاجتماع السداسي في العاصمة الرياض، في نيسان/أبريل، شن وزير الخارجية الإماراتي عبد الله بن زايد هجومًا على السلطة الفلسطينية متهمًا إياها بالفساد وأن الحكومة الجديدة برئاسة محمد مصطفى ليست أكثر من تبديل وجوه، وأن السلطة عبارة "عن علي بابا والأربعين حرامي"، وفق ما ورد.
مصالحة في بكين بدون جديد
استمرت جولات المصالحة الفلسطينية في عواصم العالم، لكن هذا العام تحت وقع حرب الإبادة الإسرائيلية على قطاع غزة، حطت الفصائل الفلسطينية في الصين التي اجتمع فيها 14 فصيلًا فلسطينيًا، ووصلوا إلى اتفاق في 23 تموز/يوليو في العاصمة الصينية. وذلك، بعد أسابيع من فشل الاجتماعات الأولى، نتيجة رفض رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس الصيغة المقترحة. ووفق مصادر تحدثت لـ"الترا فلسطين"، فإن الفشل جاء نتيجة ضغوط أميركية على السلطة.
خرج المجتمعون باتفاق على ورقة مكوّنة من 8 بنود، ركّزت على أهمية الوحدة الوطنية الشاملة، وأحقيّة الشعب الفلسطيني في مقاومة الاحتلال الإسرائيلي، وتشكيل حكومة توافق وطني. حيث كانت صورة الاتفاق هي المشهد الأبرز الذي ألمح إلى إمكانية تحقيق الوحدة الفلسطينية.
مع ذلك، لم يُحرز أي تقدم في تنفيذ بنود اتفاق بكين، حيث بقي ذلك مرهونًا بتشكيل هيئة تنفيذية تتولى الإشراف على تنفيذ الاتفاق ووضع الآليات اللازمة لذلك. هذه الهيئة يُفترض أن تنبثق عن اجتماع الأمناء العامين للفصائل ومنظمة التحرير، والذي من المقرر أن يدعو إليه رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس.
لكن عباس لم يعلن عن دعوة انعقاد اجتماع الأمناء العامين قط، بل تجاهل في كل حديث واجتماع له ذكر أي شيء حول "اتفاق بكين" الذي لم يرق له منذ اليوم الأول، وعبّر عن استياءه الشديد لوفد حركة فتح الذي وقع الاتفاق، و"عاقب الجميع بتجاهل الاتفاق والمتفقين".
وقال عضو المكتب السياسي للجبهة الديمقراطية، أركان بدر في حديث لـ "الترا فلسطين": "رغم مطالباتنا المتكررة للرئيس محمود عباس بالدعوة لعقد اجتماع الإطار القيادي المؤقت، وتنفيذ اتفاق بكين، إلا أن ذلك لم يتم حتى الآن. وهذا التأخير أدى إلى تعميق حالة الانقسام الوطني، وكان له تداعيات خطيرة، منها ما يجري في مخيم جنين من عملية عسكرية للسلطة منذ أكثر من ثلاثة أسابيع، وتعطيل تشكيل حكومة الوفاق الوطني التي كانت ستمنع مثل هذه الأحداث".
وعن سبب عدم تجاوب عباس مع مطالب تنفيذ الاتفاق، أجاب بدر: "هناك آذان صاغية للضغوط الخارجية العربية أو الدولية، وخاصّة من الولايات المتحدة التي لا ترغب في تحقيق مصالحة وطنية تمت برعاية صينية... الرئيس لم يستجب لاعتبارات هو أدرى بها، لكنها في المحصّلة خارجة عمّا اتفقنا عليه، لذلك نكرر دعوتنا للرئيس بالاستجابة لضرورة عقد اجتماع الأمناء العامين وقيادة منظمة التحرير؛ لتحقيق الوحدة الوطنية، وإنهاء الانقسام، والضغط الجماعي من أجل وقف حرب الإبادة وفكّ الحصار عن غزة".
وفي إجابته حول شكل الردود التي تتلقاها الجبهة الديمقراطية على "مناشدة" رئيس السلطة وحركة فتح لتنفيذ بنود الاتفاق منذ ستة أشهر، قال بدر: "تصلنا ردود على شاكلة ’سندرس الأمر، سنتابع الموضوع’، وهي وعود وردود لا ترقى إلى مستوى الالتزام الفعلي، ونحن لا نطلب شيئًا من خارج الاتفاق، بل نطالب فقط بتنفيذ ما تم التوافق عليه، بدءًا من عقد اجتماع الأمناء العامين".
وأضاف: "لا بديل عن اتفاق بكين؛ لأنه ترجمة عملية لحوارات فصائلية سابقة في القاهرة وموسكو، وتطبيق مخرجات هذا الاتفاق، السبيل الوحيد لتحقيق الوحدة الوطنية وإنهاء الانقسام، مما يتيح معالجة التحديات الكبرى التي تواجه الشعب الفلسطيني على رأسها محاولات إسرائيل تصفية القضية الفلسطينية".
وقبل اتفاق بكين، بأسبوع تقريبًا، قالت رئاسة السلطة الفلسطينية، إن حركة حماس "شريكٌ في تحمل المسؤولية القانونية والأخلاقية والسياسية عن استمرار حرب الإبادة الإسرائيلية في قطاع غزة بكل ما تتسبب به من معاناة ودمار لقتل شعبنا"، وفي حينها تزامن البيان مع مجزرة مواصي خانيونس.
وفي أعقاب الاتفاق، بقيت الأمور معلقة حتى الآن، بينما كشف موقع "الترا فلسطين"، عن محاولة تقارب بين حركة فتح، وتيار محمد دحلان، عبر مفاوضات، تسعى إلى "مصالحة داخلية فتحاوية".
2024.. العام الاقتصادي الأسوأ في تاريخ السلطة الفلسطينية
بالرغم من سعي الحكومة الفلسطينية لتنفيذ رغبات الدول المانحة بإجراء إصلاحات داخلية تضمن عودة تدفق المساعدات، ووقف الاقتطاعات الإسرائيلية من أموال المقاصة، إلا أن الوضع الاقتصادي على أرض الواقع شهد مزيدًا من التدهور.
وقال عضو الفريق الأهلي لدعم شفافية الموازنة مؤيد عفانة، إن عام 2024 كان الأسوأ في تاريخ الاقتصاد الفلسطيني، وذلك بناءً على مؤشرات كمية، وليس انطباعات أو مشاهدات. وأفاد في حوار مع "الترا فلسطين"، بأنه في عام 2024 واصلت إسرائيل الاقتطاع من أموال المقاصة وتراكمت للسلطة الفلسطينية على إسرائيل 8 مليار شيقل مع ختام هذا العام.
وتابع عفانة، أن ديون السلطة والتزاماتها ارتفعت تجاه الموردين والبنوك والقطاع الخاص وباقي الفئات إلى 43 مليار شيقل، وهذا الرقم الأكبر في تاريخ السلطة الفلسطينية. وأردف في تفصيل الواقع الاقتصادي، بالقول: "دخلنا موازنة 2024 بعجز مالي لم يسبق له مثيل بقيمة 6.8 مليار شيقل، رغم أنه يجب أن لا يكون هناك عجز في الموازنة العامة، ولكن ذلك حصل بسبب وجود فجوة بين النفقات والإيرادات وبسبب الاحتجازات الإسرائيلية من أموال المقاصة".
وفي معرض حديثه عن بعض المؤشرات الاقتصادية، قال عفانة إن الناتج المحلي الإجمالي تراجع بنسبة 35% في بداية العام واستمر التراجع حتى نهاية عام 2024، وتبعًا لتقديرات البنك الدولي فقدنا 26% من الإنتاج الحقيقي في فلسطين خلال العام. وأضاف أن البطالة ارتفعت لتصل إلى نسبة 50% من إجمالي القوى البشرية العاملة في فلسطين والنسبة الأكبر في قطاع غزة، ولكن زادت في الضفة الغربية، حيث فقدنا ما يقارب نصف مليون وظيفة ما بين الضفة وغزة، وفي الضفة الغربية كان لدينا خسارة كبيرة وفقدنا 200 ألف فرصة عمل في الداخل.
وتابع عفانة، أن "دورة الأعمال حدث فيها انكماش حاد، وفي الضفة الغربية تراجعت دورة الأعمال خاصة في المشاريع الصغيرة والمشاريع متناهية الصغر، وتضررت بشكل كبير". وقال إن في الضفة الغربية نشأ ما يسمى باقتصاد المعازل، حيث أن هناك 750 بوابة وحاجز تحيط بالمدن والقرى والمخيمات ما خلق تقييدات على حركة التجارة وزيادة الخسارة لدى التجار وتخفيض الأرباح.
وختم عفانة، في إيجاز الحالة الاقتصادية، بالقول: إن الحكومة واصلت دفع الرواتب ناقصة للموظفين العموميين وتراكم للموظفين على الحكومة أكثر من مليار ونصف دولار أي حوالي 5.5 مليار شيقل، ومن المتوقع أن يتواصل دفع رواتب مجتزئة.
وطوال العام الماضي، شهدنا أزمة فائض الشيكل في البنوك الفلسطينية، إذ ترفض البنوك الإسرائيلية استقبال التحويلات النقدية بالشيكل منذ بداية الحرب، مما أدى إلى أزمات عدة، مثل رفض البنوك الإيداع النقدي بالشيكل، وانعكس على قطاع المحروقات بالأساس.
بالإضافة إلى مرور عام، شهدنا فيه قيام سموتريتش وبشكلٍ متكرر بتأجيل الموافقة المعتادة على إقامة علاقة بين البنوك الإسرائيلية والفلسطينية، إذ كان يرفض تمديدها لفترات طويلة، رغم الضغوط الأميركية والأوروبية المتكررة في هذا الموضوع، وكانت أزمة جدية بالنسبة للولايات المتحدة، التي طرحت القضية في اجتماعات وزراء المالية للدول السبع، وصدر عنها بيان بهذا الخصوص، مشيرةً إلى "الخشية من إمكانية تمويل الإرهاب" حال عدم التمديد.
وانتهت هذه الأزمة في تشرين الثاني/نوفمبر الماضي، إذ صادق مجلس الوزراء الأمنيّ الإسرائيليّ (الكابينت)، على تمديد السماح للبنوك الإسرائيليّة بإجراء علاقات تجاريّة مع البنوك الفلسطينيّة في الضفّة الغربيّة لمدّة عام إضافيّ، حتّى تشرين الثاني/نوفمبر 2025. ووفق مراسل موقع "أكسيوس" باراك رافيد، فإنه "في محادثات مع الولايات المتحدة، أوضحت إسرائيل أنها مددت في السابق الموافقة على البنوك لمدة شهر واحد فقط، للحفاظ على النفوذ في حالة محاولة إدارة بايدن دفع قرار مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة بشأن القضية الفلسطينية قبل 20 كانون الثاني/يناير".
وقال مصدر مطلع على القضية إن "كبار المسؤولين في إدارة بايدن أوضحوا لإسرائيل أن الولايات المتحدة ليس لديها نية لدفع مثل هذه الخطوة قبل مغادرة بايدن منصبه، وبالتالي، فإن إسرائيل لا تحتاج إلى هذا النفوذ"، وفق ما ورد لدى رافيد.
وأوضحت صحيفة غلوبس الاقتصادية الإسرائيلية، أن "الصفقة المتفق عليها بين إسرائيل وأميركا يمكن تلخيصها في جملة واحدة: استمرار تحويل الأموال إلى الفلسطينيين لمدة عام، مقابل الالتزام بإلغاء أي قرار بشأن الاعتراف بالدولة الفلسطينية، في حال صدوره". وقالت القناة الـ12 الإسرائيلية، إن "الصفقة الإسرائيلية الأميركية، هي أموال للسلطة الفلسطينية مقابل وعد أميركي بعدم السماح بتمرير قرار في مجلس الأمن للاعتراف بالدولة الفلسطينية".
وقال مسؤول في إدارة بايدن لصحيفة "تايمز أوف إسرائيل"، إن مثل هذه المبادرة لم تكن مطروحة. ويقول مساعد بايدن إن الولايات المتحدة أبلغت إسرائيل أن هذه الفكرة لم تكن مطروحة على الإطلاق، وهو ما يبدو أنه أقنع سموتريتش ووزراء آخرين بمنح تمديد لمدة عام واحد للصفقة المصرفية التي سعت إليها واشنطن منذ فترة طويلة.
وأشار الجهاز المركزي للإحصاء، بحدوث انخفاض حاد في الناتج المحلي الإجمالي في فلسطين بنسبة 31%، في ظل الانكماش الحاد في الناتج المحلي الإجمالي في قطاع غزة خلال الربع الثالث 2024 بنسبة 87% مقارنة بالربع المناظر في عام 2023، نتيجة العدوان الإسرائيلي المستمر على فلسطين. ورافق ذلك تراجع في اقتصاد الضفة الغربية بنسبة 19%.
وانخفض نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي بنسبة الثلث خلال الربع الثالث من عام 2024. إذ بلغ نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي في فلسطين 533 دولار أميركي خلال الربع الثالث من عام 2024، مسجلًا انخفاضًا بنسبة 32% مقارنة بالربع الثالث 2023. وفي الضفة الغربية سجل الانخفاض بنسبة 21% مقارنة بالربع الثالث 2023، في حين سجل في قطاع غزة الانخفاض بنسبة 87% مقارنة بالربع الثالث 2023.
لجنة الإسناد المجتمعي.. اتفاق عالق وبدون تنفيذ
في مطلع تشرين الأول/أكتوبر الماضي، قدم الجانب المصري مقترحًا يهدف إلى تشكيل هيئة إدارية تُعنى بإدارة قطاع غزة في الجوانب الإغاثية والإدارية، تحت اسم "لجنة الإسناد المجتمعي لقطاع غزة". جاء هذا المقترح ليكون خيارًا مقبولًا لدى الأطراف الفلسطينية، والعربية، والدولية ضمن محاولات الإجابة على سؤال "اليوم التالي للحرب" وكيفية إدارة القطاع، خاصة أن هذا الملف يُعد من العقبات الرئيسية أمام إتمام صفقة لوقف حرب الإبادة على قطاع غزة.
وشهدت هذه الفترة لقاءات ثنائية مكثفة بين حركتي حماس وفتح برعاية مصرية، امتدت منذ تشرين الأول/أكتوبر وحتى كانون الأول/ديسمبر. وأسفرت هذه المشاورات عن إعلان حركة حماس، في بيان رسمي صدر في الخامس من كانون الأول/ديسمبر، موافقتها على المقترح المصري لتشكيل ما سُمّي بـ"لجنة الإسناد المجتمعي لقطاع غزة".
في المقابل، كان الوسيط المصري ينتظر ردّ رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس، بعد أن تلقى وعودًا من وفد حركة فتح، خلال اجتماعه في الثالث من كانون الأول/ديسمبر، بأن الموقف النهائي للرئيس من اللجنة سيُحدد خلال 48 ساعة.
وحتى نهاية العام، لم يصدر موقف معلن من محمود عباس حيال تشكيل اللجنة، فيما حصل "الترا فلسطين" على تصريحات من عضو اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير، بسام الصالحي، ومن أعضاء في المجلس الثوري وقادة في حركة فتح، من بينهم عبد الله عبد الله، أكدوا خلالها أن خيار تشكيل اللجنة يواجه "رفضًا داخليًا من قبل اللجنة المركزية لحركة فتح؛ بدعوى أنها تعزز الانقسام". فيما لم يصدر قرار رسمي برفض تشكيل اللجنة، بهدف عدم "إغضاب الجانب المصري"، كما علم "الترا فلسطين".
ووفق ما ورد، فإن عباس حتى يمتص الموقف المصري، بعد كل الجولات السابقة التي شارك فيها وفد حركة فتح، والذي يضم أعضاء اللجنة المركزية محمود العالول نائب رئيس الحركة، وروحي فتوح وعزام الأحمد، وأعطى موافقة وإيجابية عالية، وأكد أنه ينتظر موافقة الرئيس كخطوة نهائية، قام الرئيس أبو مازن بتشكيل لجنة من منظمة التحرير وحركة فتح للذهاب إلى مصر ودراسة كل الملفات حول الأمر، وكل ما سبق، ساهم في "تسويف إعلان الموافقة، والبقاء في مربع الانتظار، بعيدًا عن الفعل والقرار".
وأكدت مصادر من مركزية حركة فتح، لـ"الترا فلسطين"، أن الرئيس عباس "غير معني بأي اتفاقيات مثل لجنة الإسناد وغيرها، قبل وصول ترامب إلى الحكم في الـ20 من كانون الثاني/يناير 2025، والأمر الآخر أنه ليس مستعدًا لإعطاء حركة حماس أي طوق نجاة في ظل الحرب".
وكانت مسودة اتفاق تشكيل اللجنة، تنصّ على أن يصدر بها مرسوم رئاسي من رئيس السلطة محمود عباس، فيما تكون تبعيتها الإدارية الكاملة للحكومة الفلسطينية برئاسة محمد مصطفى، على إلّا تكون لجنة لتكريس الانقسام حيث تحدد صلاحيتها وأهداف عملها بشكل دقيق، وأن تشكّل من كفاءات وطنية مستقلّة عددها نحو 15 شخصية، غير أن ذلك كله لم يحصل على موافقة الرئيس عباس، وفق ما يقول عضو اللجنة المركزية للجبهة الشعبية، أسامة الحاج أحمد في حديث مع "الترا فلسطين".
وعن سبب رفض اللجنة، أجاب الحاج أحمد، في سؤال: "هل الرئيس عباس وحركة فتح ينتظرون ما سيُقدّمه الرئيس الأميركي القادم دونالد ترامب؟"، مضيفًا: "رغم أن ترامب أعلن بشكل واضح أنه لا يريد لا فتح ولا حماس ولا السلطة في غزة. وهو يتحدث أن إسرائيل صغيرة المساحة ويجب أن تتوسع، وهناك مخاوف حقيقية من أن يعطي ترامب الضوء الأخضر لرئيس وزراء الاحتلال لضم أجزاء واسعة من الضفة الغربية. هذه هي المخاوف الحقيقية التي تحتم علينا ترتيب أوضاعنا الفلسطينية بشكل جدي، لكن يبدو أن هناك رهانًا على ترامب، وهذا ما عطّل إتمام تشكيل اللجنة، وعلى الرئيس الإجابة لماذا رُفضت اللجنة".
وعلم "الترا فلسطين"، أن اجتماعًا جرى في مصر بين وفود، حماس والجهاد الإسلامي والجبهة الشعبية وحركة المبادرة، وتيّار الإصلاح الديمقراطي (دحلان)، في 21 كانون الأول/ديسمبر؛ بهدف دراسة الحلول اللازمة أمام رفض الرئيس عباس للجنة، ويقول الحاج أحمد: "نعم، حصل اجتماع بين الفصائل التي ذكرت، ولا نريد استثناء فتح والسلطة، ونسعى لتقريب وجهات النظر بين الجميع للخروج بقرار وطني موحد".
وتابع: "تم التشاور حول بعض الأسماء لتكون ضمن لجنة الإسناد المجتمعي، لكن لم يتم تقديم أي أسماء بشكل رسمي؛ لأننا ننتظر توافق الجميع على تشكيل اللجنة". مؤكدًا عدم وجود أي تقدم حقيقي فيما يخصّ تشكيل اللجنة، وأن ضغوطًا تمارسها الفصائل والجانب المصري لإحياء اللجنة والاتفاق على مسار حوار نحو برنامج وطني موحّد.
وكان مقررًا في الثامن عشر أو التاسع عشر من الشهر الجاري، أن يجتمع الرئيس عباس مع وفد الجبهة الشعبية في القاهرة لطرح قضايا عديدة، أبرزها مقترح لجنة الإسناد المجتمعي في قطاع غزة. ويقول الحاج أحمد: "للأسف، الرئيس لم يجتمع مع الجبهة أو مع أي فصيل آخر، ولم يتم اللقاء لأسباب نجهلها، وعلى الرئيس أن يُبادر بتقديم حلول، وأن نذهب لاتفاق أجمع عليه الجميع في بكّين وتشكيل حكومة وحدة وطنية وإجراء انتخابات".
مرسوم عباس الدستوري عن خلافته
في نهاية تشرين الثاني/ نوفمبر، صدر عن رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس، إعلان دستوريّ نشر عبر الوكالة الرسميّة الفلسطينيّة، نصّ على أنّه "إذا شغر مركز رئيس السلطة الوطنيّة في حالة عدم وجود المجلس التشريعيّ، يتولّى رئيس المجلس الوطنيّ الفلسطينيّ مهامّ رئاسة السلطة الوطنيّة مؤقّتًا، لمدّة لا تزيد على تسعين يومًا، تجرى خلالها انتخابات حرّة ومباشرة لانتخاب رئيس جديد وفقًا لقانون الانتخابات الفلسطينيّ، وفي حال تعذّر إجراؤها خلال تلك المدّة لقوّة قاهرة تمدّد بقرار من المجلس المركزيّ الفلسطينيّ لفترة أخرى، ولمرّة واحدة فقط".
وتعليقًا على هذا المرسوم، قال أستاذ القانون في الجامعة العربيّة الأميركيّة، رائد أبو بدويّة، إن "الرئيس تجاوز الصلاحيّات الممنوحة له من الناحية الدستوريّة، فالقانون الأساسيّ لا يمنح الرئيس أيّ صلاحيّات لإصدار مرسوم دستوريّ، وأيضًا مضمون المرسوم نفسه وما فيه من إجراء تعديل دستوريّ ليس أيضًا من صلاحيّات الرئيس، وبالتالي المرسوم الّذي أصدره غير دستوريّ".
نائب رئيس المجلس التشريعيّ الفلسطينيّ السابق، حسن خريشة، سبق أن شهد حالة مماثلة، وكان في مركز صنع القرار عند رحيل رئيس السلطة السابق ياسر عرفات. وتعليقًا على "المرسوم الدستوريّ"، قال لـ "الترا فلسطين"، إنّ هذه خطوة سياسيّة أكثر من كونها قانونيّة. أمّا من الناحية القانونيّة، فإنّ هذا القرار فيه بعض العيوب الدستوريّة، ولكنّه من الناحية السياسيّة، يحسم الجدل في الداخل الفلسطينيّ، وهو أفضل الحلول السيّئة، بحسب خريشة، مشيرًا إلى أنّه "كان من الأولى أن يقود المرحلة المقبلة شخص منتخب".
وفسر أستاذ القانون في الجامعة العربيّة الأميركيّة، رائد أبو بدويّة، الإعلان بالقول إنّ "الرئيس تجاوز الصلاحيّات الممنوحة له من الناحية الدستوريّة، فالقانون الأساسيّ لا يمنح الرئيس أيّ صلاحيّات لإصدار مرسوم دستوريّ، وأيضًا مضمون المرسوم نفسه وما فيه من إجراء تعديل دستوريّ ليس أيضًا من صلاحيّات الرئيس، وبالتالي المرسوم الّذي أصدره غير دستوريّ".
وأشار إلى أن الإعلان كان "سياسيًّا أكثر ممّا هو يتربّط في جانب قانونيّ"، موافقًا على أنه الناحية السياسيّة كان هناك حاجة فعلًا لتعبئة هذا الفراغ، ولكنّ الرئيس استخدم أداة قانونيّة غير موفّقة، وأيضًا من الناحية السياسيّة كان بإمكانه تعبئة هذا الفراغ عبر توافق وطنيّ وعبر مشاورات وطنيّة سواء مع أحزاب داخل منظّمة التحرير أو خارجها، خاصّة في ظلّ وجود انقسام فلسطينيّ.
تابع القول حول هذا المرسوم: إنّ "الهدف هو سياسيّ متعلّق بصراعات حول المنصب ما بين قيادات سياسيّة داخل فتح في الضفّة الغربيّة، وأيضًا قد يكون استجابة لضغوط أوروبّيّة وأميركيّة وعربيّة لتعبئة هذا الفراغ خشية من الفوضى السياسيّة والأمنيّة الّتي من الممكن أن يخلقها خلوّ هذا المنصب في حال غياب الرئيس".
وحينها، كشفت مصادر لصحيفة وموقع "العربيّ الجديد"، عن بعض كواليس الإعلان الدستوريّ الّذي أصدره رئيس السلطة الفلسطينيّة، محمود عبّاس، مشيرة إلى أنّه جاء لقطع الطريق على أمين سرّ اللجنة التنفيذيّة لمنظّمة التحرير الفلسطينيّة حسين الشيخ لتولّي منصب نائب رئيس السلطة الفلسطينيّة.
ووقتها، قال مصدر كبير في فتح، طلب عدم ذكر اسمه بسبب حساسية القضية، لموقع "ميدل إيست آي" البريطاني، إن خطوة عباس جاءت بعد "ضغوط أميركية هائلة".
بدورها، قالت صحيفة "هآرتس"، نقلًا عن مصادر فلسطينيّة، وصفتها بـ"رفيعة المستوى"، إنّ "توقيت المرسوم جاء استجابة للضغوط المتزايدة على عبّاس للإعلان عن اعتزاله أو تعيين خليفة له إذا عجز عن الاستمرار". ونفى مسؤولون في رام اللّه أن تكون "صحّة عبّاس هي الّتي دفعت إلى اتّخاذ هذا القرار، لكنّهم اعترفوا بأنّ ضغوطًا خارجيّة أثّرت على القرار".
اشتباكات جنين
على مدار أشهر، شهدنا عدة اشتباكات بين الأجهزة الأمنية التابعة للسلطة الفلسطينية، والمجموعات المسلحة في مناطق شمال الضفة الغربية، وتحديدًا في جنين وطولكرم وطوباس، إذ تكررت حالات إطلاق النار المتبادل، نتيجة اعتقال عناصر من الكتائب المسلحة، أو نتيجة مقتل أحد عناصرها على يد السلطة الفلسطينية.
ففي نيسان/أبريل، اندلعت اشتباكات مسلحة بين كتيبة طولكرم، وعناصر من الأجهزة الأمنية، نتيجة مقتل المطارد معتصم العارف، وهو أمر تكرر بعد أقل من شهر، في أعقاب قتل أمن السلطة المطارد من كتيبة طولكرم أحمد أبو الفول. وفي آب/أغسطس، شهدت مدينة نابلس، احتجاجات محدودة، بعد اعتقال المطارد أزهر مسروجة.
واندلعت اشتباكات مسلحة في بداية تشرين الأول/أكتوبر، في طوباس، بعد محاولة الأجهزة الأمنية اعتقال عدة عناصر من كتيبة طوباس، بعد إطلاق النار تجاه مركبتهم. وفي نفس اليوم، حاولت الأجهزة الأمنية اعتقال المطارد عبد الحكيم شاهين، في مدينة نابلس، والذي استشهد بعد ساعات برصاص الاحتلال.
أمّا أحد أبرز الأحداث في هذا السياق، كان محاولة اعتقال قائد كتيبة طولكرم، محمد جابر، المعروف باسم "أبو شجاع"، ففي نهاية تموز/يوليو الماضي، بعد دخوله إلى مستشفى ثابت ثابت، للعلاج من إصابة في يده، وفي أعقاب وصول الأجهزة الأمنية للمستشفى، احتشد المئات في المستشفى ومحيطه، بهدف منع اعتقال جابر، الذي تمكن من الخروج من المستشفى حينها. يشار إلى أن جابر، استشهد في وقت لاحق، برصاص جيش الاحتلال الإسرائيلي.
وفي 19 تشرين الأول/أكتوبر، اعتقلت الأجهزة الأمنية عنصرين من كتيبة طوباس، بعد اشتباك مسلح، استمر لعدة ساعات. حينها، كشف بيان صادر عن محافظ طوباس، عن "حملة أمنية" في المدينة، قائلًا إنّ الهدف منها "حياة المواطن الفلسطينيّ ومصلحته في العيش والاستقرار"، وفق ما ورد في البيان.
وأضاف البيان، في حينها: "سيفرض النظام والقانون في المحافظة ضمن خطّة أمنيّة واضحة هدفها مصلحة المواطن الفلسطينيّ من أجل أن ينعم الجميع بالأمن والأمان"، بحسب تعبير بيان المحافظة. واستمرّ البيان، في القول: "لن يسمح بأيّ مظهر مسلّح (استعراضيّ) يجعل من حكومة الاحتلال تستغلّه لتنفيذ أجنداتها الإجراميّة"، على حدّ قول البيان. كما قال البيان إنّه "يمنع إطلاق النار في الهواء"، و"إغلاق الشوارع والتأثير في المسيرة التعليميّة"، متابعًا القول: "سيضرب بيد من حديد لكلّ من تسوّل له نفسه (بالقانون والنظام) أن يعتدي أو يستغلّ هذه الظروف الصعبة من التعدّي أو استغلال أيّ مواطن، وسنتصدّى لهم بالقوّة"، وفق ما ورد حينها.
وبعد بأيام، قال مسؤول أمني سابق في السلطة، إن الحملة تتعلق "بدحض المنتقدين الذين يرون أن السلطة الفلسطينية غير فعالة - وهي السمعة التي طغت على الاتصالات الدبلوماسية التي تقودها الولايات المتحدة بشأن الدور الذي قد تلعبه السلطة الفلسطينية في نهاية المطاف في غزة". ورفض متحدث باسم وزارة الخارجية الأميركية التعليق على عملية طوباس، لكنه أقر في التعاون الأمني الأميركي مع السلطة الفلسطينية يشمل التمويل والتدريب والمعدات. وفي المجمل، قال دبلوماسي أوروبي إن جهود "التجديد" من السلطة الفلسطينية "حظيت باستقبال جيد إلى حد كبير".
وقال محافظ طوباس أحمد الأسعد، إن السلطة الفلسطينية قررت الضرب "بيد من حديد" ضد ما وصفه بـ"الانفلات الأمني والفوضى". وأضاف "نحن لا نريد تحت شعار المقاومة أو أي شعار آخر تدمير بلدنا وتدمير طوباس"، وفق زعمه. وقال في مقابلة مع "رويترز": "نهجنا واضح وهو نهج الرئيس: نهج المقاومة الشعبية السلمية والحفاظ على الأمن والنظام"، وفق تعبيره.
ووفق صحيفة "هآرتس" الإسرائيلية، "منذ بدء الحرب في قطاع غزة، اعتقلت أجهزة الأمن التابعة للسلطة الفلسطينية نحو 1800 مواطن من سكان الضفة الغربية للاشتباه في تنفيذهم أحداث أمنية. وأغلب هؤلاء من حركة حماس، والبقية ينتمون إلى منظمات أصغر. وكان بحوزة العديد من المعتقلين أسلحة، وبحسب السلطة الفلسطينية، كانوا يستعدون لشن هجمات على الإسرائيليين. وفي العمليات التي جرت خلال الأسبوع الماضي، ضُبِطَت بنادق وعبوات ناسفة ومعدات عسكرية أخرى من مسلحين اُعْتُقِلُوا في مخيم الفارعة للاجئين في غور الأردن، وفي عزون بالقرب من قلقيلية".
وفي مطلع كانون الأول/ديسمبر، اندلعت اشتباكات مسلحة، بين الأجهزة الأمنية وكتيبة جنين، على خلفية اعتقال عناصر من الكتيبة، واستيلاء الأخيرة على مركبات تابعة للسلطة الفلسطينية. واستمرت الاشتباكات، ضمن حملة أمنية، أطلقت عليها السلطة "حماية وطن"، مشيرةً إلى أنها تهدف إلى "ملاحقة الخارجين عن القانون"، ومن وصفتهم بـ"الدواعش".
وعلى مدار الاشتباكات التي تقترب من بداية شهرها الثاني، قتل 11 شخصًا، من بينهم أطفال والصحيفة شذى الصباغ، والقيادي في كتيبة جنين، يزيد جعايصة، بالإضافة إلى 5 عناصر من الأجهزة الأمنية، ينتمون لأجهزة الشرطة والمخابرات والحرس الرئاسي والأمن الوقائي.
وبينما دعت الفصائل، السلطة الفلسطينية إلى وقف الحملة الأمنية في جنين، طالبت المؤسسات الحقوقية بـ"ضبط النفس". وبالتزامن مع الحملة الأمنية، شهدت مدينة قلقيلية وجنين حالات إطلاق نار على منازل ومركبات ومحال تجارية، على خلفية انتقاد السلطة الفلسطينية والحملة الأمنية في مدينة جنين. بالإضافة إلى حملة تحريض على وسائل إعلام. كما انتشرت عدة مقاطع فيديو، تظهر اعتداءات تجاه شبان، انتقدوا حملة السلطة الأمنية في جنين، من بينها اعتقالات عنيفة، وضرب للأشخاص، وإلقاء أحدهم في سلة مهملات.
وخلال الاشتباكات، قال وزير الداخلية في السلطة الفلسطينية، زياد هب الريح، إن الحالة الموجودة في مدينة جنين ومخيم جنين غير مقبولة، مؤكدًا أن العملية في جنين "تستهدف من لا يريد الالتزام ببرنامجنا في ظل التغييرات الراهنة بالمنطقة".
مع بداية الحملة الأمنية في جنين، قال مسؤولون فلسطينيون وأمريكيون لموقع "أكسيوس" الأميركي، إن مساعدي رئيس السلطة محمود عباس أطلعوا إدارة بايدن ومستشاري الرئيس المنتخب دونالد ترامب مسبقًا على العملية. وقال مسؤول فلسطيني إن منسّق الأمن الأميركي الجنرال مايك فينزل التقى بقادة الأجهزة الأمنية قبل العملية لمراجعة تخطيطهم.
ونشر "الترا فلسطين"، مبادرة للوساطة، بهدف وقف اشتباكات مخيم جنين، والتوصل إلى حل لـ"الإشكالية" القائمة حاليًا، دون التوصل إلى نتيجة حتى الآن، بعد رفضها من قبل السلطة الفلسطينية.
وفي السياق نفسه، قال الناطق باسم حركة الجهاد الإسلاميّ في فلسطين، محمّد الحاجّ موسى، إنّهم يحاولون التواصل مع قيادة السلطة الفلسطينيّة، وحركة فتح لـ"حلّ إشكاليّة مخيّم جنين وما يتعرّض له المقاومون من أفعال شائنة"، وفق قوله. وردًا على سؤال "الترا فلسطين"، عن سبل التواصل أو فتح حوار مع السلطة، قال الحاج موسى: "المقاومة استعدت للحوار، ولكن السلطة رفضت ولم تتعاون مع كافة المبادرات التي قدمت"، مضيفًا: "المقاومة أكدت على ضرورة الذهاب إلى الحوار، وحقن الدماء، وأهمية الوحدة في مواجهة مخططات الاحتلال، ولكن السلطة لم تتعاون".
وأضاف الحاجّ موسى: "الحركة تحلّت بالصبر طوال السنوات الماضية الّتي تعرّضت فيها للملاحقة بسبب العمل المقاوم بالضفّة، وكتيبة جنين تحاول منع وقوع مواجهة داخليّة، لكنّ السلطة هي من أعلنت عمليّة تستهدف المخيّم، وتنفّذ ممارسات تخدم الاحتلال، وتتماهى مع أهدافه"، وفق تعبيره.
وحينها، قال المتحدث باسم الأجهزة الأمنية، أنور رجب في حديث مع "الترا فلسطين"، إن "المؤسسة الأمنية لم تتلق مبادرات في هذا الشأن، وإن موقف الأمن برفض عقد صفقات أو تسويات مع الخارجين عن القانون والقتلة"، حسب وصفه. وحول إمكانية التسوية والحلّ مع المسلّحين من أفراد كتيبة جنين، قال رجب: "لا تراجع، ولا مهادنة، ولا تسويات، ولا صفقات، مع الخارجين عن القانون". وتابع: " نحن لا نواجه تنظيمًا وطنيًا، بل مجموعة خارجة عن القانون، تمارس أفعالًا داعشية، ويستخدمون الأطفال في نقل العبوات الناسفة والمتفجرات، وهذا نهج لا يمكن التهاون فيه، ولا ننظر إليه بأنه جزء من الحالة الوطنية، وحملتنا مستمرّة"، وفق قوله.
الكلمات المفتاحية
هآرتس: 140 أمرًا عسكريًا في الضفة خلال عامين معظمها لخدمة الاستيطان
تقرير لهآرتس يكشف أن أوامر عسكرية يصدرها جيش الاحتلال تُستخدم في السنوات الأخيرة لتسريع شرعنة البؤر الاستيطانية وتوسيع المستوطنات في الضفة الغربية.
جنود إسرائيليون: لا نملك وسائل فعالة للتصدي لمسيّرات حزب الله
تقرير: أكثر من 100 إصابة في صفوف الاحتلال جراء هجمات بالمسيّرات منذ بدء الحرب.
القناة 12: كتيّب سري لدى شرطة الاحتلال يوثق قادة "الإرهاب اليهودي" بالضفة
القناة 12 تنشر تقريرًا يرصد اتساع نفوذ "فتية التلال" وتصاعد هجمات المستوطنين في الضفة.
تقديرًا لمسيرته الأدبية.. الكاتب الفلسطيني باسم خندقجي يحصل على لقب "الكاتب الغاليثي العالمي لعام 2026"
قالت الرابطة، في رسالة رسمية موجّهة إلى خندقجي، إن هذا التكريم يأتي "تعبيرًا عن الإعجاب والاحترام العميق لشخصكم وللعمل الذي قمتم به دفاعًا عن الأدب والكرامة الوطنية الفلسطينية، وهو ما كلّفكم تلك المعاناة المؤلمة المتمثلة في الحرمان من الحرية"
بن غفير يدفع باتجاه إقرار مشروع قانون لإلغاء اتفاقيات أوسلو
أجّلت اللجنة الوزارية لشؤون التشريع في حكومة الاحتلال مناقشة مشروع قانون يهدف إلى إلغاء اتفاقيات أوسلو، واتفاق الخليل، واتفاق واي ريفر.
هآرتس: 140 أمرًا عسكريًا في الضفة خلال عامين معظمها لخدمة الاستيطان
تقرير لهآرتس يكشف أن أوامر عسكرية يصدرها جيش الاحتلال تُستخدم في السنوات الأخيرة لتسريع شرعنة البؤر الاستيطانية وتوسيع المستوطنات في الضفة الغربية.
جنود إسرائيليون: لا نملك وسائل فعالة للتصدي لمسيّرات حزب الله
تقرير: أكثر من 100 إصابة في صفوف الاحتلال جراء هجمات بالمسيّرات منذ بدء الحرب.