ultracheck
تقارير

فلسطين 2025 | الاحتلال وسياسة التدمير… محو مدن وحياة قطاع غزة

26 ديسمبر 2025
 الاحتلال وسياسة التدمير: شهية مفتوحة لمحو مدنٍ وحياةٍ في غزة
سفيان نايف الشوربجي
سفيان نايف الشوربجي صحفي من غزة

تحوّل الدمار في قطاع غزة إلى معلمٍ مركزي للحرب التي لم تنتهِ فصولها بعد، لا بوصفه نتيجة عسكرية عرضية، بل كعملية ممنهجة تُعيد تشكيل المكان والذاكرة والحياة اليومية. فمنذ 18 آذار/مارس 2025، لم يعد القصف فعلًا عشوائيًا، بل سياسة تستهدف البنية الحياتية ذاتها: بيوت تُدمَّر عن قصد، أحياء تُمحى، مساجد ومواقع أثرية تُسوّى بالأرض، وشبكات ماء وكهرباء تتلاشى. هكذا يُعاد رسم المشهد الحضري والإنساني للقطاع، وتُعاد صياغة المدينة كذاكرةٍ مكسورة تحت الركام.

في غزة، أصبح الخراب أداة لمعاقبة الحياة، ويفرض واقعًا إنسانيًا مثقلًا بالفقد، وتغدو شهية التدمير مفتوحة بلا ضرورة، وفي بعض الأحيان تنطلق من باب التسلية، حتى بات البقاء نفسه فعل مقاومة في منطقة يُراد لها أن تُمحى كاملة.

وتشير شهادات ميدانية إلى تصعيد غير مسبوق في التدمير الممنهج بعد استئناف الحرب على قطاع غزة في 18 آذار/مارس 2025، حيث سخّر الاحتلال كامل ترسانته العسكرية لإفراغ غضبه في عمران القطاع وسكانه.

تحوّل الدمار في قطاع غزة إلى معلمٍ مركزي للحرب التي لم تنتهِ فصولها بعد، لا بوصفه نتيجة عسكرية عرضية، بل كعملية ممنهجة تُعيد تشكيل المكان والذاكرة والحياة اليومية

حين يُهدم البيت وتُمحى الذاكرة

يجسّد المواطن محمد أبو عودة (44 عامًا) هذا المشهد بقوله إن وتيرة القصف والتدمير بلغت حدًا لم يشهده من قبل، مؤكدًا أن "الدمار كان لأجل الدمار فقط".

ويستعيد لحظة عودته إلى منزله في جورة اللوت شرق خانيونس بعد وقف إطلاق النار، فلم يجد له أثرًا سوى كومة من الركام، وكأن زلزالًا ضرب المكان، مشيرًا إلى أن الهدف الأساسي كان انتقامًا من المواطنين بطمس بيوتهم وذكرياتهم معًا.

ويضيف أبو عودة لـ"الترا فلسطين": "البيت لم يكن جدرانًا، بل وطنًا… ومع هدمه هُدم جزء من حياتنا، وبقينا معلّقين بين ركام الماضي وغموض المستقبل".

ومن زاوية أخرى مكمّلة للمشهد، ينقل الصحفي الميداني محمد الأسطل، صورة التدمير من موقع الشاهد والضحية معًا، إذ يؤكد وجود فرق جوهري في حجم ونمط الدمار قبل آذار/مارس وبعده. ويوضح أن وتيرة التدمير ارتفعت من أقل من 40% إلى نحو 70% في بعض المدن، فيما قفزت نسب التدمير في مناطق من خانيونس من 15% إلى أكثر من 95%، حيث مُحيت أحياء كاملة مثل القرارة، والسطر الغربي، والكتيبة، ومعن، وجورة اللوت، وقيزان النجار.

ويقول الأسطل لـ"الترا فلسطين"، الذي دُمّر منزله ومنازل أفراد أسرته بعد استئناف الحرب في آذار/مارس الماضي: "عدنا لنجد مناطقنا مدمّرة بالكامل؛ الطرق، والمدارس، والمساجد، وحتى الأراضي الزراعية سُوّيت بالأرض".

اقرأ/ي: "تتساقط الحجارة علينا ونحن نيام".. غزيون يعيشون في منازلهم المدمرة

غزة: الركام لا يمحو المدينة

جيش الاحتلال يتخلّص من كميات ضخمة من مخلفات البناء في قطاع غزة

بين ركام الحرب.. سوق العقارات في غزة يروي حكايات البقاء

التدمير سياسة

ويؤكد أن ما يجري ليس عملًا عسكريًا، بل محوًا متعمدًا للأحياء؛ فهدم البيت هنا يعني هدم الوطن، وقد فقد بعض الناس حياتهم قهرًا بعد ضياع منازلهم، مشيرًا إلى الصعوبات الجسيمة التي واجهها الصحفيون في التوثيق تحت القصف والملاحقة، رغم تمكنهم من جمع شهادات موثّقة بالصوت والصورة.

هكذا تتكامل شهادة المواطن مع رواية الصحفي، لتكشف أن التدمير لم يستهدف الحجر فحسب، بل حياة الناس وذاكرتهم، في نمط ممنهج حوّل أحياء كاملة في قطاع غزة إلى فراغ بلا معالم.

ويؤكد الناطق باسم بلدية غزة حسني مهنا أنه منذ اندلاع حرب الإبادة الجماعية في السابع من تشرين الأول/أكتوبر 2023، تعرّضت مدينة غزة لواحدة من أشد موجات التدمير في تاريخها الحديث، مشيرًا إلى أن المعطيات الأولية تكشف تضرر نحو 85% من البنية التحتية في المدينة بشكل مباشر أو غير مباشر، حيث شمل الدمار غالبية الأحياء السكنية والمرافق الحيوية، بما فيها شبكات المياه والصرف الصحي، والطرق الرئيسية والفرعية، ومراكز الإيواء، ومخيمات النازحين.

ويوضح مهنا لـ"الترا فلسطين" أنه رغم أن البلدية لا تزال تعمل على حصر الأضرار، فإن غياب الظروف الميدانية الآمنة، واستمرار إغلاق المعابر، وسيطرة الجيش الإسرائيلي على مساحات واسعة من شرق المدينة، يحول دون الوصول إلى أرقام نهائية دقيقة تفصل بين الدمار الكلي والجزئي. إلا أن التقديرات الأولية تفيد بأن الغالبية العظمى من المناطق الأكثر تعرضًا للقصف لحقت بها أضرار كلية أو شبه كلية، بما يتجاوز قدرة البلديات على الاستجابة أو التقييم الشامل في الوقت الراهن.

ولا يقتصر هذا النمط من التدمير، كما يبيّن مهنا، على تقويض مقومات الحياة المدنية والبنية التحتية فحسب، بل يتجاوزها ليصيب جوهر المكان ذاته وقدرة السكان على الصمود، ويعمّق الأزمة الإنسانية، بما يدفع شرائح واسعة من السكان إلى التفكير في الهجرة القسرية ومغادرة القطاع.

مدينة على حافة الانهيار

يشير مهنا إلى أنه منذ استئناف الاحتلال حربه في آذار/مارس الماضي، تصاعد نمط الاستهداف واتسع نطاقه وازداد شراسة، مع استمرار تدمير البنية التحتية والأحياء السكنية، وصولًا إلى قصف قلب المناطق المأهولة مثل تل الهوى والزيتون والصبرة والشيخ رضوان، باستخدام أسلحة عالية التدمير، بينها الروبوتات المتفجرة.

ويؤكد أن حجم الدمار يجعل أي حديث عن عودة قريبة للحياة أو إعمار جزئي أمرًا غير واقعي، إذ دُمّرت شبكات المياه والكهرباء والصرف الصحي بالكامل، وتكدّس الركام في الشوارع.

وبحسب تقديراته، تجاوزت كميات الركام 70 مليون طن، منها أكثر من 25 مليونًا في مدينة غزة وحدها، في ظل تدمير معظم آليات البلديات ومنع إدخال المعدات والوقود، ما ينذر بسنوات طويلة لإزالة الأنقاض.

تدمير يطال الهوية والذاكرة

وفي هذا السياق الأوسع، يؤكد خبير التراث الثقافي في مركز التراث الفلسطيني بمدينة بيت لحم، حمودة الدهدار، أن استهداف الاحتلال للمواقع الأثرية والتراثية في قطاع غزة تمّ بصورة مقصودة وممنهجة، ضمن سياسة تهدف إلى طمس الهوية التاريخية والذاكرة الجمعية للشعب الفلسطيني، وتتجاوز الإضرار بالعمران إلى ضرب عمق التاريخ والتطور الحضاري للمكان.

ويوضح الدهدار لـ"الترا فلسطين" أنه وفق مشروع حصر نفذته وزارة السياحة والآثار بتمويل من اليونسكو، تعرض 317 موقعًا أثريًا وتراثيًا لدمار كلي أو جزئي حتى نوفمبر/تشرين الثاني 2024، مع ترجيح ارتفاع العدد نتيجة استمرار الاستهدافات، مشيرًا إلى أن هذا الحصر غير نهائي.

ويبيّن أنه منذ استئناف الحرب في آذار/مارس 2025 شهدت المعالم الأثرية تصعيدًا خطيرًا ومحوًا مكانيًا متعمدًا طال أحياء تاريخية مثل الشجاعية والتفاح ذات الجذور المملوكية والعثمانية، إضافة إلى تدمير مساجد ومبانٍ بارزة، فيما تركز الدمار الأكبر في البلدة القديمة بغزة، التي تضم أهم المعالم الأثرية، كالمسجد العمري الكبير وقصر الباشا.

ويشير إلى أن قصر الباشا، الذي كان يضم العديد من المقتنيات الأثرية المهمة المستخرجة من مختلف مواقع التنقيب قبل الحرب، تعرّض لقصف مباشر وتجريف أعقبه نهب لمقتنياته الأثرية، مشددًا على أن ما جرى تدميره من معالم أثرية خلال الحرب على قطاع غزة يفوق ما تم تدميره خلال الحرب العالمية الأولى.

ولا يقتصر استهداف المواقع الأثرية والتراثية على الخسارة الثقافية أو محو الذاكرة، بل يفتح باب المساءلة القانونية الدولية، إذ إن التدمير الواسع والمتكرر، الذي يتقاطع مع محو الهوية، يخضع مباشرة لقواعد القانون الدولي الإنساني.

جريمة حرب مكتملة الأركان

في هذا الإطار، يؤكد الخبير القانوني الدكتور صلاح عبد العاطي أن الدمار الواسع في قطاع غزة، والذي طال نحو 90% من المساكن والبنية التحتية واستمر حتى بعد وقف إطلاق النار في 10 تشرين الأول/أكتوبر 2025، يكشف عن نمط تدمير ممنهج يرقى إلى جريمة حرب مكتملة الأركان وفق القانون الدولي الإنساني.

ويعدّ هذا التدمير الممنهج، وفق عبد العاطي، انتهاكًا لمبادئ التمييز عبر استهداف أعيان مدنية محمية (منازل، مدارس، مستشفيات، بنية تحتية)، والتناسب بإحداث أضرار مدنية مفرطة مقارنة بأي ميزة عسكرية محتملة، والضرورة العسكرية من خلال تدمير ممتلكات لا تشكل أهدافًا عسكرية مباشرة، فضلًا عن حظر العقاب الجماعي عبر تدمير البيئة المعيشية وحرمان السكان من الخدمات الأساسية، مؤكدًا أن ثبوت النية أو النمط يرقى بهذه الأفعال إلى جرائم حرب وقد يشكّل جرائم ضد الإنسانية.

ويشدد عبد العاطي لـ"الترا فلسطين" على إمكانية الملاحقة أمام المحكمة الجنائية الدولية، ومحكمة العدل الدولية، وبموجب الولاية القضائية العالمية، لافتًا إلى أن التحدي سياسي لا قانوني، وأن الجرائم الدولية لا تسقط بالتقادم، فيما يعزز التوثيق المتراكم فرص المساءلة.

ويضيف أن اتفاقية جنيف الرابعة، وقواعد لاهاي، ونظام روما الأساسي تحظر جميعها التدمير الممنهج للأحياء السكنية والممتلكات المدنية، مؤكدًا أن ما يجري ليس أضرارًا جانبية، بل سياسة تدمير محظورة تُرتّب مسؤولية جنائية دولية.

منذ استئناف الحرب في 7 تشرين الأول/أكتوبر، شنّ الاحتلال حرب إبادة شاملة على قطاع غزة استمرت قرابة عامين، وأسفرت عن أكثر من 70 ألف شهيد فلسطيني ونحو 171 ألف جريح. وتخللت هذه الحرب ثلاث محطات لوقف إطلاق النار: هدنة إنسانية مؤقتة أواخر عام 2023 استمرت أسبوعًا، ثم وقف ثانٍ في 19 كانون الثاني/يناير 2025 صمد قرابة شهرين قبل أن ينهار.

وفي فجر 18 آذار/مارس 2025، استأنف الاحتلال عدوانه بهجوم جوي واسع النطاق، رافقه تدمير ممنهج للبنية الحياتية في القطاع. ورغم إبرام اتفاق ثالث لوقف إطلاق النار في 10 تشرين الأول/أكتوبر 2025، والذي لا تزال مرحلته الأولى قائمة حتى اليوم، فإن الانتهاكات المتكررة أبقت غزة تحت وطأة حرب مفتوحة تستهدف الإنسان والمكان معًا.

وبحسب معطيات المكتب الإعلامي الحكومي في غزة، دمّرت حرب الإبادة التي استمرت عامين نحو 90% من البنى التحتية المدنية، فيما قدّرت الأمم المتحدة كلفة الإعمار بنحو 70 مليار دولار.

الكلمات المفتاحية

الحمى المالطية في جنين

الحمى المالطية تهدد الثروة الحيوانية في ريف جنين.. شكاوى من غياب التدخل الحكومي

الأغنام والأبقار المصابة تواجه خطر النفوق، الأمر الذي ينذر بخسائر اقتصادية كبيرة للمزارعين الذين يعتمدون على تربية المواشي كمصدر رئيسي للدخل


غاب الأحبَّة وحضرت الدموع.. حفلات التكريم تعود منقوصة في غزة

غاب الأحبَّة وحضرت الدموع.. حفلات التكريم تعود منقوصة في غزة

غابت وجوه كثيرة عن منصات التكريم، لكن ذكراهم تبقى حاضرة في كل شهادة تُمنح وكل اسم يُنادى عليه


البحر لم يعد متنفسًا.. كيف تغيّر صيف غزة بعد الحرب؟

البحر لم يعد متنفسًا.. كيف تغيّر صيف غزة بعد الحرب؟

البحر الذي شكل على الدوام متنفسًا للعائلات والأطفال في غزة، تحول اليوم إلى ساحة تختلط فيها مياهٌ ملوثةٌ بخيام نزوحٍ تمتد بمحاذاة الساحل


مصابو الأمراض النادرة في غزة.. الحصار يغلق نافذة النجاة

مصابو الأمراض النادرة في غزة.. الحصار يغلق نافذة النجاة

في وقت تحولت فيه غرف المستشفيات في قطاع غزة إلى محطاتٍ للانتظار الثقيل، يطارد الموت أصحاب الأمراض النادرة

الصليب الأحمر: خطر متزايد بأن الآلاف المدفونين تحت أنقاض غزة قد لا يتم التعرف عليهم أبدا
أخبار

الصليب الأحمر: آلاف المدفونين تحت أنقاض غزة قد لا يتم التعرف عليهم أبدًا

أكدت اللجنة الدولية للصليب الأحمر أن خطر عدم التعرف على هوية آلاف الفلسطينيين المدفونين تحت أنقاض غزة يتزايد يومًا بعد يوم

6 دول ترفض طلب ترامب إرسال قوات إلى مضيق هرمز
أخبار

إيران تهدد إسرائيل.. وترامب ينتقد قصف بيروت

قال ترامب إن الهجوم الذي كانت ترد عليه إسرائيل بقصفها للضاحية كان صغيرًا جدًا وغير ذي معنى، ولم يُقتل أو يُصب أو يُجرح أحد


مستوطنة كارني شومرون
أخبار

تخصيص ملياري شيكل لصالح مشاريع تطويرية في مستوطنة "كارني شومرون"

قال سموتريتش: لقد حان الوقت للحسم أيضًا في الضفة الغربية وفرض السيادة الإسرائيلية عليها حتى قبل موعد الانتخابات

خاص | مباحثات في القاهرة حول "ورقة ملايدنوف" لنزع السلاح.. حماس تتمسك بأولوية إتمام المرحلة الأولى من اتفاق غزة
أخبار

حماس: سلّمنا ردّ الفصائل على ورقة ملادينوف بشأن غزة

أكدت حماس أن الفصائل الفلسطينية تعاملت مع خارطة الطريق الخاصة بتطبيق المرحلة الثانية من خطة ترامب بمستوى عالٍ من المسؤولية والإيجابية.

الأكثر قراءة

1
تقارير

البحر لم يعد متنفسًا.. كيف تغيّر صيف غزة بعد الحرب؟


2
قول

مروان البرغوثي وكأس العالم


3
تقارير

هكذا يُستهدف الأطفال في غزة.. والد الطفل جاد لـ"الترا فلسطين": قبَّل يدي ثم خطفه الصاروخ


4
تقارير

خاص | لقاءات فصائلية قبيل جولة تفاوضية بين حماس والوسطاء: لرد موحد على ملادينوف


5
تقارير

بعد اقتحام سموتريتش.. تصاعد المخاوف من الاستيلاء على برك سليمان