فلسطين 2025 | عدوان طويل على شمال الضفة الغربية وإعادة تشكيل المخيمات بالهدم
29 ديسمبر 2025
مع اقتراب العام 2025 من نهايته، كانت آليات الاحتلال الإسرائيلي قد بدأت بتعبيد طرق جديدة داخل مخيم جنين، بالتزامن مع الشروع في إعداد البنية التحتية لإقامة مستوطنة "ترسلة" في المحافظة ذاتها، في مشهد يلخّص مسار عام كامل من الاجتياحات الواسعة التي طالت مدنًا ومخيمات وبلدات شمال الضفة الغربية.
لم تعد العمليات العسكرية تقتصر على اقتحامات خاطفة أو حملات اعتقال محدودة، بل تحوّلت إلى اجتياحات طويلة الأمد، رافقها تدمير ممنهج للبنية التحتية، وهدم واسع للمنازل، وتهجير قسري لعشرات آلاف السكان، في سياق يشير إلى سياسة إسرائيلية تتجاوز الاعتبارات الأمنية الظرفية، نحو إعادة هندسة المخيمات والقرى والبلدات الفلسطينية، وتغيير معالمها الديموغرافية والسياسية.
من جنين إلى طولكرم ونور شمس، مرورًا بعدة بلدات بينها طمون وطوباس وقباطية ويعبد ومخيم الفارعة، شكّل عام 2025 محطة مفصلية في واقع شمال الضفة الغربية
من جنين إلى طولكرم ونور شمس، مرورًا بعدة بلدات بينها طمون وطوباس وقباطية ويعبد ومخيم الفارعة، شكّل عام 2025 محطة مفصلية في واقع شمال الضفة الغربية، حيث تداخل الميداني بالإنساني، والأمني بالسياسي، وسط تحذيرات أممية وحقوقية من تداعيات طويلة الأمد تمسّ جوهر قضية اللاجئين وحق العودة.
وبعد مرور عام على الاجتياح الواسع لمخيم جنين، ما زالت العملية العسكرية مستمرة، وتقول عضوة اللجنة الشعبية لخدمات المخيم فرحة أبو الهيجاء، في حوار مع موقع "الترا فلسطين"، إن المخيم اليوم محاصر بالكامل من أربع جهات، ومغلق ببوابات حديدية، مع وجود عسكري دائم يمنع أي اقتراب أو دخول، ما جعله مفرغًا تمامًا من سكانه.
وتشير أبو الهيجاء إلى أن أكثر من 22 ألف نازح من المخيم ما زالوا موزعين على قرى وأحياء مدينة جنين، ويعيشون أوضاعًا إنسانية قاسية، في ظل تعطّل معظم مناحي الحياة. ومع اقتراب فصل الشتاء، تعاني العائلات من نقص حاد في الاحتياجات الأساسية، وعدم القدرة على تجهيز أماكن سكنها المؤقتة بما يتلاءم مع الظروف الجوية.
وأضافت أن كبار السن والمرضى والنساء الحوامل يواجهون صعوبات كبيرة في تلقي الخدمات الصحية، في ظل تقليص خدمات وكالة الأونروا، وغياب وسائل النقل، ونقص الأدوية. كما فقد معظم النازحين مصادر رزقهم، بعد تدمير محالهم ومشاريعهم الصغيرة داخل المخيم، ما جعلهم بلا أي دخل ثابت.
وتبرز أزمة أجرة المنازل كإحدى أكبر التحديات، إذ إن العديد من العائلات غير قادرة على دفع الإيجارات، ومهددة بالإخلاء. أما الطلبة والشباب، فيعانون من صعوبة الوصول إلى المدارس والجامعات، رغم حلول مؤقتة لم تشمل جميع مناطق النزوح.
وعلى الصعيد النفسي، تلفت أبو الهيجاء إلى أن حالة الإحباط وفقدان الأمل بالعودة باتت سائدة، في ظل تدمير أكثر من 800 منزل، بعضها مبانٍ متعددة الطوابق دُمّرت بالكامل أو جزئيًا، إضافة إلى حرق منازل وتدمير مؤسسات وبنى تحتية، وتغيير معالم المخيم بشكل كامل، في محاولة واضحة لتحويله إلى حيّ عادي داخل المدينة.
أما في محافظة طولكرم، فيؤكد نائب المحافظ ورئيس اللجنة الشعبية في مخيم طولكرم فيصل سلامة، أن العدوان على مخيمي طولكرم ونور شمس مستمر منذ السابع من أكتوبر، وتكثّف بشكل واسع منذ 25 كانون الثاني/يناير 2025، مع اجتياحات متواصلة وتخريب شامل لمظاهر الحياة.
ويوضح سلامة، في حوار مع "الترا فلسطين"، أنه خلال هذا العام تم هدم نحو 2000 وحدة سكنية في المخيمين، فيما تعرضت قرابة 4000 وحدة أخرى لأضرار جزئية، نتيجة إطلاق النار المتكرر على المباني السكنية، ما جعلها غير صالحة للسكن. كما أُبلغ السكان بقرار جديد يقضي بهدم 25 بناية سكنية في مخيم نور شمس، كل منها مكوّنة من أربعة طوابق، أي ما يقارب 100 شقة إضافية.
ومع اقتراب عام كامل على تهجير السكان، يقدّر سلامة عدد النازحين من المخيمين بنحو 25 ألف شخص، يعيشون بين بيوت مستأجرة، أو لدى الأقارب، أو في مراكز إيواء، في ظروف إنسانية بالغة الصعوبة.
وتتمثل أبرز معاناتهم، بحسب سلامة، في توفير الاحتياجات الأساسية، وتراكم الديون، وعجزهم عن تسديد فواتير الكهرباء والمياه وأجور المنازل، في ظل غياب أي دخل مالي ثابت.
من جهتها، حذّرت وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (الأونروا)، في تقرير صادر عنها، من استمرار الدمار الواسع في شمال الضفة الغربية، مؤكدة أن العمليات العسكرية الإسرائيلية المتواصلة منذ يناير/كانون الثاني 2025 أفرغت بالكامل مخيمات جنين وطولكرم ونور شمس، وتسببت في تهجير قسري لأكثر من 32 ألف فلسطيني.
وقال مدير شؤون الأونروا في الضفة الغربية، رولاند فريدريك، إن الدمار مستمر "بلا هوادة" بعد عدة أشهر على عملية "السور الحديدي"، مشيرًا إلى أن المخيمات الثلاث تحولت إلى "مدن أشباح بعد أن كانت نابضة بالحياة". وشدد على أن هذا التدمير الممنهج يتعارض مع القانون الدولي، ويعزز السيطرة بعيدة المدى لجيش الاحتلال، داعيًا إلى إعادة الإعمار والسماح للسكان بالعودة إلى منازلهم.
ولم تقتصر الاجتياحات على المخيمات، بل امتدت خلال عام 2025 إلى بلدات وقرى عدة في شمال الضفة الغربية، من بينها طمون وطوباس وقباطية ويعبد وعقابا ومخيم الفارعة وغيرها. واستمرت بعض هذه الاقتحامات لأيام، تخللتها السيطرة على منازل المواطنين، وإخلاء سكانها قسرًا، وتحويلها إلى مراكز تحقيق ميداني، إضافة إلى تخريب الممتلكات وسرقة المقتنيات.
مدير مركز القدس للمساعدة القانونية وحقوق الإنسان في شمال الضفة الغربية، ساهر صرصور، يوضح أن نمط الاقتحامات تطور من عمليات محدودة إلى اجتياحات شاملة وطويلة الأمد، تشمل الاستيلاء على المنازل، وتخريب البنية التحتية، وسرقة الأموال والممتلكات الخاصة.
ويشير صرصور، في تعقيب لموقع "الترا فلسطين"، إلى أن هذه العمليات ترافقت مع عمليات إطلاق نار غير قانونية، وإعدامات ميدانية بحق شبان، حتى وفق القوانين الإسرائيلية ذاتها، مؤكدًا أن الجيش الإسرائيلي يمضي في سياسة إطلاق النار على المواطنين، سواء داخل منازلهم أو في الشارع، حتى في حالات كان يمكن فيها تنفيذ الاعتقال دون قتل.
ويرى فيصل سلامة أن الاحتلال يسوّق عدوانه على المخيمات بذريعة "مكافحة الإرهاب"، لكنه يؤكد أن المخطط الحقيقي سياسي بامتياز، ويهدف إلى القضاء على المخيمات باعتبارها شاهدًا حيًا على نكبة عام 1948، ومحاولة تصفية قضية اللاجئين وإنهاء رمزية المخيم وحق العودة.
ويضيف أن الاحتلال وضع شروطًا لعودة السكان، تشمل إلغاء صفة اللاجئ، ومنع عمل الأونروا، والإبقاء على البنية التحتية التي أنشأها الاحتلال، وفرض تنسيق أمني مشدد، ومنع أي نشاط سياسي أو اجتماعي داخل المخيمات، وهي شروط ترفضها السلطة الفلسطينية والقوى الوطنية واللجان الشعبية بشكل قاطع.
وفي دراسة صادرة عن المركز الفلسطيني للدراسات الإسرائيلية (مدار) بعنوان: "عمليات الهدم في مخيمات شمال الضفة الغربية: الأهداف الإسرائيلية الاستراتيجية"، يؤكد المركز أن ما يجري يمثل مشروعًا متكاملًا لإعادة هندسة المخيمات الفلسطينية.
ووفق الدراسة، انتقل الجيش الإسرائيلي، بعد تهجير السكان، من العمل العسكري إلى التخطيط الهندسي، عبر منع إعادة بناء المنازل المدمرة، والإبقاء على الطرق مفتوحة وواسعة، بما يضمن حرية حركة القوات العسكرية مستقبلًا. كما أُقيمت منظومات مراقبة دائمة، شملت أبراجًا وكاميرات ونقاط تحكم، في خطوة غير مسبوقة منذ عقود.
وتحذّر الدراسة من أن هذه السياسات قد تفضي إلى إعادة احتلال دائم للمخيمات، وفرض حكم عسكري طويل الأمد، أو الانسحاب لاحقًا وفق شروط سياسية تمسّ جوهر قضية اللاجئين وحق العودة، في ظل استهداف متزامن لوكالة الأونروا ودورها.
من جانبها، ترى المحللة السياسية والأكاديمية سناء زكارنة، في تعقيب سابق لـ "الترا فلسطين"، أن التصعيد في شمال الضفة الغربية يهدف إلى بثّ الرعب وكسر إرادة السكان، ضمن خطة أوسع تستهدف منطقة تتمتع ببنية اقتصادية واجتماعية قوية نسبيًا.
وتوضح أن إغلاق المحال التجارية، وتدمير المنازل، وإلحاق خسائر اقتصادية جسيمة، يهدف إلى إفقار المجتمع وإضعاف قدرته على الصمود. كما تربط بين هذه العمليات وقرار الكابينت الإسرائيلي المصادقة على إقامة أربع مستوطنات جديدة في محافظة جنين، معتبرة أن تدمير البنية التحتية للمقاومة شرط إسرائيلي لإعادة المستوطنين.
وخلال عام 2025، سقط 266 شهيدًا برصاص الاحتلال في الضفة الغربية، بينهم 192 شهيدًا في محافظات شمال الضفة الغربية، تشمل جنين وطولكرم وطوباس ونابلس وسلفيت وقلقيلية، في مؤشر واضح على حجم التصعيد الذي شهدته المنطقة.
ويختتم شمال الضفة الغربية عام 2025 مثقلًا بآثار اجتياحات غير مسبوقة، تركت وراءها مخيمات مدمرة، ومدنًا منهكة، وآلاف العائلات المشرّدة، وسط مخاوف حقيقية من أن يكون ما جرى تمهيدًا لمرحلة طويلة من إعادة تشكيل الواقع الفلسطيني بالقوة.
وبينما تتواصل التحذيرات الأممية والحقوقية، يبقى السؤال مفتوحًا حول مستقبل هذه المناطق، في ظل سياسة إسرائيلية تبدو مصممة على فرض وقائع جديدة على الأرض، تتجاوز العام المنصرم إلى ما بعده.
الكلمات المفتاحية
الحمى المالطية تهدد الثروة الحيوانية في ريف جنين.. شكاوى من غياب التدخل الحكومي
الأغنام والأبقار المصابة تواجه خطر النفوق، الأمر الذي ينذر بخسائر اقتصادية كبيرة للمزارعين الذين يعتمدون على تربية المواشي كمصدر رئيسي للدخل
غاب الأحبَّة وحضرت الدموع.. حفلات التكريم تعود منقوصة في غزة
غابت وجوه كثيرة عن منصات التكريم، لكن ذكراهم تبقى حاضرة في كل شهادة تُمنح وكل اسم يُنادى عليه
البحر لم يعد متنفسًا.. كيف تغيّر صيف غزة بعد الحرب؟
البحر الذي شكل على الدوام متنفسًا للعائلات والأطفال في غزة، تحول اليوم إلى ساحة تختلط فيها مياهٌ ملوثةٌ بخيام نزوحٍ تمتد بمحاذاة الساحل
حماس: سلّمنا ردّ الفصائل على ورقة ملادينوف بشأن غزة
أكدت حماس أن الفصائل الفلسطينية تعاملت مع خارطة الطريق الخاصة بتطبيق المرحلة الثانية من خطة ترامب بمستوى عالٍ من المسؤولية والإيجابية.
الاحتلال يعاود قصف الضاحية الجنوبية لبيروت بعد أسبوع على التصعيد
يزعم الاحتلال أن قصف الضاحية الجنوبية جاء ردًّا على استهداف مواقع إسرائيلية في شمال فلسطين المحتلة بمسيّرات لحزب الله.
بعد 24 عامًا من الاعتقال.. استشهاد الأسير عماد سرحان في سجون الاحتلال
سلطات الاحتلال أبلغت عائلة الأسير سرحان باستشهاد نجلها في السجن، مشيرة إلى أنه تعرض لنوبة قلبية يوم أمس.
رئيس "أرض الصومال" يزور "إسرائيل" لافتتاح سفارة بالقدس وسط تنديد واسع
وصل رئيس إقيلم "أرض الصومال" الانفصالي عبد الرحمن محمد عبد الله، اليوم الأحد، إلى "إسرائيل"، في زيارة رسمية هي الأولى من نوعها.