في غزة.. التعافي من سوء التغذية لا يعني النجاة منه
18 أغسطس 2026
يتوقع أن يحتاج نحو 74 ألف طفل إلى علاج من سوء التغذية الحاد حتى أبريل/نيسان 2027، فيما يبقى الغذاء الكافي والمتنوع بعيدًا عن متناول كثير من الأسر.
يونس محجز عمره ثلاث سنوات، ووزنه اليوم نحو 7.2 كيلوغرامات. قبل أربعة أشهر فقط كان وزنه يقارب 11.5 كيلوغرامًا، وكان يتحرك ويلعب ويأكل مما تيسّر من وجبات. التراجع لم يحدث دفعة واحدة. بدأ حين قلّ الحليب، ثم اختفت الخضار والفواكه شيئًا فشيئًا، وانتهى الأمر بطعام محدود لا يكفي طفلًا في طور النمو.
في غزة اليوم، لم تعد المشكلة فقط إنقاذ طفل أصابه سوء التغذية. التحدي الأصعب هو أن يجد، بعد إنقاذه، ما يمنعه من العودة إليه.
في اليوم السابق لحديثنا، أكل يونس صباحًا ربع رغيف خبز يابس بللته أمه بالماء ليسهل عليه مضغه. وفي الظهيرة، لم تجد الأسرة سوى القليل من شوربة العدس. تقول والدته إن الإسهال المتكرر والالتهابات المعوية رافقا خسارته للوزن. باتت تراجعه مرتين أسبوعيًا في مركز صحي تابع للإيواء لعلاج سوء التغذية، حيث يحصل على الأغذية العلاجية الجاهزة المخصصة للأطفال المصابين. لكن الإمدادات، كما تقول، لم تكن منتظمة دائمًا.
يونس واحد من أطفال غزة الذين تكشف أجسادهم عن أزمة أكبر من أن تقرأ من خلال الجوع وحده. وبحسب أحدث تحليل للتصنيف المرحلي المتكامل للأمن الغذائي (IPC)، الصادر في 23 يوليو/تموز 2026، يُتوقع أن يحتاج نحو 74,200 طفل تتراوح أعمارهم بين ستة أشهر و59 شهرًا إلى علاج من سوء التغذية الحاد حتى أبريل/نيسان 2027، بينهم أكثر من 11,400 طفل يُتوقع إصابتهم بسوء التغذية الحاد الشديد. كما يُتوقع أن تعاني نحو 24,600 امرأة حامل ومرضع من سوء التغذية الحاد خلال الفترة نفسها.
وسلطت وزارة التنمية الاجتماعية، التي تتولى وزيرتها سماح حمد مهام وزيرة الدولة لشؤون الإغاثة، الضوء على هذه التقديرات مطلع أغسطس/آب، محذرة من استمرار الاحتياجات الغذائية الواسعة في القطاع. لكن رقم 74,200 لا يعني أن هذا العدد من الأطفال موجود الآن داخل مراكز العلاج، أو أنهم جميعًا يعانون الدرجة نفسها من سوء التغذية. إنه تقدير للحاجة المتوقعة إلى العلاج حتى أبريل/نيسان 2027.
تحسّن لا يصل إلى كل بيت
المؤشرات العامة لسوء التغذية في غزة تحسنت مقارنة بالمستويات الكارثية التي سُجلت خلال عام 2025. لكنها لم تُنه الأسباب التي دفعت الأطفال إلى سوء التغذية أصلًا.
يصنف تحليل IPC المحافظات التي أمكن تقييمها، بين منتصف أبريل/نيسان ونهاية يونيو/حزيران 2026، في المرحلة الأولى "المقبولة" من تصنيف سوء التغذية الحاد. ويتوقع التحليل انتقال شمال غزة وغزة ودير البلح وخان يونس إلى المرحلة الثانية، "التنبيه"، بين يوليو/تموز وديسمبر/كانون الأول 2026. أما رفح، فلم يتسن تصنيفها بسبب عدم كفاية البيانات.
ويعزو IPC جانبًا كبيرًا من هذا التحسن إلى التوسع في برامج الوقاية والعلاج وزيادة المساعدات. لكن التحسن يتعايش مع أزمة غذائية ما تزال واسعة. فبحسب توقعات IPC للفترة من يوليو/تموز إلى ديسمبر/كانون الأول 2026، سيواجه أكثر من 1.4 مليون شخص، أي 67% من سكان القطاع، مستوى الأزمة أو أسوأ من انعدام الأمن الغذائي الحاد، بينهم نحو 212 ألفًا في مرحلة الطوارئ.
ويشير برنامج الأغذية العالمي إلى أن الحصص الغذائية لا تزال غير كافية من حيث الكمية والجودة والتنوع، فيما تبقى الواردات التجارية من المنتجات الطازجة ومصادر البروتين غير منتظمة، ما يحد من قدرة الأسر على تأمين غذاء متوازن. وهذه الفجوة، بين إنقاذ الطفل من سوء التغذية وبين توفير حياة تمنعه من العودة إليه، تظهر بوضوح في حالة سليم اسليم.
اكتُشف سوء التغذية لدى سليم قبل نحو ثمانية أشهر خلال فحص في أحد مراكز التغذية التابعة لجمعية الهلال الأحمر جنوب القطاع. كان وزنه آنذاك نحو 6.8 كيلوغرامات، وهو في الرابعة والنصف من عمره. خضع لبرنامج علاجي لنحو شهرين، وتحسّن تدريجيًا حتى وصل وزنه إلى قرابة 10.2 كيلوغرامات. ثم عاد إلى البيت.
جدته، التي تتولى رعايته، تقول إن انتهاء البرنامج لم يكن يعني أن الأسرة أصبحت قادرة على توفير الحليب والبيض واللحوم والخضار له. عاد سليم، كما تصف، إلى "نفس البيت ونفس الطعام القليل". بعد أسابيع، أصابه إسهال شديد، وبدأ وزنه بالتراجع مرة أخرى. أحدث قياس لدى الأسرة أظهر انخفاضه إلى نحو 6.4 كيلوغرامات.
فالغذاء العلاجي يمكن أن يساعد طفلًا على تجاوز مرحلة الخطر، لكن استمرار التعافي يحتاج إلى غذاء كافٍ ومتنوع، ومياه آمنة، وظروف صحية تقلل تعرضه للعدوى.
ويشير برنامج الأغذية العالمي إلى أن التحسن الأخير في وضع التغذية تحقق رغم استمرار نقص الأغذية المغذية، وتكرر الأمراض، ومحدودية الوصول إلى المياه الآمنة والصرف الصحي، والانهيار الواسع لسبل العيش. المرض والإسهال يفاقمان فقدان العناصر الغذائية، فيما يجعل سوء التغذية الجسم أقل قدرة على مقاومة العدوى. حلقة مفرغة، تدور داخل جسد طفل.
الجوع يبدأ قبل الوصول إلى العيادة
في بيت أمينة نوفل، أم لأربعة أطفال أصغرهم في شهره الثامن وأكبرهم في السابعة، لا تبدأ المشكلة عند باب مركز التغذية. وتقول إن الأسرة تعيش أحيانًا على وجبة رئيسية واحدة، غالبًا من الأرز أو العدس وما يتوفر معها، فيما تحوّلت اللحوم والدجاج والبيض والحليب إلى أطعمة متباعدة الظهور، بحسب ما تستطيع الأسرة شراءه أو الحصول عليه. وعندما تقل الكمية، تبدأ عملية التقسيم.
وتضيف: "لما يكون الموجود قليلًا، أقسمه بينهم. أنا ممكن ما آكل، لكن كيف أقرر أي طفل يشبع وأي طفل يظل جائعًا؟". تقول أمينة إنها اضطرت في بعض الفترات إلى زيادة كمية الماء المستخدمة في تحضير الحليب المجفف لطفلها الرضيع، كي تطيل مدة العبوة المتبقية. وتتنازل هي عن حصتها من الطعام حين لا تكفي الوجبة الأطفال جميعًا. هذه ليست استجابة فردية داخل منزل واحد. ويشير تحليل IPC إلى أن بالغين في غزة ما زالوا يقللون استهلاكهم من الطعام لإعطاء الأولوية للأطفال.
في المقابل، أحدث توسع المساعدات فرقًا ملموسًا. ففي مايو/أيار 2026، وصلت الطرود الغذائية إلى نحو 1.5 مليون شخص، وبلغت المساعدات النقدية متعددة الأغراض نحو 700 ألف شخص، فيما وصلت خدمات الدعم التغذوي إلى 60% من الأطفال دون الخامسة، مقارنة بأقل من 1% في سبتمبر/أيلول 2025.
لكن اعتماد هذا التحسن بدرجة كبيرة على استمرار المساعدات يجعل المكاسب نفسها قابلة للتراجع إذا انخفضت الإمدادات أو التمويل، أو بقيت الأسر عاجزة عن شراء غذائها بنفسها. ويحذر IPC من هشاشة هذه المكاسب، في ظل تراجع تغطية المساعدات منذ فبراير/شباط 2026، وانهيار سبل العيش واستنفاد قدرة الأسر على التكيف.
هذا ما يراه الطبيب أيمن الكرد، طبيب عام في مركز الرعاية الأولية في دير البلح، في الحالات التي تصل إلى المركز الذي يعمل فيه. يقول لـ"الترا فلسطين"، إن سوء التغذية لدى الأطفال لا يظهر فقط في انخفاض الوزن أو الهزال، فقد يصل الطفل وهو يعاني أيضًا من الإسهال والالتهابات وفقر الدم وضعف المناعة، وهي عوامل تزيد صعوبة العلاج حين تجتمع في جسد صغير أنهكه نقص الغذاء.
ويقيّم الكرد سوء التغذية باستخدام مجموعة من المؤشرات، من بينها الوزن بالنسبة إلى الطول، وقياس محيط منتصف العضد، إلى جانب البحث عن علامات سريرية مثل الوذمة الغذائية. أما الحالات الشديدة المصحوبة بمضاعفات، فتحتاج إلى رعاية طبية متخصصة، ولا يكفي معها توفير الغذاء العلاجي في المنزل.
وتعطي بيانات المراكز صورة عن حجم الضغط الفعلي. ففي النصف الثاني من يونيو/حزيران وحده، فحص شركاء قطاع التغذية 33,461 طفلًا بين ستة أشهر و59 شهرًا، وأُدخل 1,511 طفلًا إلى العلاج الخارجي لسوء التغذية الحاد، بينهم 254 حالة من سوء التغذية الحاد الشديد. واحتاج 24 طفلًا من الحالات الشديدة المصحوبة بمضاعفات طبية إلى العلاج داخل مراكز الاستقرار. وتظهر هذه الأرقام أن برامج التغذية ما تزال تعمل على نطاق واسع، إذ بلغ عدد المواقع التي تقدم خدمات التغذية في القطاع خلال تلك الفترة 281 موقعًا.
هذه الأرقام لا تعني أن غزة تسير مجددًا، وبالمعدل نفسه، نحو أسوأ مراحل أزمة 2025. البيانات المتاحة تقول العكس. لكن IPC وبرنامج الأغذية العالمي يحذران في الوقت نفسه من أن التحسن هش، ويمكن أن يتراجع إذا تعطلت المساعدات أو تقلصت برامج التغذية، فيما لا تزال قدرة كثير من الأسر على تأمين غذائها محدودة.
بالنسبة إلى يونس محجز، لا تظهر هذه المفارقة في جداول التصنيف. تظهر على الميزان. في كل زيارة إلى المركز تنتظر والدته أن يتحرك الرقم إلى الأعلى. لكن حتى إذا حدث ذلك، يبقى السؤال الذي واجهته أسرة سليم من قبله، ماذا سيأكل الطفل عندما يعود إلى البيت؟
في غزة اليوم، لم تعد المشكلة فقط إنقاذ طفل أصابه سوء التغذية. التحدي الأصعب هو أن يجد، بعد إنقاذه، ما يمنعه من العودة إليه.
الكلمات المفتاحية
هل تخيّل الغزيون أن يصبح مصاغهم المادة الخام لسوق الذهب والفضة؟
شمل الدمار أفران الصهر والصب، والقوالب، وماكينة التفريغ، ومعدات النقش والطلاء. كما انقطعت مواد حمض النيتريك والبورق والشمع والجبس، فتوقفت صناعة أصناف تحتاج إلى تجهيزات متخصصة، وفي مقدمتها السلاسل وبعض الخواتم.
تأجيل الانتخابات الفلسطينية: هروب من المسؤولية وحرمان للشعب في اختيار ممثليه
قال القيادي في حركة فتح أحمد غنيم إن قرار تأجيل الانتخابات "يعبر عن عدم الشعور بالمسؤولية أمام التحديات التي تواجه الشعب الفلسطيني"
على خرائط غوغل.. الغزيون يبحثون عن بيوتهم بين الركام
نحو 98% من مدينة رفح دُمّر بالكامل، وفق تقديراته، مقارنة بنحو 40 إلى 50% خلال التهدئة في كانون الثاني/يناير 2025
تقرير: إسرائيل تسمح بمسح مواقع لتسليم حماس سلاحها في غزة
ذكرت هيئة البث الإسرائيلية "كان 11" أن الشركة، المكلّفة من "مجلس السلام"، ستعمل على تحديد مواقع في رفح وخان يونس، ضمن مناطق خاضعة لسيطرة جيش الاحتلال
شو اللي رماك هالرمية يما؟
"شو اللي رماك هالرمية يما؟"، سؤال ما زال معلّقًا في ذاكرتي، بوجع أمي عندما سألت السؤال فوق جسد "مهدي". لم أبحث عن إجابة، وربما ليس لي حق في معرفتها، لأنها، قبل كل شيء، حق لأمي
هل تخيّل الغزيون أن يصبح مصاغهم المادة الخام لسوق الذهب والفضة؟
شمل الدمار أفران الصهر والصب، والقوالب، وماكينة التفريغ، ومعدات النقش والطلاء. كما انقطعت مواد حمض النيتريك والبورق والشمع والجبس، فتوقفت صناعة أصناف تحتاج إلى تجهيزات متخصصة، وفي مقدمتها السلاسل وبعض الخواتم.
فرنسا تأسف لتأجيل الانتخابات الفلسطينية وتدعو عباس إلى التراجع عن القرار
أبدت باريس استعدادها، إلى جانب شركائها الأوروبيين، للمساعدة في إنجاح العملية الانتخابية، بما في ذلك عبر بعثة الاتحاد الأوروبي لمراقبة الانتخابات التي أطلقت بطلب فرنسي