في غزة.. حتى الموتى ينتظرون دورهم
5 أغسطس 2026
أمس خرجت غزة لتشييع 112 شهيدًا وشهيدة، من عائلتي الحساينة وأبو شريعة، قضوا في مجزرة ارتكبتها طائرات إسرائيل. بقي جميعهم تحت أنقاض بيوتهم في حي الصبرة منذ تشرين الثاني/نوفمبر 2023، إلى أن تمكنت طواقم الدفاع المدني، بعد قرابة ثلاثة أعوام، من الوصول إليهم قبل أيام.
لم يكن من السهل عدّ الأكفان. كانت تمتد في الساحة أكثر مما تحتمله العين، بينما كان المشيّعون ينتقلون بينها بحثًا عن اسم يعرفونه. لم تكن جنازة اليوم امتدادًا طبيعيًا للموت. كانت جنازة تأخرت عن موعدها سنوات.
لم تكن جنازة 112 شخصًا فقط، بل جنازة عالم صغير كان قائمًا في حي الصبرة، له بيوته وأصواته وروائحه، ثم اختفى في لحظة
في الأحوال العادية، يموت الإنسان، فيجتمع حوله أهله، ويرون وجهه للمرة الأخيرة، ويصلّون عليه، ثم يحملونه إلى قبرٍ يعرفون مكانه. يبدأ الحزن بعد ذلك، مؤلمًا لكنه واضح، لأن للغياب اسمًا، وللميت قبرًا.
أما في غزة، فقد يسقط البيت فوق من فيه، ويعرف الناجون أن أهلهم تحته، لكنهم لا يملكون طريقًا إليهم. لا معدات كافية، ولا وقت آمن للحفر. يقفون أمام الركام، ينادون أسماء يعرفون أنها لن تجيب، ثم يغادرون وهم لا يحملون جثمانًا ولا شهادة وفاة مكتملة، ولا حتى يقينًا يسمح لهم بالبدء في الحداد.
يبقى المفقود عالقًا بين حالتين، لا هو عاد إلى بيته، ولا وصل إلى قبره. وبقي شهداء الحساينة وأبو شريعة في هذه المسافة قرابة ثلاثة أعوام، وكانت في اللحظة الأصعب، إذ استشهدوا قبيل ساعات من أولى هدن حرب الإبادة.
فوق الأرض كانت الحرب تتغير. تتقدم الدبابات وتتراجع، تُعقد الهدن ثم تنهار، تُنصب الخيام وتُهدم ويُعاد نصبها في مكان آخر. ولد أطفال، وكبر آخرون، ومات ناجون من الجوع والمرض والقصف. أما تحت الأرض، فبقي أفراد العائلة في اللحظة ذاتها التي سقطت فيها البيوت فوقهم. ثلاثة فصول شتاء مرت عليهم هناك، ومواسم وأعياد، وآلاف الأخبار التي كانت تقول للعالم إن عدد الشهداء يرتفع، بينما ظل هؤلاء في أماكن موتهم، تحت الركام، خارج المقابر وخارج مشهد الوداع.
عمل رجال الدفاع المدني 136 ساعة متواصلة، وفي مواضع كثيرة اضطروا للحفر بأيديهم، لأن المعدات الثقيلة التي كان يمكن أن تختصر سنوات الانتظار لم تكن متاحة. كان عليهم أن يفصلوا الموتى عن الحديد، وأن يبحثوا عن عظام صغيرة بين الحجارة، وأن يعيدوا ما تبقى من أفراد العائلة إلى أسمائهم، قبل أن يضعوهم في أكفان متشابهة.
بينهم أمهات وأبناء، أشقاء وأحفاد، كبار سن وأطفال لم يكونوا يعيشون بعيدًا عن بعضهم. كانوا عائلة واحدة، تتقاطع حياتهم داخل البيوت نفسها. لكل طفل منهم زاوية كان ينام فيها، وشخص يناديه باسم دلع لا يعرفه أحد سواه. ولكل امرأة بيت كانت مركزه، تحفظ تفاصيله وحدها.
وحين استشهدوا معًا، لم تفقد العائلة 112 فردًا منفصلًا. فقدت شبكة كاملة من العلاقات دفعة واحدة. فقد الطفل أمه، لكن الأم كانت قد استُشهدت أيضًا. وفقد الأب أبناءه، لكنه لم يبقَ ليحزن عليهم. وفقدت الجدة أحفادها، قبل أن تُدفن معهم في اليوم نفسه.
لهذا لم تكن جنازة 112 شخصًا فقط، بل جنازة عالم صغير كان قائمًا في حي الصبرة، له بيوته وأصواته وروائحه، ثم اختفى في لحظة.
الناجون الذين وقفوا أمام هذا العدد من الأكفان لم يخرجوا سالمين من مجزرة قديمة، بل يحملون في داخلهم قرابة ثلاثة أعوام من الانتظار، ومن العجز عن دفن أهلهم، ومن المرور يوميًا بجوار المكان الذي يرقدون تحته دون أن يبلغوه. طوال تلك المدة لم يكن الركام بالنسبة إليهم مبنى مهدمًا، كان مقبرة مكشوفة بلا شواهد.
نحن نعرف أن الحرب تمنع الطعام والدواء والماء، وتغلق الطرق أمام الجرحى. لكن في غزة، عطّلت الحرب أيضًا العلاقة الأخيرة بين الإنسان ومن يحب. منعت يدًا من إغلاق عيني ميت، وأمًا من تقبيل طفلها للمرة الأخيرة، وأبًا من حمل ابنه إلى قبره. حرمت الناس من أبسط حقوق الحزن.
خلال عمليات الانتشال، لم تكن الطواقم تبحث عن ناجين هذه المرة، بل عن بقايا أشخاص تعرف عائلاتهم أنهم رحلوا منذ زمن. أن ينتظر الأهل سنوات كي يحصلوا على رفات أبنائهم، ثم يشعروا بشيء أقرب إلى الراحة لأنهم وجدوا أخيرًا ما يمكن دفنه.
في غزة، صار العثور على الجثمان نفسه خبرًا. صار القبر امتيازًا لا يحصل عليه الجميع، دليلًا على أن الميت لم يختفِ تمامًا، وأن عائلته استطاعت ولو بعد سنوات أن تستعيد منه شيئًا: اسمًا فوق شاهد، ومكانًا تزوره، وفاتحة تعرف أين تُقرأ.
ومع ذلك، لم تكتمل الجنازة. ما زال 157 شخصًا من ضحايا المربع السكني نفسه في عداد المفقودين. لا تعرف عائلاتهم إن كانت أجسادهم لا تزال عالقة في طبقات أعمق من الركام، أم أن شدة الانفجارات لم تترك منها ما يمكن العثور عليه ودفنه. أكثر من نصف الغائبين لم يصلوا بعد إلى المقبرة.
فالذي يفقد أحدًا ويعرف قبره يتألم، لكنه يعرف أين انتهت الرحلة. أما من بقي ابنه أو أمه تحت بيت مدمر، فيعيش كل يوم أمام احتمال أن يكون المكان نفسه قبرًا، من دون أن يستطيع فتحه أو الوصول إليه.
في غزة، لا تنتهي المجزرة بانتهاء القصف. قد تستمر سنوات في ناجٍ يبحث عن أفراد عائلته، وأم لا تعرف أين دفن طفلها، أو في بيت ما زال يحتفظ بمن قتلوا داخله، ينتظر آلة ووقودًا ووقتًا آمنًا كي يخرج إلى الضوء.
ربما ظن العالم أن شهداء تشرين الثاني 2023 دُفنوا منذ زمن، وأن الحزن عليهم أصبح جزءًا من الماضي. لكن 112 كفنًا خرجت اليوم لتقول إن الماضي في غزة لم يمضِ. كان موجودًا طوال الوقت، تحت أقدام الناس.
أمس دُفن 112 شهيدًا. لكن الحقيقة الأثقل أنهم لم ينتظروا الموت كل هذه المدة. لقد ماتوا في يوم واحد.
الذين انتظروا كل هذا الوقت لم يكونوا الموتى.
كانوا الأحياء.
الكلمات المفتاحية

جردة حساب بعد ثلاثة وثلاثين عامًا على أوسلو
الدولة الفلسطينية لم تعد على مرمى حجر. الحقيقة الأكثر إيلاما أنها ابتعدت إلى الحد الذي أصبحت معه بالكاد مرئية في الأفق السياسي

هل حل خريف نتنياهو؟
كان نتنياهو يراهن على أن يعيد إنتاج إحدى وصفاته القديمة، وهي إدخال وجوه جديدة وشخصيات ذات حضور عسكري أو إعلامي أو مجتمعي إلى قائمة الليكود

البريد السرّي للأسرى وتهريب الإنسانية: رسالة إبراهيم حامد لوليد دقة نموذجًا
نأى بقلبه إبراهيم حامد عن شؤون السجن الخارقة للإنسانية، ليقترب أكثر من صورة ميلاد متأملًا فيها، فغدت ميلاد مرآته التي انعكس بها وجهه الإنساني

انتهاكات مستمرة.. 1,375 شهيدًا منذ وقف إطلاق النار في أكتوبر الماضي
أعلنت وزارة الصحة في القطاع وصول 3 شهداء جدد و27 مصابًا إلى المستشفيات خلال الـ24 ساعة الماضية

كيف يحوّل الاحتلال "الإخطارات الأثرية" إلى أداة للسيطرة على الأراضي؟
هيئة مقاومة الجدار والاستيطان: "الإخطارات الأثرية" للاحتلال لا تعد أوامر استيلاء بحد ذاتها، ولكهنها قد تفضي عمليًاإلى فرض سيطرة وظيفية عليها.

7 سنوات من البناء تنتهي بالتهجير.. أبو عيسى من الطيبة: المستوطنون احتلوا بيتي
بعد إتمام بنائه، تحوّل منزل بشير كونه في قرية الطيبة إلى هدف لاعتداءات المستوطنين، فيما بقي عاجزًا عن السكن في منزله حتى اليوم.

"يناي".. الذكاء الاصطناعي يدخل منظومة المراقبة الإسرائيلية في الضفة
القناة 12: طوّر قادة وضباط في هيئة حماية الحدود التابعة للجيش، منظومة "يناي" لمساعدة مجندات الرصد والاستطلاع على التعامل مع تدفق المعلومات من وسائل الرصد المختلفة




