كيف أعادت إسرائيل تشكيل لغتنا اليومية؟
27 مارس 2026
بالتوازي مع الإبادة الجماعية التي أعادت رَسم غزة جغرافيًا، تَعمّدت إسرائيل إعادة تَشكيل لغتنا اليومية، حيث عملت على إنشاء لغة جديدة صاغتها ببطءٍ على مدى عامين من القتل والتجويع، حتى أصبحت اليوم جزءًا لا يتجرأ من واقع الغزيين. فبعدما ارتبطت غالبية مفردات هذه اللغة في الماضي بالحروب القصيرة والتصعيدات، إذ كانت سرعان ما تختفي بانتهائها؛ صارت اليوم لغة يومية، لا أحد يعرف متى تُغادر.
لم يقف الأمر عند هذا الحد، فهذه اللغة الجديدة خلقتْ معانٍ أخرى لكلمات قديمة، وأضافت لوازم كلامية بدأت بحزام ناري ونزوح ولم تنتهِ بالخيمة، حتى أصبحَ القَول بالنسبة للغزيين ليسَ فِعل تعبير بل وسيلة بقاء يتكئون عليها، ويطوون بها أيامهم الثقيلة.
بالتوازي مع الحلم بإعادة المدينة لما كانت عليه، علينا الانتباه إلى اللغة التي فلتت من أيدينا، والأخرى التي فرضتها إسرائيل بإتقانٍ متناهي خلال عامين من الإبادة الجماعية
لغة فُرضت بالخَوف
كان الخوفُ عاملًا أساسيًا استخدمته إسرائيل لإدخال هذه اللغة في حياة الغزيين، حيث جاءت مفرداتها مُحمّلة بسياقها القسري، ليتمكن الاحتلال من فرض قاموسه الخاص خلال عامين من الإبادة، وتصبح كلمات مِثل: حزام ناري، منطقة آمنة، شمال وادي غزة، جنوب وادي غزة، ناجٍ وحيد، ركام، خيمة. كلمات مألوفة تُستخدم بكثافة وتُسمع في الأحاديث بشكل يومي، بينما كلمات أخرى اختفت تمامًا، مثل: كهرباء، غاز، بيت، سعادة.
ومع استخدام الغزيين للغة الجديدة قسرًا، لا يُمكن القول أنها جاءت انعكاسًا لتجربتهم فقط، بل أُدخِلت لحياتهم عنوةً كالصواريخ والكواد كابتر والخيام، وكانت وما زالت جزءًا أساسيًا من آلية السيطرة على واقعهم وأحلامهم، إذ تُنظّمه بدقة عالية وتحدد كيف يُفهَم وكيف يُحكى أيضًا، سواءً في الجلسات العائلية أو على شاشات التلفاز أو في نصوص وأشعار الكُتّاب والشعراء.
أن تتحكم بما يُقال
لم يختر أيّ من الغزيين أن تكون أحاديثهم اليومية عن سعر السكر والزيت، أو عن توفر البيض في الأسواق، فهذه التفاصيل لم تكن يومًا محور حياتهم أو لغتهم، ولكنّ إسرائيل نجحت تمامًا في تهجين الأحاديث اليومية بما يتوافق مع سياق الإبادة، حتى أصبحت جُمل مثل: عندك إنترنت؟ سجلت في رابط المساعدات؟ نزل لك كود الـ 1250 شيكل؟ صار عندكم قصف اليوم؟ فتح المعبر؟ نزل اسمك على كشف الغاز؟ 8 كيلو ولا 12؟ جُمل أساسية تفتتح بها الحوارات واللقاءات وتُختم بها.
وهكذا وجدَ الغزّي نفسه يتحدث اللغة التي تريدها إسرائيل تمامًا، لغة لم يعد الصمتُ فيها قرارًا شخصيًا أو حتى القول، حيث نجحت هذه اللغة في تحديد طريقة القول وسياقه وما يجب الحديث عنه وما لا يجب، كأنها بذلك تضع قيودًا خفية على الألسنة، وتعيد توجيه الكلام بما يخدم الواقع الجديد.
معانٍ كثيرة كاذبة
لم تُدخِل هذه اللغة مفردات جديدة وتستثني أخرى فحَسب، بل خلقت معانٍ مُختلفة حتى أصبح هناك فجوات بين الكلمات وما تدلّ عليه، فعلى سبيل المثال: تعني كلمة "نزوح" مغادرة البيت عنوةً، وتعني أيضًا الانتقال من مكانٍ إلى آخر، ومن بيتٍ إلى آخر، ومن خيمةٍ إلى أخرى. كما لا يشير مصطلح "منطقة آمنة" إلى الأمان، بل للمنطقة التي يكون فيها احتمال الموت أقلّ من غيرها من المناطق، بينما كلّ مَن يقال عنه "ناجٍ" ليس بالضرورة أنه حصل على الخلاص، فقد يكون موته تأجّل قليلًا فقط للصدفة البحتة.
لذلك، نجدَ أن هذه اللغة لا تقول الحقيقة كما هي، ويمكن القول أنها تموهها فهي غير قادرة على وصف الواقع بشكل شفاف ودقيق، مقابل قدرتها على ترتيبه وتلطيفه ليصبح قابلًا للاحتمال لا للفهم، وهنا، يمكن القول: إن إسرائيل أعادت صياغة الكارثة ببراعة تامة، عبر لغةٍ أقلّ وطأة على النفسِ من سابقتها، لغة تمسحُ ما قبلها من الذاكرة.
كأنها تَجبُّ ما قبلها
عندما تحتلّ لغةٌ جديدة واقعًا ما، فإنها بالضرورة تَجبّ ما قبلها أو على الأقل تُهمّشها قليلًا، وهذا ما حدثَ مع لغة الإبادة، فقد همّشت ما قبلها وكأنها جاءت من الصفر دون أيّ تاريخٍ يُذكر. وقد ساهم في ذلك سياق الحياة اليومية، الذي حَوّل البيت إلى خيمة، والشارع إلى زقاق، والكهرباء إلى حُلم، ما جعل العودة لما خلف الخط الأصفر-بما يشمل من بيت وعائلة ومعيشة- فعل رخاءٍ لا نتخيل الغزيون إمكانية تحقيقه.
وهنا، عند هذه النقطة بالتحديد، تمكنت إسرائيل عبر لغة الإبادة من إعادة ترتيب ذاكرتنا بما يتوافق مع الواقع الجديد، حتى صارت الحكايات القديمة مجرّد مبالغات لن يصدقها مَن لم يشاهدها، ولن يستغرب أيّ شخصٍ إنكار أحدٍ لها. حدث ذلك على مستوى الفقد أيضًا، فهذه اللغة تعمل بشكل دائمٍ وبصمت على إلغاء كلّ ما لا يُشبه المُعاش، حتى باتت المشكلة ليست فقط في فقدان ما كان، بل في فقدان قدرتنا على تخيله أيضًا.
عندما تَخنق لغةٌ مُستقبلًا كاملًا!
قد يسأل أحدكم: هل تؤثر اللغة على المستقبل؟ فالإجابة: نعم، فاللغة عمليًا قد تفتح أبوابًا كثيرة للأشخاص، سواءً على مستوى الفكر أو التعليم أو الوظيفة أو حتى المعيشة لما يرتبط بها من تقاليد وعادات وحياة. وفي الوقت نفسه قد توصد اللغة أبوابًا لا حصر لها، أليس كذلك؟ فهي إما تفتح مساحاتٍ في العقل والواقع لا يُرى آخرها، أو تجعل الدنيا أضيق من خرم إبرة.
وبالنظر لما فعلته لغة الإبادة، نجد أنها خنقت مستقبل الغزيين وجعلته محصورًا في حدود النجاة فقط، فلم يعد أيًّا منهم يتحدث عن غدٍ أفضل، أو بيتٍ جديد، أو مشاريع مستقبلية، فقد انصبّ الأمل على أيامٍ تمرّ دون خساراتٍ إضافية، ودون فقدٍ أو نزوح أو جوع. وهكذا، تحول المستقبل من فكرة يمكن تخيلها وبنائها مع الوقت؛ لأملٍ مؤقت يؤجّل من يومٍ لآخر، حتى صارت أحلام الغزيين أبسط من أن تُروى وأضيق من أن يُخطط لها.
لأنّ اللغة لا تُدواى منفردة
بعدما توقفت الإبادة ظاهريًا، بدأ الغزيين في محاولات مستمرة لاستعادة حياتهم السابقة، وهنا، قد يستطيع أحدهم أن يوفّر بيتًا صغيرًا للعائلة، وقد يعمل آخر على تحويل الخيمة لمكانٍ دافئٍ وثابت ببعض الأخشاب والنايلون، بينما آخرون قد يغرقون في محاولةٍ لاستعادة معنى الحياة بعد امتلائها بالخوف والموت، ولكنّ أحدًا لن يستطيع مداواة اللغة التي تفشّت في حياتنا ووضعت حدًا فاصلًا بين الماضي والحاضر، كما أنها قولبت المستقبل وجعلته عبئًا أكثر من كونه أملًا.
لذلك، بالتوازي مع الحلم بإعادة المدينة لما كانت عليه، علينا الانتباه إلى اللغة التي فلتت من أيدينا، والأخرى التي فرضتها إسرائيل بإتقانٍ متناهي خلال عامين من الإبادة الجماعية. وعلينا أيضًا استعادة الكلمات التي فقدت معناها تحت ضغط الواقع، لا لنرسم واقعًا جديدًا فحسب، ولكن لنستطيع القول والفعل والعمل، لنستطيع وصف ما حدث والحديث عنه اليوم وغدًا وبعد غد. فهذه اللغة الجديدة لا تكتفي بإعادة تشكيل حياتنا اليومية، بل تضيّق مخيالنا أيضًا، وتدفعنا لقبول عالمٍ أصغر مما نستحق.
الكلمات المفتاحية
الكنيست يبعث آيخمان من قبره
أما "تفاهة الشر" التي يحملها آيخمان على كاهله بعد بعثه من قبره، فإنني سألقي بها في وجوه أولئك الذين سنّوا قوانين تشريع العنصرية والإبادة بحسب ما تشاء أهواؤهم وعقيدتهم، التي للأسف ليست شأنًا عاديًا وتافهًا
ضحكة ضد استعمارية
محاربة الضحكة الفلسطينية بحاجة إلى سياسة معينة تكفل ردع الأسير وإرهابه وإبعاده عن مشاعره الداخلية وقمعها، وذلك من خلال تطبيق السجان لبروتوكول القوة الغاشمة ضد الجسد الفلسطيني الأسير
عنا وعن إسرائيل و6 أشهر من الانتظار
نتيجة سياسة الانتظار من الرسمية الفلسطينية، فإن الواقع حاليًا يستند على تنازلات وانتظار إجابات لم تصل والأرجح أنها لن تصل
استشهاد شاب في جنين.. وهجمات للمستوطنين في الخليل ورام الله
ارتفع عدد الشهداء في الضفة الغربية منذ بداية العام الحالي إلى 62 شهيدًا، بينهم 17 شهيدًا قتلوا برصاص ميليشيات المستوطنين
بالأسماء.. مرشحو اللجنة المركزية لحركة فتح في انتخابات المؤتمر الثامن
عدد الذين أبدوا رغبتهم بالترشح، وفق المعطيات الداخلية للجنة المركزية، وصل إلى 60 مرشحًا من مختلف الأقاليم، يتنافسون على 18 مقعدًا شاغرًا في اللجنة المركزية
قاد القسام ورمم قواته خلال الحرب.. من هو عز الدين الحداد؟
ادعى جيش الاحتلال الإسرائيلي مساء يوم الجمعة، استهداف عز الدين الحداد، قائد القسام في غزة، خلال هجوم استهدف شقة في القطاع
نتنياهو وكاتس: استهدفنا قائد كتائب القسام عز الدين الحداد
أعلن نتنياهو وكاتس، مساء الجمعة، أن الجيش الإسرائيلي نفذ هجومًا استهدف الشقة التي كان يتواجد فيها قائد كتائب القسام عز الدين الحداد