ultracheck
قول

كيف لوّنت إسرائيل حياتنا؟

13 فبراير 2026
كيف لَوّنت إسرائيل حياتنا؟
عامر المصري
عامر المصري كاتب فلسطيني

إذا كنتَ رسامًا، فالألوان هي وسيلتك لاستنطاق التفاصيل ومَنح الشّعور، وإن كنتَ مخرجًا سينمائيًا فهي أداتك لخلق الحالة وصناعة المزاج العام، وفي كلتا الحالتين تبدو الألوان كلغة خفية تقود العاطفة بهدوء. أما إذا كنتَ مُحتلًا يرغب في تشويه معنى الأشياء، فيمكنكَ حينها الاستعانة بالألوان أيضًا، ولكن بطريقة أخرى تجعل منها أداة تنظيمٍ لا تجميل، وتصنيفٍ لا تعبير. وهذا ما فعلته إسرائيل بالضبط طوال عقودٍ طويلة من الاحتلال. 

في سبيل خَلق واقعٍ/خيالٍ مُشوّه، عملت إسرائيل على انتزاع الألوان من معناها الإنساني في حياتنا، وكأنها بذلك تريد أن تعيدنا بالزمن إلى الوراء - عهد الأبيض والأسود- إذ تفقد الأشياء تفاصيلها وظلالها

لقد لوّنت حياتنا ليس لتُجمّلها بل لتَحدّها وتجعلها أكثر كآبةً، حتى باتت الألوان لا تخبرنا بما نشعر بل بما هو مسمحٌ لنا أن نفعل، الأمر الذي حَوّل اللون في حياتنا من أداة إحساس إلى أداة ضبط، ومن خيار جمالي إلى قرار سيادي. عند هذه النقطة بالتحديد، لم يعد اللون الأخضر بستانًا، بل خط يفصل بين زمنين ومكانين، وأصبحَ اللون الأزرق ليس وسمًا للبحر، بل لإمكانية المرور، بينما تحوّل الأصفر لإشارة تحذير... إن تخطيته تُقتل قنصًا أو قصفًا، وإن لم تتخطه، تموت أيضًا ولكن جوعًا وقهرًا.

الألوان كأداة تنظيم/سيطرة

في سبيل خَلق واقعٍ/خيالٍ مُشوّه، عملت إسرائيل على انتزاع الألوان من معناها الإنساني في حياتنا، وكأنها بذلك تريد أن تعيدنا بالزمن إلى الوراء - عهد الأبيض والأسود- إذ تفقد الأشياء تفاصيلها وظلالها، بينما كلّ شيءٍ خاليًا تمامًا من معناه. ما جعل الألوان دليل حزنٍ وخطر وفَقد، لا دليل فرحٍ أو سكينة، وهكذا تغيّرت دلالات الألوان في حياتنا، فالأبيض ليس دليل سلام بل استسلام، والأحمر لا يشير إلى النشاط والقوة بل إلى الدّم، وهكذا دواليك.

ومع هذا التغيير، تحوّلت الألوان في حياتنا إلى "أدوات خفية" تنظّم حياتنا قسرًا وعنوةً، فهي التي ترسم الحدود وتحدد ما يمكننا القيام به وما لا يمكننا، وهي التي تقرر أين يمكننا التحرّك وكيف نُعامل على الحدود. فلون الهوية قد يُمكّنك من العبور وقد لا يُمكّنك، ولون الخط يقرر إن كنت ستموت إذا تجاوزته أم لا، ليصبح اللون بذلك لا يُصنّف واقعنا فقط بل يصنعه يوميًا وبشكلٍ متكرر.

الأخضر الذي تحوّل إلى مصير

بعدما كان اللون الأخضر يرمز للبساتين والحقول الخضراء الممتدة من شمال فلسطين حتى جنوبها، أخذ هذا اللون معنًى آخر بعد نكبة عام 1948م، فَقد أصبح الأخضر خطّ هدنة عام 1949 يَفصل بين الأراضي المُحتلة والأراضي التي احتُلّت لاحقًا عام 1967. وهكذا أصبح الأخضر حدًا فاصلًا بين ماضينا وحاضرنا، وبين عائلة وأخرى، ليتجاوز بذلك كونه خطًا سياسيًا، ويصبح مع مرور الوقت نظامًا يُعيد تعريف الفلسطيني ويحدد مصيره وحركته وحقوقه.

ارتبط اللون الأخضر أيضًا بوثيقة الهوية الفلسطينية التي بدأ إصدارها بعد اتفاق أوسلو عام 1993، ويحملها الفلسطينيون اليوم في الضفة الغربية وقطاع غزة وبعض ضواحي وبلدات القُدس، بعدما ظلوا لسنواتٍ يحملون بطاقات برتقالية تشير لوضع إداري مؤقّت ومُعلّق. وعلى الرغم من تَغيّر لون البطاقة إلا أنّ منطقها لم يتغير، فهي وسيلة ضِيق لا اتساع، تُحدّ الحركة ولا تحثّ عليها. وهكذا لم يعد اللون الأخضر يرمز لحقل أو بستان، بل إلى: تصريح، حاجز، منع، انتظار، حدود.

الأزرق الذي كان بحرًا وسماء

لطالما كان اللون الأزرق جزءًا أصيلًا في هويّة الفلسطيني، كيف لا وهو لون المُتوسط والسماء والأحلام، ولكن بعد عام 1967، ارتبطَ هذا اللون بالبطاقة الإسرائيلية التي فُرضَت على فلسطينيي القدس الشرقية، تحديدًا من يسكنون داخل حدود البلدية، رغم ذلك، حُرم من الأزرق هذا عشرات الآلاف من سُكان قرى وبلدات المدينة. ومع أنّ الأزرق هنا يبدو من بعيد اعترافًا -ولو محدودًا- بالحقوق الأساسية، إلا أنه نزعَ صفة المواطنة ومنحَ حامليه تصنيف: مقيم.

وفي تجريدٍ للون الأزرق من معانيه المعنوية والاقتصادية، سنّت إسرائيل تشريعات لتسهيل سحب البطاقة الزرقاء من أصحابها، وإبعادهم خارج القدس، وقد شملَ هذا الإجراء أكثر من 14 ألف مقدسي منذ عام 1967م. وهكذا، تمكنت إسرائيل من تحويل مسار الأزرق من البحر إلى قنوات عبور مُخصصة على الحواجز والطرقات، حتى أنها جعلته يحدد ما نستطيع أن نكونه، ومن أين يُمكن أن نسير وفي أيّ اتجاه، وهل يمكننا الانتخاب أم لا.

الأصفر الذي لا يُمكن تجاوزه

برسمه خطًا على خارطة ورقية، ثمّ نقله على الأرض ليأخذ شكل حواجز خرسانية وعلامات؛ نزعت إسرائيل صفة البهجة عن اللون الأصفر إلى الأبد - بالنسبة للغزيين على الأقل.  فمع دخول وقف إطلاق النار حيّز التنفيذ في أكتوبر 2025م، باتَ الأصفر حدًا فاصلًا بين زمنين مُختلفين تمامًا، حدٌّ لا يُمكن تجاوزه دون الحصول على رصاصة أو صاروخ طائرة مُسيرة أو ذكرى قاتلة، حدٌ يَمنع الناس من العودة إلى ماضيهم القريب، بيوتهم، حقولهم، وذكرياتهم.

وهكذا حَوّلت إسرائيل لونًا يثير مشاعر السعادة والفرح إلى لونٍ قاتم يُربّي الخوف والحزن، وأعادت تشكيل علاقة الفلسطيني بمكانه من جديد، حيث لم تعد الأرض مساحةً للعيش، بل مساحة شاسعة للاختبار: هل يمكن التقدّم قليلًا؟ هل هذه المسافة مسموح بها؟ هل يمكنني الوقوف هنا خمس دقائق؟ ومع مرور الوقت، يتحوّل اللون إلى درجة وعي تجعل الناس أكثر حذرًا وتوترًا حتى في حنينهم. فماذا يفيد الحنين عندما يقف الجنود بينكَ وبين بيتك؟ لذلك، لم يعد الأصفر وسيلة لمنع العبور فقط، بل لتعليق المشاعر وجعل الماضي ذاته منطقة خطرة.

 لم يبقَ لنا سوى الأسود!

لم تتوقف إسرائيل عند مصادرة الأرض والذاكرة والحكاية، بل عملت لعقودٍ طويلة على مُصادرة الألوان أيضًا لتُخفي البهجة من حياتنا، ولتجعل فلسطين مرتبطة في أدمغتنا بلونين فقط: الأبيض والأسود، لونٌ نرفعه رايةً في قلوبنا أو أيدينا لنعبر الحواجز والخوف ونحن نمشي وسطَ الجنود، وآخر نَصِف فيه حياتنا اليومية المقطّعة بين بلدةٍ هنا وآخٍ هناك وعائلةٍ اختفت وأخرى لا يُمكن الوصول إليها.

لذلك، لم تكن الألوان في حياتنا امتدادًا للأمل بل لليأس، ولم تكن لغة جمال بل لغة قمع اعتمدَ عليها المُستعمر ربما ليُخفي القبح الذي صنعه في حياتنا، وربما أيضًا ليحرمنا من حقنا في اختيار ألواننا بأنفسنا، وهنا... عند هذه النقطة بالتحديد، ينكسرُ شيءٌ يُشبه الفرح في داخلنا، ونصير ننظر للعالم على أنه لوحة من الألوان، بينما نعيش نحن في بقعة سوداء داكنة وعلينا الهروب منها... وهو ما حدث، ويَحدث، فلا أحد يستطيع العيش في حياةٍ لم يلوّنها بنفسه.

الكلمات المفتاحية

حماس لـ"الترا فلسطين": تعاملنا بإيجابية مع مقترح الوسطاء ولا نقاش حول السلاح في هذه المرحلة

إعلان حالة الاستثناء الفلسطينية

يجب الرد على هذه الحالة الاستبدادية التي تتلبس الطوارئ لتخفي قاعدتها، بحالة استثناء أخرى تتمثل بإعلان الثورة والخلاص من الطغيان


فتح بين العرفاتية والعباسية [7]

فتح بين العرفاتية والعباسية [7]

مع بلوغ محمود عباس عامه التسعين، لم تعد المسألة داخل حركة فتح مجرد صراع أجنحة أو تنافس على المواقع التنظيمية، بل أصبحت معركة على هوية الحركة نفسها


فتح من العرفاتية إلى العباسية [6]

فتح من العرفاتية إلى العباسية [6]

إن مرحلة عباس منذ 2009 لا يمكن فهمها فقط بوصفها نتيجة خياراته الشخصية، بل أيضا بوصفها نتاجًا لتحولات إقليمية ودولية وإسرائيلية عميقة


فتح من العرفاتية إلى العباسية [5]

فتح من العرفاتية إلى العباسية [5]

لم يكن انتقال القيادة الفلسطينية من ياسر عرفات إلى محمود عباس مجرد انتقال طبيعي للسلطة داخل حركة فتح، بل كان تحولًا عميقًا في طبيعة النظام السياسي الفلسطيني نفسه

صواريخ إيرانية تضرب إسرائيل.png
أخبار

إيران تطلق 10 صواريخ على شمال فلسطين ردًا على قصف الاحتلال لبيروت

هدد قائد "مقر خاتم الأنبياء" ببدء "هجمات مدمرة" ضد إسرائيل وداعميه إذا ردت إسرائيل على القصف الإيراني أو وسعت هجماتها على لبنان

محامي حسام أبو صفية: نُقل للعزل ويعيش مقيدًا من أطرافه وبلا دواء
أخبار

محامي حسام أبو صفية: نُقل للعزل ويعيش مقيدًا من أطرافه وبلا دواء

يعيش حسام أبو صفية مكبل اليدين والقدمين وسط غياب المياه الصالحة للشرب ونقص الطعام وإهمال طبي


4 شهداء إثر قصف مركبة غربي مدينة غزة
أخبار

4 شهداء إثر قصف مركبة غربي مدينة غزة

قال نتنياهو إن الجيش الإسرائيلي "يضيّق الخناق" على حماس من جميع الجهات، ويسيطر على أكثر من 50% من مساحة القطاع، وستصل سيطرته إلى 70%

حاخام السايبر شموئيل بن عزرا: "تكنوقراط" الصهيونية الدينية في قمة الهرم الأمني
راصد

حاخام السايبر شموئيل بن عزرا: تكنوقراط الصهيونية الدينية في قمة الهرم الأمني

ينتمي شموئيل بن عزرا إلى تيار الصهيونية الدينية، وينحدر من عائلة أكاديمية وعسكرية، إذ ينشط والده في أبحاث الإلكترونيات البصرية

الأكثر قراءة

1
تقارير

خاص | لقاءات فصائلية قبيل جولة تفاوضية بين حماس والوسطاء: لرد موحد على ملادينوف


2
تقارير

بعد اقتحام سموتريتش.. تصاعد المخاوف من الاستيلاء على برك سليمان


3
تقارير

خاص | حماس تؤخّر زيارتها للقاهرة وتبحث مع الوسطاء آلية التعامل مع جولة التفاوض القادمة


4
تقارير

خاص | عودة مفاوضات غزة إلى الواجهة: لقاء رفيع المستوى بين حماس والوسطاء قريبًا


5
راصد

جنود الاحتلال يروون: إعدامات يومية على "الخط الأصفر" ووقف إطلاق النار في غزة "خدعة"