ultracheck
قول

كيف نرد على الإبادة بالكتابة؟

26 يونيو 2026
كيف نرد على الإبادة بالكتابة؟
باسم خندقجي
باسم خندقجي كاتب فلسطيني وأسير محرر

"كيف يحتاج دمٌ بهذا الوضوح إلى معجم طبقي لكي يفهمه؟"

بهذا التساؤل المرير للشاعر الخالد مظفر النواب أفتتح هذا المقال، الذي سأتفحص فيه تأثيرات الإبادة الكولونيالية الصهيونية في الخطاب الأكاديمي الفلسطيني والكوني عمومًا، بالإضافة إلى تمثيلات الإبادة في المستويات السردية العامة في الأدب والثقافة والفنون.

قبل أيام نشر موقع "الترا فلسطين" مقالي "غزة كأس العالم كله"، والذي سعيت من خلاله إلى تسليط الضوء على ما يجري في غزة من قتل ودمار ممنهجين بينما ينشغل العالم بكأسه الكروية، وأبرزت مدى عشق الغزيين لكرة القدم ومحاولتهم الجميلة في متابعة مباريات كأس العالم، وكتبت محتفيًا بغزة وحقها بالحياة والإنسانية: "لغزة كأس، وكأس العالم كله هي غزة، هي القربان، وهي الفداء، وهي الخلاص أيضًا. غزة هي صرخة الإنسانية الأخيرة".

بعد الإبادة الجماعية ثمة إبادة أخرى طالت أنماط تفكيرنا في أنفسنا أولًا وفي رؤيتنا للعالم ثانيًا، وهذه الإبادة الشاملة بحاجة إلى لغة مغايرة وشاملة أيضًا تكفل التأسيس لخطاب معرفي جديد مشتبك مع جراحاته وآلامه علّه ينفكّ عنها قريبًا.

ولم أكن أتخيل في أسوأ كوابيسي أن هذا المقال سيكون جارحًا ومؤذيًا للعديد من أبناء شعبي في غزة، بسبب استخدامي لكلمة قربان، والتي لم أكن أتوخّى من ورائها سوى القول بأن العالم تخلى عن غزة وأحالها إلى قربان لنفاقه وصمته عما يقترفه نظام الأبارتهايد الكولونيالي الصهيوني بحق غزة.

وشعرت بأنني لست مطالبًا بتوضيح أو اعتذار للذين جرحتهم هذه الكلمة، ورغم ما رافق انتقادي على ما كتبت من إساءة شخصية مؤذية لا تعبّر عن أصالة وثقافة شعبنا الفلسطيني الأبي في كل مكان، إلا أنني شرعت بتأمل ما حدث وما هي أسبابه، وما هو حجم تلك الحساسية الناتجة عن صدمات الإبادة بأبعادها النفسية واللغوية والسلوكية، إلى أن اكتشفت أن الإبادة طالت كافة مناحي وأنماط الفلسطينيين تحديدًا في غزة، وربما دفعتهم أيضًا نحو عدم التصالح مع كلمة القربان كمفهوم يختزل الإنسان بمجرد كبش فداء، وتفريغه من إنسانيته وأهمية حياته ككينونة مؤثرة ومتفاعلة مع شؤون الحياة، وهذا لا يعني – وهذا ما أتمناه – أن الإبادة جرى تذويتها في نفوس من ذاقوا ويلاتها، وأن النظام الصهيوني قد نجح في كسر إرادة الغزيين، فعلى النقيض تمامًا تثبت فرحة الجماهير في غزة إثر متابعتهم لمباريات كأس العالم وسط الدمار والركام والخيام، أنهم قادرون على ممارسة شؤون الحياة، مع إيمانهم التام بأن الإبادة ليست أبدية.

وعليه فإن إعادة النظر في استخدام بعض الكلمات في سبيل كتابة الإبادة ضمن مستويات التمثيل الأدبي والثقافي بات يتطلب لغة جديدة، لغة ضد إبادية وفي الوقت نفسه لغة تراعي مشاعر من نبتغي تمثيل معاناتهم.

وهذا ما ينقلني إلى الجانب البحثي الأكاديمي المختص إما بدراسات الاستعمار الاستيطاني، أو حقل دراسات الإبادة الجماعية، فمنذ عدة أيام نُشرت دراسة للباحثة نادرة شلهوب كيفوركيان في مركز مدى الكرمل بعنوان "ركائز الجهاز الإبادي الصهيوني الخمس: تفكيك فلسطيني لدراسات الإبادة الجماعية"، ترجمة أنس إبراهيم، حيث تتناول الباحثة من خلال عدة مفاهيم ومناهج بحثية الجسد الفلسطيني ككيان نُقشت عليه الإبادة، ولن أخوض هنا في قراءة لما قدمته كيفوركيان في دراستها، بل سأتناول كلمة الأشلاء التي استخدمتها الباحثة كثيرًا في دراستها.

تقول كيفوركيان: "أستخدم كلمة ’أشلاء’ باللغة العربية، للإشارة إلى الأجزاء الجسدية المتناثرة واللحم الممزق، لأن الغزيين يكررون هذا المفهوم بقلقٍ مُلحّ لوصف ما يجري، ولأن هذا الاستدعاء يساعد في تحليل إدراكهم لوظيفته المفاهيمية وتفكيك العمل السياسي لوحشيته". (ص 10).

وبالطبع كان ثمة من احتجوا وامتعضوا من هذا الاستخدام المبالغ في تكراره في أنحاء الدراسة، وتم تناسي وإغفال مضمون الدراسة الهام واللافت والمغاير لمنطق دراسات الإبادة الجماعية، رغم تفخيم الباحثة لدراستها بمصطلحات ومفاهيم أثقلت على اللغة العربية في عملية حملها دلاليًا، وكأن الإبادة بحاجة إلى كل هذا البذخ الفكري والمنهجي والنظري لكي نقوم بتفكيكها وتحليلها.

وأما الاحتجاج على كلمة الأشلاء فهل يمكن الاتفاق معه لناحية اللغة التشريحية الباردة التي اتُّهمت الباحثة باستخدامها في موضعة الإبادة ومن تعرضوا لها؟

باعتقادي أن كيفوركيان التي كنت أقرأ أنا دراساتها أثناء حقبة أسري في سجون الاستعمار الصهيوني تمتلك صوتًا نقديًا مختلفًا ومشحونًا بوعي التحرر المعرفي، والتي سعت من خلاله نحو الانعتاق والنأي عن دأب وفقه مناهج البحث العلمي الغربية الطابع، والتي تتناول الواقع أو الجماعات من خلال إحالتها إلى مجرد حلقة دراسية وموضوع بحثي، يجب دراسته بحيادية دون الأخذ بعين الاعتبار سياسات الهوية والمعرفة، وسأقول أيضًا سياسات العاطفة، وبهذا يتحول الإنسان إلى مجرد موضوع وجراحاته إلى مجرد أشلاء.

وبما أن الغزيين يستخدمون الكلمة كما تقول الباحثة، فإنه قد فاتها لربما السياق العاطفي المشحون بالحسرة ولوعة الفقدان والقتل الذي تُستخدم فيه الكلمة، بالضبط كما فاتني أنا أثناء استخدامي لكلمة قربان مدى تأثيراتها الصادمة على الغزيين والغزيات، وأقول فاتها في أوج حماستها البحثية الهادفة إلى تحطيم أنماط دراسات الإبادة الجماعية، لأن الباحثة تعرضت لانتقادات قاسية غفلت عن مدى أهمية الدراسة الهامة والمفجعة في ذات الآن.

ولكي نكتب الإبادة أو أي إفرازات ناتجة عن الكينونة الكولونيالية الصهيونية، فإنه يتوجب علينا عدم ارتداء القفازات والكمامات كما لو أننا نخوض في تشريح جثة، بل المطلوب هو الاشتباك والإعلان عن رفضنا لكافة المعايير والمعتمدات التي تطالب بالحياد والموضوعية على الطريقة الغربية المرتبطة بالهيمنة وأنماط الكولونيالية الجديدة، فبعد الإبادة الجماعية ثمة إبادة أخرى طالت أنماط تفكيرنا في أنفسنا أولًا وفي رؤيتنا للعالم ثانيًا، وهذه الإبادة الشاملة بحاجة إلى لغة مغايرة وشاملة أيضًا تكفل التأسيس لخطاب معرفي جديد مشتبك مع جراحاته وآلامه علّه ينفكّ عنها قريبًا.

الكلمات المفتاحية

هل يعيش النظام الصهيوني سنواته الأخيرة؟

هل يعيش النظام الصهيوني سنواته الأخيرة؟

الأزمة الداخلية الصهيونية يتوجب قراءتها بعمق، بعيدًا عن الصور النمطية المعبأة باليأس والإحباط نتيجة إمعان النظام الصهيوني في كيّ وعي الجماعات المقاومة والمناوئة له


في غزة.. حتى الموتى ينتظرون دورهم

في غزة.. حتى الموتى ينتظرون دورهم

في غزة، فقد يسقط البيت فوق من فيه، ويعرف الناجون أن أهلهم تحته، لكنهم لا يملكون طريقًا إليهم. لا معدات كافية، ولا وقت آمن للحفر


نحو صياغة عهد تربوي جديد

نحو صياغة عهد تربوي جديد

إن فكرة المعهد الوطني التربوي، ضرورة وطنية ملحّة، فما نراه من ارتجالية في رسم السياسات التعليمية، ينذر بذهابنا في التعليم إلى هناك.


تركة الزميل الراحل أحمد طرازعة

تركة الزميل الراحل

أخرجوا المعتقل الإداري أحمد طزازعة (18 عامًا)، من بلدة قباطية جنوب جنين، وكان وحيد والديه. وبعد دقائق عادوا ليأخذوا غطاءه.

ضغوط أميركية لوقف النار ونزع سلاح حماس... وأوغندا تنضم للقوة الدولية
أخبار

ضغوط أميركية لوقف النار ونزع سلاح حماس... وأوغندا تنضم للقوة الدولية

هيئة البث الإسرائيلية: إسرائيل لم توقع بعد على الاتفاق الذي يتيح إدخال قوة الاستقرار الدولية إلى قطاع غزة

تحقيق: شهادات عن تعذيب واعتداء جنسي بحق نشطاء أسطول الصمود
راصد

تحقيق: شهادات عن تعذيب واعتداء جنسي بحق نشطاء أسطول الصمود

كشف التحقيق عن نمط منهجي من سوء المعاملة والانتهاكات الجسدية، وحالة اعتداء جنسي موثقة، تعرض لها نشطاء "أسطول الصمود العالمي" خلال احتجازهم لدى القوات الإسرائيلية في أيار الماضي


هيئة مقاومة الجدار: 59 أمرًا للاحتلال بإزالة الطبقة الشجرية من أراضي المواطنين منذ مطلع العام
أخبار

مقاومة الجدار: 59 أمرًا بإزالة الطبقة الشجرية من أراضي المواطنين منذ مطلع العام

أصدر الاحتلال ثمانية أوامر عسكرية، نصّت على إزالة النباتات البرية واقتلاع أشجار الزيتون من الأراضي المحددة في الخرائط المرفقة بالأوامر، واستهدفت مساحة إجمالية بلغت 316,636 دونمًا

غضب في الكابنيت من نتنياهو.. رئيس الشاباك: موافقة حماس على خريطة الطريق "7 أكتوبر سياسي"
أخبار

غضب في الكابنيت من نتنياهو.. رئيس الشاباك: موافقة حماس على خريطة الطريق "7 أكتوبر سياسي"

كشفت إذاعة الجيش الإسرائيلي أن اجتماع "الكابينت"، خصص جزءًا واسعًا من مداولاته لبحث تطورات الأوضاع في قطاع غزة ومسار المفاوضات مع حركة حماس بشأن الاتفاق

الأكثر قراءة

1
تقارير

خاص | مسودة قرار تعدّل تشكيل المجلس الوطني: 67 عضوًا من الداخل بـ"التوافق والتشاور" ومقعد للرئيس


2
تقارير

من أبو حسنة إلى أبو راشد.. تهم "الإرهاب" تلاحق نشطاء إغاثة غزة في الخارج


3
راصد

قراءة في التقرير السنوي لمعهد الأمن القومي الإسرائيلي: تآكل النواة الصلبة واستنزاف الجدار الحديدي


4
تقارير

خاص الترا فلسطين | بنود اتفاق غزة: السلاح وحقوق الموظفين والمساعدات


5
تقارير

منير البرش لـ"الترا فلسطين": 53% من أدوية غزة رصيدها صفر والقطاع يواجه انهيارًا صحيًا