لا نأكل لنشبع.. كيف أعاد الاحتلال تشكيل عادتنا الغذائية؟
11 ديسمبر 2025
لم أفكّر من قبل بطريقة جلوس العائلة حول المائدة، ولا بعدد الأرغفة التي تكفي لسدّ الجوع، ولم أنتبه أن رائحة الطعام هي جزء من تكوين البيت في الذاكرة، وقد تكون في بعض الأحيان "البيت ذاته". ولأنني، مثل غيري، اعتقدت طويلًا أن الأكل مجرّد فعل يومي، ولم أدرك أنه طقس يرتبط بالبيئة والثقافة وحتى الأشخاص؛ إلا بعد وقوع الكارثة.
تحديدًا عندما رأيت عاداتنا الغذائية تتعرّض للإبادة كما تتعرض لها أجسادنا وبيوتنا، حينها لاحظت أننا لا نجوع فقط، بل إننا نفقد بالتزامن مع جوعنا عاداتنا الغذائية أيضًا. فقد حوّلت الإبادة الطعام من فعلٍ اجتماعي إلى احتياجٍ بيولوجي، وما بين هذين وذاك خلقت في المنتصف مساحة واسعة من الخوف، الأمر الذي أدى إلى إعادة تشكيل ذائقتنا وطرق طهوِنا، وكذلك علاقتنا بالمائدة ومعناها في أذهاننا.
علمتنا التجربة أن الجوع في غزة ليس احتمالًا قائمًا، بل تهديد دائم قد يدخل من الباب في أيّ وقتٍ دون استئذان.
ماذا يعني أن يفقد الناس مطابخهم؟
عندما يفقد الناس مطابخهم، فإنهم لا يفقدون المساحة المحددة للطبخ في البيت فقط، بل يفقدون المساحة التي تُصنع فيها ذاكرة البيت، وتجعل الطعام فعلًا اجتماعيًا وحميميًا أكثر من كونه الوسيلة الوحيدة للبقاء على قيد الحياة. فمع فقدان المطابخ، أصبح إعدادنا للطعام مهمة طارئة خالية من الفن والتذوّق، عادة بقاء نمارسها بجوار الخيمة أو فوق ركام منزل مدمر، ما جعل طقوس الطعام ولمة العائلة والذائقة أشياء ثانوية في حياتنا، حتى أنها لم تعد مهمة البتة مع نقص الموارد وضغط المجاعة التي لم تتوقف حتى مع تعليق الإبادة.
هذا التحوّل القاسي في حياتنا كان له تأثير مباشر على عاداتنا الغذائية التي بدأت تتلاشى وتتغير واحدة تلو الأخرى؛ فقد اختفت التفاصيل الصغيرة التي كانت تصنع معنىً للطهي، وتغيرت وصفات الطعام حيث احتلّت المعلبات مكان اللحمة، وأصبحت التونة حلمًا بعدما كانت تُنسى على رفوف المحلات، وأصبح البحث لا يدور حول الدقيق والخميرة بل عن البدائل من المواد الغذائية المتوفرة، بينما عادات الجدات في الطهي التي ورّثت جيلًا بعد جيل أصبحت جزءًا من الماضي الذي ربما لن يعود.
المائدة كمساحة نجاة
حوّلت الإبادة موائدنا إلى مساحةٍ خاويةٍ جافة، بعدما كانت مساحة اجتماعية تتم فيها تفاعلات وتُكوَّن من خلالها صداقات ويُعبَّر من خلالها عن الحب؛ إذ تقلّصت هذه المساحة حتى أصبحت لا تتسع إلا لما يُبقي الإنسان حيًا. ومع تقلص هذه المساحة، فقدنا مراسم الطعام واللغة التي تُصنع من خلاله، ولم تعد المائدة جزءًا أساسيًا في تكوين الروابط الاجتماعية، بل أصبحت سببًا، في بعض الأحيان، لفقدان هذه الروابط مع التنافس المستمر على الطعام.
وهكذا انفصلت موائدنا تدريجيًا عن كل معانيها العاطفية والثقافية، وترتّب على ذلك تغيير جذري في علاقتنا بالطعام؛ فلم تعد تطرح أسئلة من قبيل: ماذا نأكل؟ أين نأكل؟ هل الطاولة نظيفة؟ هل نأكل في المطبخ أم في فناء البيت؟ وبرزت أسئلة أخرى مختلفة تمامًا، مثل: هل يوجد طعام؟ كيف سنطهو الطعام؟ كم يوم يبقينا هذا الغذاء على قيد الحياة؟ حتى أن أحدًا منا لم يعد يفضّل وجبة على أخرى، وأصبح يأكل أيّ شيء يمكنه من البقاء على قيد الحياة ليومٍ إضافي.
الطعام كذاكرةٍ باهتة
للطعام قدرة اجتماعية هائلة؛ إنه الوسيلة الأمثل لصناعة ذاكرةٍ جماعية، ولأن الإبادة كانت أيضًا جماعية فقد نسفت في طريقها روائح أمهاتٍ مملوءة بالبصل والثوم، ووصفات الجدات التي لا يجيدها أمهر الشيفات في العالم، وسرقت بهجة التجمّع حول السفرة يوم الجمعة، كما فكّت، بصمت شديد، طقوس العائلة طقسًا تلو الآخر. حتى إنّ الذاكرة التي صنعناها من خلال الطعام في سنوات مضت أضحت باهتةً، متعبةً، وتبدو كحلم يستحيل تحقيقه يومًا.
الأمر الذي فتح الباب للذكريات الموجعة: ذكريات الموائد الدافئة وضحكات الأخوة والأخوات، حتى بات كل واحدٍ منا يأكل من ذاكرته أكثر مما يأكل من طبقه، وفي هذه الفوضى ضاع جزء أساسي من "سردية ما قبل الكارثة"، وأصبحت استمرارية الثقافة الغذائية في غزة أمرًا على المحك. فإذا كنّا نشتهي الدجاج، كيف سنفكّر في طريقة عمل المسخّن؟ وإذا لم نذق اللحم منذ أشهر سواء لعدم توفره أم لعدم قدرتنا على شرائه، هل سيهتمّ أحد بأيّ نوع جميد أنسب للمنسف الفلسطيني؟
الغذاء كثقافة
لطالما كان الغذاء جزءًا أساسيًا من ثقافة شعبٍ كغيره من شعوب العالم؛ فهو لغة موازية للغة المنطوقة، لغة تنتقل من خلالها آلاف القصص والحكايات والنِكات. فكم قصة رويت على مائدة؟ وكم ذكرى صنعت مع هذه الأكلة أو تلك؟ كما أن اختلاف طريقة إعداد الغذاء من مدينةٍ لأخرى كان يمنح كلّ منها طابعًا ثقافيًا مختلفًا، ويمكن عبر هذا الطابع فهم شبكة واسعة من العادات والتقاليد. لذلك فإن اهتزاز هذه اللغة أو فقدانها بسبب الإبادة سيؤدي بالضرورة إلى نقص في الحكاية، وبالتالي إلى إنتاج مجتمع خالٍ من طقوسه الخاصة وشخصيته... تلك التي تُصنع في المطبخ.
لهذا عندما نفقد قدرتنا على إعداد الطعام، فنحن بالضرورة نخسر مفردةً من لغتنا الثقافية؛ نخسر الطريقة التي تُحكى بها الحكاية والوسيط الذي تنتقل من خلاله. وبهذا تنقطع سلالة الطقوس الصغيرة التي ورّثت من جيلٍ إلى جيل، وكانت دومًا سببًا رئيسيًا في بقاء الذاكرة طريةً وحيةً في عقولنا، حيث حوّلت الإبادة الطعام من فعلٍ أساسي لاستمرار الهوية وتمددها، إلى محاولة يائسة لحماية ما تبقّى منها.
عادات غذائية صنعتها الإبادة
لم تغيّر المجاعة علاقتنا بالطعام فقط، بل صنعت لنا في الوقت نفسه عادات جديدة لم نكن نعرفها من قبل؛ فقد بدأنا، دون إدراك، بصنع مساحة مخصصة في الخيمة أو بقايا البيت لتخزين الطعام، وهذا بسبب هوسنا النابع من حالة كيّ الوعي التي مررنا بها في المجاعة. كما صرنا نقلل حصص الطعام لكل فرد من العائلة، كأننا بذلك نقسّم زمنَ النجاة على أنفسنا، حيث علمتنا التجربة أن الجوع في غزة ليس احتمالًا قائمًا، بل تهديد دائم قد يدخل من الباب في أيّ وقتٍ دون استئذان.
ولم تتوقف العادات الجديدة عند التخزين وتقليل الحصص، بل امتدت لتشمل طريقة الطهي نفسها، إذ وجدنا أنفسنا نطهو الطعام على الحطب وبقايا الكرتون والنايلون، وقد نسينا فكرة "الطهي المريح" على الغاز أو باستخدام الكهرباء، حيث صار ذلك جزءًا من حياة قديمة. ومع التكرار اليومي لهذه العادات، يمكننا القول إن علاقة جديدة نشأت بيننا وبين الطعام، وكأن المجاعة ظلت ملتصقة بأجسادنا حتى بعد توقفها نظريًا.
علاقة جديدة مع الطعام
بخسارة قدرتنا على اختيار ما نأكل وكيف ومتى نأكل والطقس الذي تعوّدنا أن نأكل فيه، تُعاد صياغة ذائقتنا وهويتنا الغذائية من جديد، وبالتالي تنشأ علاقة جديدة بيننا وبين الطعام قد تُجرَّد من معانيه القديمة كاملةً؛ علاقة تقوم على الخوف أكثر من اللذة، وعلى البقاء أكثر من الشبع. وفي ظل التعامل مع احتمالية أن تكون كل وجبة هي الوجبة الأخيرة التي يمكن الحصول عليها قبل انقطاع المساعدات أو الانخراط في نزوح جديد، تغيّر شعورنا تجاه الطعام، ولم نعد نأكل لنشبع رغباتنا بل لنهدّئ خوفنا من الموت قليلًا. لكن، هل يهدأ من ذاق بشاعة المجاعة؟
وهكذا تحوّل الطعام من وسيلة للتعبير عن المحبة إلى معركة صغيرة نخوضها يوميًا بصمتٍ شديد، نحاول من خلالها إقناع أنفسنا أن غدًا سيحمل معه الكثير من الأكل والضحكات. ولأن غدًا وبعد غد وبعده يأتي دائمًا دون رائحة الطعام القديمة، دون لمة العائلة وضحكاتها، وبلا فنون الطهي التي علقت في الذاكرة، تصير علاقتنا بالطعام أكثر هشاشة يومًا بعد يوم، وتصبح اللقمة في أفواهنا اختبارًا لقدرتنا على الصمود لا على التذوّق.
الكلمات المفتاحية

لقاء ترامب–نتنياهو: شراكة لتعطيل المرحلة الثانية من اتفاق غزة
لا تكمن خطورة المشهد في تعطيل مرحلة بعينها، بل في تكريس سابقة سياسية تُدار فيها الاتفاقات وفق موازين القوة لا قواعد الالتزام

الحريديم في المستوطنات: ديموغرافيا غير أيديولوجية تعمّق الاستيطان وتُفشل أي حل سياسي
تشير المعطيات الرسمية إلى أن الحريديم يشكّلون اليوم نحو 38% من مجموع الإسرائيليين المقيمين في مستوطنات الضفة الغربية، أي ما يقارب 200 ألف شخص

أرض الصومال والقرن الإفريقي: قراءة في استراتيجية إسرائيل بعد حرب غزة
تُعد أرض الصومال واليمن، بحكومتيهما المناهضتين للحوثيين، عناصر محورية ضمن التصور الإسرائيلي للأمن الإقليمي

حوار عارف بكر | عن حرب لم تلتقطها الكاميرات.. كيف أبادت إسرائيل الثقافة في غزة؟
عارف بكر: المشهد الثقافي في غزة بعد حرب الإبادة يبدو مُثقلاً بالخسارة والغياب. العشرات من المواقع الأثرية والمراكز والمؤسسات الثقافية والمكتبات ودور النشر دُمّرت كليًا أو جزئيًا

البيت الأبيض يعلن تشكيل مجلس تنفيذي لـ"مجلس السلام" لغزة ويعيّن قائدًا لـ"قوة الاستقرار الدولية"
جرى تكليف نيكولاي ملادينوف، عضو المجلس التنفيذي، بمنصب "الممثل السامي لغزة"، فيما عُيّن الجنرال جاسبر جيفرز قائدًا لقوة الاستقرار الدولية

القطاع الصحي في غزة: كيف أعادت الحرب تعريف الخطأ الطبي؟
لم يكن الوصول إلى الرعاية الصحية في قطاع غزة يومًا مسألة مضمونة، لكن الحرب الأخيرة نزعت عنه ما تبقّى من يقين

المنازل الآيلة للسقوط.. تهديد مستمر بالموت في غزة
انهيار 49 مبنى بشكل كلي، منها أكثر من 20 مبنى انهار نتيجة المنخفضات الجوية، في الوقت الذي تعرض فيه أكثر من 110 مبانٍ للتدمير الجزئي، فيما وصلت أعداد ضحايا هذه المنخفضات إلى 27 ضحية

