لقاء ترامب–نتنياهو: شراكة لتعطيل المرحلة الثانية من اتفاق غزة
10 يناير 2026
لم يكن اللقاء الأخير بين الرئيس الأميركي دونالد ترامب ورئيس وزراء حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو حدثًا عابرًا أو بروتوكوليًا فحسب، بل شكّل مرحلة سياسية كاشفة تجسّد عمق الشراكة الأميركية–الإسرائيلية في التعامل مع ملف اتفاق وقف إطلاق النار في غزة، وأبعدته عمليًا عن أهدافه الأصلية لصالح مصالح تل أبيب أولاً.
فبدل أن يكون اللقاء مدخلًا لتنفيذ المرحلة الثانية من الاتفاق، وهي المرحلة المفصلية التي تنصّ على انسحاب قوات الاحتلال، وترتيبات ميدانية واضحة، وتشكيل هيئة فلسطينية لإدارة القطاع، كشفت الوقائع عن توافق غير معلن على إبطاء هذه المرحلة، وربما تفريغها من مضمونها.
يسير المسار السياسي ببطء محسوب، بينما ينشغل ترامب باحتلال المشهد الإعلامي عبر الترويج المتكرر لمبادرات فضفاضة، مثل ما يُسمّى "مجلس السلام"
ويأتي ذلك في وقت ما تزال فيه الجهود المصرية والتركية تصطدم بعقبات داخلية فلسطينية، لا سيما تحفظات حركة فتح على صيغ الإدارة المقترحة، في ظل محاولة الوسطاء سدّ الفجوة بين المسار الدولي المتسارع وحالة الانسداد الفلسطيني الداخلي، ونزع الذرائع التي يتذرع بها نتنياهو وترامب لتأجيل الاستحقاقات.
غير أنّ المعطيات الميدانية تُسقط أي ادعاء بالالتزام؛ إذ يواصل الاحتلال إحكام سيطرته على ما يقارب 56% من مساحة قطاع غزة، مع التوسّع التدريجي لما يُعرف بـ"الخط الأصفر"، ورفض إدخال قوات دولية أو آليات رقابة مستقلة. وهي سياسة ممنهجة تهدف إلى إعادة رسم الجغرافيا تحت غطاء التهدئة، وتحويل وقف إطلاق النار إلى حالة هشّة قابلة للانفجار في أي لحظة، بما يُبقي زمام المبادرة بيد الاحتلال.
ويتقاطع هذا المسار مع منح إدارة ترامب إسرائيل هامشًا واسعًا لمواصلة العدوان، بما يشمل الاغتيالات، وتشديد الحصار، وهندسة التجويع، واستخدام المعابر كورقة ضغط سياسية. وقد تجلّى ذلك بوضوح في التفاهم الذي أُعلن خلال لقاء ترامب ونتنياهو، والقاضي بعدم فتح معبر رفح قبل استعادة جثة آخر أسير إسرائيلي، في سابقة تُحوِّل القضايا الإنسانية إلى رهائن سياسية. وبذلك، لا تعود واشنطن وسيطًا، بل شريكًا فعليًا في تقويض الاتفاق.
في المقابل، يسير المسار السياسي ببطء محسوب، بينما ينشغل ترامب باحتلال المشهد الإعلامي عبر الترويج المتكرر لمبادرات فضفاضة، مثل ما يُسمّى "مجلس السلام"، دون أي وضوح في بنيته أو صلاحياته، ما يثير شكوكًا جدّية حول أهدافه الحقيقية. ويزداد هذا الغموض مع انشغال الإدارة الأميركية بملفات أخرى، من فنزويلا إلى صراعات النفوذ الدولي، بما يعكس توظيف القضية الفلسطينية ضمن أولويات متقلّبة.
وسط هذا الفراغ، تتحرّك القاهرة لمحاولة إنقاذ ما يمكن إنقاذه، عبر الدعوة لاجتماع الفصائل الفلسطينية الأسبوع المقبل، بالتوازي مع تنسيق مع الجانب الأميركي لوضع إطار المرحلة الثانية. غير أن هذه التحركات، رغم أهميتها، تكشف حقيقة مُقلقة: التفاهمات تُصاغ دوليًا أولًا، ثم يُترك للفلسطينيين هامش ضيّق للتحرك داخلها.
تدخل غزّة أسبوعًا بالغ الحساسية، تتقاطع فيه المسارات السياسية مع الوقائع الميدانية على نحو قد يحدّد اتجاه المرحلة المقبلة، إمّا نحو تثبيت مسار التهدئة والانتقال إلى المرحلة الثانية، أو الانزلاق مجددًا إلى دائرة التصعيد. فاجتماعات القاهرة المرتقبة، والاتصالات مع واشنطن، تقف جميعها أمام اختبار الوقت.
وهكذا، تتقدّم الاجتماعات خطوة، وتتأخّر القرارات خطوات، وتبقى غزة عالقة بين إدارة مؤجَّلة على الورق، وواقع ميداني يُعاد فرضه بالقوة. إن غياب موقف حازم من الوسطاء، واستمرار انفراد واشنطن وتل أبيب بتفسير الاتفاق، يهددان بتحويله إلى أداة ابتزاز دائمة، لا إلى مسار تهدئة مستدامة.
إن أخطر ما في إطالة أمد المرحلة الانتقالية هو تحوّل الإجراءات المؤقتة إلى وقائع دائمة: خطوط فصل، مناطق عازلة، وسيطرة أمنية مقنّعة. ومع مرور الوقت، يصبح التراجع عنها أكثر كلفة، وتُفرَغ أي تسوية سياسية مستقبلية من مضمونها.
لا تكمن خطورة المشهد في تعطيل مرحلة بعينها، بل في تكريس سابقة سياسية تُدار فيها الاتفاقات وفق موازين القوة لا قواعد الالتزام. فكلما طال أمد الغموض، تحوّل الوقت إلى أداة بيد الاحتلال لإعادة إنتاج السيطرة، فيما تتآكل فرص الاستقرار. وعليه، فإن إنقاذ الاتفاق يتطلب مظلة دولية ضاغطة تُلزم بتنفيذ الاستحقاقات، وتمنع تحويل التهدئة إلى إدارة دائمة للصراع.
وفي المحصّلة، فإن كسر هذا المسار لا يكون بالانتظار ولا بإدارة الوقت، بل بفرض التزام واضح بالمرحلة الثانية باعتبارها استحقاقًا ملزمًا لا خيارًا انتقائيًا. فكل تأخير إضافي لا يعني سوى توسيع دائرة الفوضى، وتضييق أفق الفعل السياسي، إلى أن تُغلق السياسة أبوابها تمامًا وتُترك المنطقة رهينة منطق القوة وحده.
الكلمات المفتاحية

قصّة انقلاب مُعلن.. قراءة في قرارات الكابينيت الإسرائيلي بالضفة الغربية
بالنسبة لمن ما زالوا متمسكين بحل الدولتين أو أوفياء لفكرة الدولة الفلسطينية بوصفها أفقًا سياسيًا واقعيًا، تبدو هذه القرارات كارثية

الحريديم في المستوطنات: ديموغرافيا غير أيديولوجية تعمّق الاستيطان وتُفشل أي حل سياسي
تشير المعطيات الرسمية إلى أن الحريديم يشكّلون اليوم نحو 38% من مجموع الإسرائيليين المقيمين في مستوطنات الضفة الغربية، أي ما يقارب 200 ألف شخص

أرض الصومال والقرن الإفريقي: قراءة في استراتيجية إسرائيل بعد حرب غزة
تُعد أرض الصومال واليمن، بحكومتيهما المناهضتين للحوثيين، عناصر محورية ضمن التصور الإسرائيلي للأمن الإقليمي

قوات الاحتلال تعتقل 25 فلسطينيًا في الضفة الغربية
اعتقلت قوات الاحتلال الإسرائيلي اليوم الثلاثاء، 25 فلسطينيًا خلال مداهمات واسعة في مدن الضفة الغربية المحتلة

جيش الاحتلال يعزّز قواته بالضفة ويوصي بتقييد دخول المصلّين إلى الأقصى خلال رمضان
جيش الاحتلال يوصي بالسماح بدخول 10 آلاف مصلٍّ فقط يوميًا إلى المسجد الأقصى خلال شهر رمضان.

ترامب: الاتفاق مع إيران سيتجاوز النووي وقد نرسل حاملة طائرات أخرى للمنطقة
استأنفت الولايات المتحدة وإيران المفاوضات يوم الجمعة الماضي في عُمان، للمرة الأولى منذ العدوان على إيران

بلومبيرغ: فنزويلا ترسل أول شحنة نفط إلى “إسرائيل” مع استئناف صادرات النفط
الخطوة تأتي مع انفتاح صادرات فنزويلا عقب اختطاف رئيسها نيكولاس مادورو>

