مؤتمر فتح الثامن: حضور الانتخابات ونقاش العضوية وغياب البرنامج السياسي
13 مايو 2026
كل حدث فلسطيني يأتي بعد الحرب الإسرائيلية المفتوحة على قطاع غزة، يأتي في اللحظة الأصعب في تاريخ الشعب الفلسطيني، والمؤتمر الثامن لحركة فتح ليس استثناءً، إذ يترافق مع إبادة مستمرة في قطاع غزة، وحرب مفتوحة على جغرافيا الضفة الغربية، ومحاولة تصفية القضية الفلسطينية سياسيًا من حكومة اليمين الإسرائيلي، وحصار مالي هو الأصعب على السلطة الفلسطينية، وضغوط دولية تطالب بـ"الإصلاح داخليًا".
في ظل ما سبق، فإن النقاش الأبرز المرتبط بالمؤتمر، الذي جاء بعد عشرة أعوام من سابقه، يدور حول العضوية؛ من غاب ومن حضر، ومن سيترشح للجنة المركزية، ومن يسعى إلى الترشح للمجلس الثوري، على حساب نقاشات هامة ترتبط بالبرنامج السياسي وأولويات المرحلة واستراتيجية الحركة.
يأتي شكل مؤتمر فتح الثامن أقرب إلى ترتيبات مرحلة انتقالية غير معلومة المدة، لكنه حاسم فيها، خاصة إذا أُعيدت فيه إنتاج توازنات القوة، أو ساهم في صعود/تعزيز تيارات على حساب أخرى
تنطلق يوم الخميس أعمال المؤتمر العام الثامن لحركة فتح، في قاعة أحمد الشقيري بمقر الرئاسة في مدينة رام الله، بعد عشر سنوات على آخر مؤتمر للحركة. ورغم حضور 2580 عضوًا في أربع مناطق جغرافية، حيث سيُعقد المؤتمر بالتزامن في رام الله وقطاع غزة والقاهرة وبيروت، إلا أن الضجيج حول من يحق له الحصول على العضوية ومن لا يحق له، أخفى سؤالًا مهمًا حول ما إذا كان هذا المؤتمر يحمل برنامجًا سياسيًا للحركة أم لا.
وتستمر أعمال المؤتمر على مدار ثلاثة أيام، من الخميس وحتى السبت، حيث تتضمن الجلسة الأولى كلمة رئيس الحركة محمود عباس. وسينتخب أعضاء المؤتمر، وفق النظام الداخلي، الهيئات التنظيمية للحركة، وهي 80 عضوًا للمجلس الثوري و18 عضوًا للجنة المركزية، فيما يمتلك المؤتمر صلاحية تعديل هذه الأعداد زيادة أو نقصانًا بحسب قرار المؤتمر.
ووسط ما سبق أيضًا، يحضر نقاش الخلافة والتوريث، والأخير لم يكن حاضرًا بهذا الشكل في الحالة الفلسطينية، التي لم تعرفه على نطاق واسع، خاصة في المستويات القيادية العليا. ليكون المؤتمر أقرب إلى ترتيبات مرحلة انتقالية غير معلومة المدة، لكنه حاسم فيها، خاصة إذا أُعيدت فيه إنتاج توازنات القوة، أو ساهم في صعود/تعزيز تيارات على حساب أخرى.
ورغم استحقاق المؤتمر، ومنذ سنوات، داخليًا، إلا أنه لا يمكن فصل المؤتمر عن مطالب "الإصلاح" المطروحة غربيًا وإقليميًا، في ظل تشابكه مع ترتيبات الخلافة والفراغ. وقد بدأت أولى خطوات ذلك في تصريحات الرئيس الفلسطيني محمود عباس أمام جامعة الدول العربية، حول استحداث منصب نائب الرئيس وإعادة المفصولين إلى حركة فتح، وصولًا إلى تأطيره من عباس نفسه ضمن ما وصفه بـ"عام الديمقراطية الفلسطيني". وما يكشفه ذلك، "دون أي زلة"، من تشابك بين السلطة وفتح، يبدو أن الواقع وتقدمه يزيدان من صعوبة أي انفصال.
اختلاط المهام وغياب البرنامج
حول أجواء انعقاد مؤتمر فتح الثامن، قال القيادي في حركة فتح أحمد غنيم، إن "المؤتمر الثامن لحركة فتح يأتي بعد تغيّرات دراماتيكية في واقع الحركة، وبعد سنوات من اختلاط مهمتين متعارضتين: مهمة الحكم ومهمة التحرير. إذ وصل في المؤتمر السابع إلى منظومة قيادة الحركة، المجموعة التي غلبت مسألة الحكم على مسألة التحرير، وبدأت بتغيير البنى الداخلية في حركة فتح باتجاه بنى تفتح الطريق لتغيير وظيفة الحركة، من حركة تحرر وطني إلى حزب حاكم".
وتابع غنيم في حديث مطول لـ"الترا فلسطين": "المشكلة أن هذا الحزب الحاكم يندفع باتجاه سلطة تلاطمها الأمواج ولم تُكمل مشروع التحرير. وهذه المجموعة التي قبضت على عنق الحركة منذ المؤتمر السابع، قامت بتهميش وإقصاء القيادات الحركية التي تمسكت بهوية حركة فتح كحركة تحرر وطني، وعملت بشكل منهجي على إبعادها عن مكونات البنية الحركية في كل المستويات. والآن، هي تتوج ما قامت به خلال السنوات الماضية في المؤتمر الثامن، الذي بات واضحًا لجماهير شعبنا حجم التغيير الذي مرّت به الحركة تحت قبضة هذه المجموعة في القيادة".
وحول جزئية أعضاء المؤتمر، قال غنيم إن "هذه العلنية المفرطة في عملية الترشح للمواقع الانتخابية، سواء في اللجنة المركزية أو المجلس الثوري، ليست خبط عشواء، وليست مجرد أعضاء انفلتوا للتعبير عن رغبتهم، بل هي مناخ صُنع من قبل هذه المجموعة القابضة على عنق حركة فتح، والتي تريد أن تُظهر نتائج عملها خلال السنوات الماضية، المتمثلة في انتقال كامل لحركة فتح من كونها حركة تحرر وطني إلى حزب سلطة أو حزب حاكم. هذا هو الواقع، وقد عملوا كل جهدهم لإنتاج هذه الحالة في المؤتمر، مع إقصاء كل من لديه صوت آخر أو رؤية أخرى، ويتمسك بتاريخ وهوية الحركة ونظامها، والمبادئ الإحدى عشر التي نُزعت من صفحات النظام الداخلي في المؤتمر السادس، والتي تؤكد هوية حركة فتح كحركة تحرر وطني".
بعد هذه الصورة، قال القيادي في فتح أحمد غنيم: رغم كل ما سبق، فإن داخل المؤتمر بنى في العضوية لم تستطع هذه القيادة القابضة على الحركة أن تتجاهل وجودها. وهذه البنى تتشكل بالأساس من الأسرى المحررين من سجون الاحتلال في الأشهر الأخيرة، وهؤلاء الأسرى الذين حملوا مشروع الحركة ودفعوا ثمن تمسكهم بهويتها النضالية. وأعتقد أنهم، عند التصويت، سيحتكمون لضميرهم ولسنوات معاناتهم، بعد ما يعتبرونه تخليًا عنهم وإلقاءهم ضمن منظومة "تمكين"، وهي ليست منظومة مالية فقط، بل تتعامل معهم كحالات معوزة أو شؤون اجتماعية، وتسعى إلى نزع تاريخهم النضالي وروايتهم للشعب الفلسطيني.
كما يشير إلى وجود مكوّن واعد آخر في المؤتمر هو الشبيبة الفتحاوية، التي رفضت الخضوع لإرادة المجموعة القابضة على الحركة، ورغم أن مؤتمرها عُقد في المقاطعة، فقد عبّرت عن إرادتها الحرة في الانتخابات. وبحسب غنيم، هناك أيضًا مكوّن آخر قوي يتمثل في الجيل الأقدم من قيادات الثورة، الذين انطلق بهم المشروع منذ عام 1965، وما زالوا متمسكين بمواقفهم وصوتهم داخل هذا المؤتمر. ويرى أن هذه المكونات داخل المؤتمر يمكن أن تقلب المعادلة أو "السحر على الساحر"، ولذلك يدعوها إلى الاحتكام لهويتها وضمير شعبها وهوية الحركة، باعتبار أنهم أمام اختبار تاريخي حقيقي.
ويتابع أن أعضاء المؤتمر الأول للحركة، وكثيرين في المؤتمر الثاني، لم تكن أسماؤهم معروفة، لكنهم سجلوا التاريخ لأنهم صنعوا الثورة. أما اليوم، فأعضاء المؤتمر الثامن أسماؤهم معروفة في كل مكان وفي كل بيت فلسطيني، وبالتالي أمامهم اختبار تاريخي كبير، إما أن يحفروا أسماءهم في تاريخ الحركة الوطنية، أو يُسهموا في تحويل مسارها. ويرى أنهم في اللحظة التي يريد فيها البعض إخراج فتح عن تاريخها وهويتها، يمكن أن انتفضوا لتاريخهم وحركتهم يقلبوا السحر على الساحر وينقذوا حركة فتح والشعب الفلسطيني.
ويؤكد أن هذه الإرادة مهمة لأن حركة فتح هي العمود المتبقي في خيمة الشعب الفلسطيني، ويجب ألا يسقط هذا العمود. لذلك يدعو أعضاء المؤتمر إلى الاحتكام لضميرهم وصوتهم وهويتهم وتاريخهم ومعاناة شعبهم، والانتصار لهوية الحركة ومنع إخراجها عن وظيفتها كحركة تحرر وطني لم تستكمل عملية التحرير بعد.
وحول التشابك بين السلطة وفتح، يقول أحمد غنيم لـ"الترا فلسطين"، إن عملية التحشيد في المؤتمر، نتيجة للجنة التحضيرية التي يهيمن عليها مرشحون للمواقع القيادية، وباستثناء قلة منهم، فإنها ساهمت في تشكيل هذا المشهد، فهم من أصحاب المصلحة. ويشير إلى وجود صراع مصالح داخل اللجنة نفسها، وأن ما يحدث من تعويم في العضوية يعكس صراعات أقطاب داخل الحركة.
اقرأ/ي: أحمد غنيم: مهمة مؤتمر فتح الثامن صعبة والمطلوب "قلب السحر على الساحر"
تجاوز الأزمة أم تعميقها؟
من جانبه، قال الكاتب والشاعر الفلسطيني والدبلوماسي المتوكل طه، حول غياب البرنامج أو الاستراتيجية لصالح الانتخابات، إنه "بداية، نريد أن نسأل، ما الهدف من وراء المؤتمر؟ وعلى ضوء ذلك نتبين، أو نقارب، ما الذي يجري مع هذا الهدف. وفي الحالات العامة، هناك مدرستان؛ مدرسة تقول إن أي مؤتمر يتغيّى تجديد الشرعيات في المربعات الحزبية، وبالتالي يذهب المؤتمر إلى مناقشة ما يوصل إلى هذا الهدف. ومدرسة ثانية مختلفة، تعتبر أن أي لقاء أو مؤتمر حزبي يجب أن يتسع لكي يناقش ويقيّم مراجعات معمقة لكل المرحلة التي سبقته".
وحول المؤتمر الحالي، أوضح طه صاحب كتاب "ثورة في الفكرة - فتح والأزمة"، أنه "في حالة حركة فتح، أعتقد أن المؤتمر ذاهب إلى المدرسة الأولى، وليس إلى إعادة النظر ضمن مراجعة معمقة لكل المرحلة السابقة. شخصيًا، أنا مع المدرسة الثانية؛ أي حزب أو فصيل سياسي عليه أن يكرّس مؤتمره لوضع البرامج المستقبلية، وضبط إيقاع عمل الحزب في السنوات القادمة، وبعدها إجراء مراجعات ومحاسبات شفافة وعميقة، وإجراء حالة من النقد المسؤول لكل السنوات المنصرمة. ثم على المؤتمر أن يحترم النظام، الذي بموجبه يتم تصعيد دماء جديدة وفتح المجال لتدافع الأجيال".
ولتقريب الحديث النظري والعام إلى الواقع، قال المتوكل طه إنه إذا أردنا مقاربة هذا السياق النظري مع حركة فتح، أعتقد أن على الحركة أن تدرك ذاتها قبل أن تذهب إلى تعريف ذاتها، بمعنى أن فتح هي القوة الفلسطينية التي تكاد تكون الوحيدة بعد انفراط وتلاشي الحركة الوطنية والأحزاب الفلسطينية اليسارية، وأن فتح الآن هي المعوّل عليها إقليميًا لكي تكون شريكًا في أي تسوية سياسية قادمة. وتساءل: "هل فتح تدرك هذا الأمر؟ وهل استعدت له؟". وأضاف: "حتى تنجو فتح وتكون على قدر الشريك الإقليمي، عليها أن تجيب عن مجموعة من الأسئلة؛ أولًا هل تصدت فتح للهرم البيولوجي والتقادم في بنيتها؟ بمعنى أن فتح قبل ستين سنة ليست فتح اليوم، فهل جدّدت نفسها وخطابها دون أن تغادر ثوابتها؟ هذا سؤال. وسؤال ثانٍ هل فتح، وهي تعمل تحت الشرط الاحتلالي، مثل السلطة وباقي الفصائل الفلسطينية في الضفة الغربية، وجدت لنفسها مخارج تنجو بها من الإكراهات والاشتراطات الاحتلالية؟ لأن كل من يعمل في الضفة الغربية يعمل تحت المجهر الإسرائيلي، وهل نجت فتح من ذلك؟ هذا سؤال. وسؤال ثالث هل النظام الحركي يتمتع بالشفافية والصحة بما يؤهل جيلًا جديدًا للقيادة، أم سيكرّس تيارًا بعينه داخل الحركة؟".
وأضاف: "أنا أعتقد بأن فتح لم تُجب ولم تنشغل بكل هذه القضايا، وأنها ستذهب إلى انتخاب مجلس ثوري ولجنة مركزية، وأعتقد بأنها لن تستدير لتناقش أو تراجع". وحول هذه الأسئلة، قال المتوكل طه: "لا أحد يعرف الجواب، ولا أحد يعرف من الذي يُلقى على كاهله عبء الإجابة. من المفترض أن يكون المؤتمر، ولكن هل المؤتمر سبيكة متماسكة ذهبية أم قبيلة؟ والقبيلة لها مفرداتها التي لا تُشفى بأي صيغة نظرية، وبالتالي أنا لست متفائلًا بصراحة".
وعن التشابك بين السلطة وفتح، قال المتوكل طه إن واحدًا من الأسئلة الداهمة والشائكة على فتح، أن تعي موقعها الذي لا ينبغي أن يتماهى مع السلطة، وبالتالي فإن اندماج فتح داخل السلطة يضيّع الاثنين؛ يضيّع فتح ويضيّع السلطة معًا، لأن لهذه مهامّ وتلك لها مهمة، وبالتالي فإن تداخل الاثنتين معًا يعود بالسلب على السلطة وعلى فتح، وعلى فتح أن تذهب لتتميّز عن السلطة.
وعن تعريف حركة فتح اليوم، قال المتوكل طه: "أعتقد أن فتح حالة لا يمكن تعريفها إلا بمفاتيحها، فلا يمكن وضع تعريف مسبق ومحدد ثم إسقاطه عليها بشكل آلي. وإذا أردت أن أعرفها، فأعرفها بمكوناتها ومفاتيحها ومفرداتها ومن داخل قاموسها؛ لأنها حالة استثنائية. فهي حركة تحرر ذهبت وعقدت سلامًا، بين هلالين، مع عدوها، وأقامت سلطة، وهجست بالتعايش مع نقيضها، وبالتالي فهذه الحالة غير مسبوقة في التاريخ المعاصر".
وتابع، مشيرًا إلى تداخل السؤال الوطني مع العشائري، ومع السؤال البراغماتي والمتشدد والراديكالي في فتح، وقال إن "هذا الخليط يعني وجود أزمة داخل فتح، وهذه الأزمة هي مجموعة من هذه الشظايا أو التناقضات التي لم تجد صيغة لضبطها ضمن إيقاع واحد". وأضاف: "أنا أعتقد أن المؤتمر، حتى اللحظة، سيذهب نحو تعميق الأزمة أكثر من إيجاد مفردات لتجاوزها".
فتح وعبث العضوية
من جانبه، يُرجع مسؤول لجنة العضوية السابق في حركة فتح، عوني المشني، حالة العشوائية التي رافقت عضوية المؤتمر الثامن للحركة، والذي ضمّ أكثر من 2580 عضوًا، إلى ما وصفه بـ"إغفال شروط العضوية التنظيمية" على مستويات الأقاليم والمناطق والمؤسسات الحركية، معتبرًا أن الخلل لم يبدأ من المؤتمر نفسه، بل من المراحل التنظيمية السابقة التي تسبق الوصول إليه.
ويوضح المشني، في حديثه مع الترا فلسطين، أنّ غياب الالتزام بالشروط الناظمة لعضوية الأقاليم ومؤتمرات المناطق أتاح صعود أشخاص "ليسوا في مواقعهم الطبيعية داخل الحركة"، قبل أن يتدرجوا لاحقًا إلى عضوية المؤتمر العام.
ويشير إلى أنّ "التطبيق الصارم لمعايير العضوية والانتخابات الداخلية كان من شأنه الحدّ من وصول شخصيات لا تمتّ للحركة بصلة تنظيمية حقيقية، وضمان أن يتم الصعود داخل الأطر الحركية بصورة تدريجية تستند إلى التاريخ التنظيمي والخبرة داخل الحركة".
ويضيف أنّه من المفترض، على سبيل المثال، أن يخضع الترشح لعضوية الأقاليم لشروط واضحة، من بينها قضاء سنوات طويلة داخل الحركة والتدرج في مراتبها التنظيمية، الأمر الذي يمنع صعود أشخاص التحقوا بالحركة حديثًا أو لا يمتلكون تجربة تنظيمية كافية، وباتوا اليوم أعضاءً في المؤتمر.
كما يشير المشني إلى سبب آخر يرتبط بـ "أعضاء اللجنة المركزية" الذين استحدثت لهم آلية غير معلنة أتاحت إدخال موالين ومقرّبين منهم من مرافقين وعاملين في المكاتب ليصبحوا أعضاءً في المؤتمر. ويضيف: "البعض جلب سائق أو سكرتير أو مرافق وذلك أدى لزيادة أكثر من 200 عضو بهذه الطريقة، وهؤلاء لا تنطبق عليهم شروط الانتماء التنظيمي".
ويبيّن المشني سببًا ثالثًا لهذه العشوائية، تعود لما وصفه بـ "العبث" في ملف الكفاءات الذي يضمّ أكثر من 100 عضو داخل المؤتمر، حيث اختيروا دون معايير أو اشتراطات تنظيمية محددة، وبصورة خاضعة للاعتبارات الشخصية والولاءات. ويرى أنّ معايير الكفاءة كان ينبغي أن تستند إلى سنوات الخدمة داخل الحركة (حوالي 20 عامًا)، والتجربة في المواقع التنظيمية والمؤسساتية، إضافة إلى وضوح التاريخ الحركي للعضو، إلا أنّ هذه المعايير "تم تهميشها".
ويرى المشني، أن ما ورد أعلاه، أدى إلى إضافة أسماء في عضوية المؤتمر لا علاقة لهم بفتح، ومنهم أشخاص ينتمون لتنظيمات أخرى، ولا أحد يعرف كيف حدث ذلك. معتبرًا أن عضوية المؤتمر بهذه الطريقة قد جوّفت حركة فتح وجوّفت المؤتمر من مضمونه السياسي، وحوّلته إلى بازار انتخابي.
وعن سؤال "الترا فلسطين" حول ترشح ياسر عبّاس نجل الرئيس الفلسطيني إلى اللجنة المركزية للحركة، قال المشني: "خدمت سبع أو ست أو ثماني سنوات في عضوية حركة فتح، ولم يمر عليّ هذا الاسم".
ويرى المشني أن "مؤتمر فتح القادم لا علاقة له بالبرنامج السياسي ولا بأزمة الشعب الفلسطيني أو أزمة حركة فتح، بل له علاقة بإعادة ترتيب المستويات القيادية في فتح والسلطة بطريقة إعادة التدوير، وهي طريقة تكرّس الواقع ولا تغيّره". ويعتقد أن ثمّة مجموعة متنفذة تتحكم بطريقة أو بأخرى عبر "التزوير، أو التوجيه، أو الضغط، أو الإقصاء" بنتائج الانتخابات حتى تخرج شخصيات منسجمة مع السياق العام.
اقرأ/ي: مؤتمر فتح الثامن | ياسر عباس يبدأ لقاءات مع أسرى فتح المبعدين إلى مصر لبحث الرواتب وترتيبات المؤتمر
وظيفة وحيدة: إجراء الانتخابات
أما عضو المجلس الاستشاري في حركة فتح، حسن أبو لبدة، فيرى في حديثه مع "الترا فلسطين" أن الاهتمام داخل المؤتمر انصبّ على ملف العضوية، ولا سيما ما يتعلق بإدخال أشخاص لا يمتلكون خبرة كافية، على حساب نقاش البرنامج السياسي وطرح أسئلة المرحلة المقبلة، بما يشمل مستقبل العلاقة مع السلطة الفلسطينية ومصيرها، إضافة إلى بحث قضايا الكفاح السلمي والشعبي في مواجهة الاستيطان ومصادرة الأراضي وهدم المنازل والاعتداءات الإسرائيلية شملت كلّ أراضي الضفة وطاولت مناطق (أ) و(ب) و(ج). ويقول: "البرنامج السياسي هو الأساس، أما العضوية فالأصل أن تكون ملفًا ثانويًا".
ويعزو أبو لبدة الخلل القائم إلى "حجم الإضافات لأسماء قد لا تمتلك التأهيل النضالي الكافي لتكون تحت قبة البرلمان الفتحاوي، مقابل آلاف آخرين لم يتمكنوا، لسبب أو لآخر، من تجاوز عتبة هذه القبة".
ويعبّر عن أسفه حيال هذه الإضافات في عضوية المؤتمر، مشيرًا إلى "وجود أسماء معروفة قد لا تنطبق عليها شروط العضوية والنظام الداخلي، وبعضها قريب من الحلقة الأولى أو الثانية أو الثالثة داخل الحركة"، معتبرًا أن ذلك "أدى إلى انحراف البوصلة فيما يتعلق بوظيفة هذا المؤتمر".
ويرى أبو لبدة أن هناك أعضاء "تحت قبة برلمان فتح لا يستحقون ذلك، مقابل آخرين خارج القبة يستحقون أن يكونوا داخلها". ويضيف أنه، حتى وإن كان الأمر "إجرائيًا"، فإنه يبقى مؤسفًا، لأن كثيرًا من الكوادر الحركية شعرت بالخذلان وبأنها مستبعدة أو منسية.
وبحسب أبو لبدة، فإن هذا الواقع قد يحصر وظيفة المؤتمر المقبل في "إجراء الانتخابات والخروج بباقة جديدة من أعضاء المجلس الثوري واللجنة المركزية"، بينما تُرحّل القضايا الملحّة إلى طاولات هذه المجالس، بدلًا من بحثها داخل المؤتمر واتخاذ قرارات ملزمة بشأنها للقيادة الحركية والوطنية.
ويتابع: "فتح تمرّ بظروف في غاية الصعوبة، وهي بحاجة إلى إصلاح عميق في هيكلها وبرامجها وأهدافها وطريقة عملها وعلاقتها مع الشارع". ويضيف: "إذا كانت القرارات الصادرة عن المؤتمر تستجيب لمتطلبات المرحلة الإصلاحية ولمصيرية الكيانية الفلسطينية، فذلك أمر محمود، بغض النظر عن أي تحفظات".
التدوير وإعادة الإنتاج.. الانتخابات جزء وليست الكل
بدوره، أكد عضو المجلس الاستشاري لحركة فتح عبد الفتاح حمايل مقاطعته للمؤتمر الثامن لحركة فتح، المقرر انعقاده يوم غد الخميس. ويقول حمايل، في حديث مع "الترا فلسطين "، "إن المؤتمرات الحركية تاريخيًا تُعقد بهدف مراجعة التجربة الممتدة بين مؤتمر وآخر، والتي تستغرق عادة سنوات طويلة، قد تصل إلى سبع أو ثماني سنوات، وأحيانًا عشر سنوات، من أجل تقييم الأداء، ووضع الخطط والسياسات والبرامج، وإجراء تحديثات تتعلق بأداء الحركة الوطنية الفلسطينية بما يتناسب مع المتغيرات السياسية والميدانية"، مشيرًا إلى أن انتخاب الأطر القيادية الجديدة، مثل المجلس الثوري واللجنة المركزية، يأتي عادة كجزء من هذا المسار وليس الهدف الأساسي منه.
ويرى حمايل أن ما يجري في الإعداد للمؤتمر الثامن، وبناء على تجربته السابقة في المؤتمر السابع كعضو سابق فيه، وقراءته للواقع الحالي، يشير إلى أن البوصلة اتجهت نحو "تدوير واستبدال أشخاص بأشخاص"، إلى جانب صراع داخلي بين قوى وفئات داخل الحركة على المحاصصة في المواقع القيادية، بدلًا من إنتاج برنامج سياسي وتنظيمي قادر على التعامل مع التحديات الفلسطينية الراهنة.
ويؤكد حمايل أن الحالة الفلسطينية تمر بمرحلة من الأصعب والأكثر خطورة، في ظل تصاعد الاستيطان وما يرافقه من اعتداءات يومية على الفلسطينيين، حيث أن حجم الهجمة الاستيطانية المدعومة من الحكومة الإسرائيلية اليمينية المتطرفة، كبيرة وتستهدف الحياة اليومية للفلسطينيين ومصادر رزقهم، سواء من خلال السيطرة على الأراضي والثروة الحيوانية أو الاعتداء على المنازل والأمن الشخصي للمواطنين.
ويكشف حمايل أنه أبلغ جهات وقوى داخل حركة فتح استعداده للمشاركة في المؤتمر بشرط أساسي يتمثل في تضمين البرنامج السياسي خطة عملية لدعم صمود الفلسطينيين ومواجهة الاعتداءات الاستيطانية، موضحًا أنه لم يطالب بشعارات كبرى، بل بخطوات ميدانية مباشرة لحماية المزارعين والفلاحين وتعزيز عناصر الاستقرار والثبات في مواجهة الاستهداف الإسرائيلي المتصاعد.
ويشير حمايل إلى أنه تلقى ردًا سلبيًا على هذا الطرح، إذ لم يحصل على أي ضمانة بأن مثل هذا التوجه سيكون جزءًا من برنامج المؤتمر أو أولوياته، معتبرًا أن ذلك يعزز قناعته بأن الهدف الأساسي للمؤتمر يتمثل في "تقاسم النفوذ وتدوير الشخصيات"، وليس إنتاج رؤية سياسية جديدة أو إعادة بناء الدور الوطني للحركة.
وحول ما إذا كان الحضور الواسع للأسرى المحررين في المؤتمر الثامن، والبالغ عددهم نحو 380 مشاركًا، يمكن أن يفضي إلى تغيير حقيقي داخل الحركة، يبدي حمايل تشاؤمًا واضحًا، قائلًا: "إن الظروف القائمة وآليات العمل السائدة لا توحي بإمكانية حدوث تحول جوهري، لأن فاقد الشيء لا يعطيه، وكون الجهات المتحكمة بالحالة الفلسطينية حاليًا غير قادرة على إحداث تغيير فعلي".
المؤشرات الأقوى هي إعادة إنتاج الواقع
حول النقاشات الواسعة عن العضوية والترشح في مؤتمر فتح الثامن، قال الأكاديمي الفلسطيني أحمد عزم، إن "التراكض لعضوية المؤتمر وللترشح لمواقعه، يعكس عدة أمور، منها غياب التيارات والقيادات المؤثرة داخل الحركة، فلم يعد هناك قوى أو اتجاهات داخل الحركة تتبنى وجهات معينة، ما يجعلها تنظم صفوفها وتطرح مرشحيها"، مضيفًا: "في الماضي، كان هناك تيارات مثل التيارات اليسارية في الحركة، وكان هناك تكتلات خلف قيادات بعينها مثل صلاح خلف، وياسر عرفات، وغيرهم، ممن كان بينهم نوع من التنافس".
وفي ذات الجزئية، تابع بالقول إن "الانتقال للعلنية، وعدم وجود ثمن سياسي أو نضالي للدخول إلى المواقع المختلفة، زاد من الإقبال على الترشح". وأضاف: "يؤدي عدم انتظام المؤتمرات والانتخابات، سواء داخل حركة فتح أو في السياق الفلسطيني ككل، إلى الشعور بضرورة استغلال أي انتخابات. فلو كان المؤتمر ينعقد في أوقاته، ولو كان التصعيد للمؤتمر العام يأتي فقط عبر الانتخابات القاعدية، لأدرك كثير من الأعضاء حظوظهم الحقيقية، ثم لحدث نوع من التوزع على المواقع. فمثلًا، لو كانت الانتخابات التشريعية تُجرى، وتجري لها انتخابات داخلية في الحركة لاختيار المرشحين، لأحدث هذا أيضًا واقعية في التوقعات".
وواصل عزم حديثه حول واقع حركة فتح اليوم، بالقول: "يتركز القرار في فتح عند شخص الرئيس تقريبًا، مع دور كبير للأجهزة الأمنية على حساب الأطر الحركية. وكثيرًا ما تذهب قيادة الحركة إلى قرار لا يقبله الرئيس، مثل توقيع وفد فتح في بكين على اتفاق المصالحة، إذ أوقفه الرئيس، وبالتالي هذا يؤدي إلى شعور بعبثية وجود برنامج سياسي، ويجعل القرار بيد أجهزة رسمية ورئيس، دون فعالية للحركة".
وحول تشابك فتح والسلطة، قال عزم: "هناك تداخل كبير بين الحركة والسلطة، وبطريقة غير صحية. فالكثير يرى أن الطريق إلى الموقع في السلطة هو الحركة، وأصبح الطريق إلى الحركة أيضًا هو السلطة. مثلًا، أحد التعديلات التي كانت مقترحة في النظام الأساسي للمؤتمر السابع، ولم تمر، هو إعطاء حصة في مؤتمر فتح للعاملين في المؤسسات الرسمية". وحول مستقبل هذا التشابك، أوضح: "من المهم أن نرى نتيجة الانتخابات وأي وثائق ستُقر في المؤتمر، لنرى إذا ما كان سيزيد فعلًا التشابك بين السلطة والحركة، فانتخاب قيادات الأمن الحاليين لهيئات الحركة سيكون علامة على زيادة هذا التشابك".
وختم عزم حديثه لـ"الترا فلسطين" بالقول إن "المؤشرات الأقوى هي إعادة إنتاج الواقع، مع المزيد من الربط بين السلطة والحركة، والابتعاد عن تقديم برنامج سياسي أو شعبي، ما سيؤدي إلى مزيد من الفراغ في الساحة الفلسطينية. فالفراغ الذي تتركه فتح، لا يملؤه حتى الآن أي إطار لديه علاج للواقع الفلسطيني، ولا يوجد تنظيم فلسطيني قادر على طرح برنامج عمل عملي ويحظى بتأييد شعبي كافٍ".
الكلمات المفتاحية
عودة مؤقتة لأهالي مخيم طولكرم: مكان غيّر الدمار ملامحه
بعد نحو عام ونصف على نزوح أهالي مخيم طولكرم، عادت بعض العائلات الأربعاء، بشكل مؤقت إلى المخيم لجمع ما تبقى من مقتنياتها، في ظل الدمار الذي طال أجزاء واسعة منه
بعد صورته تحت جسر بالقاهرة.. الأسير المحرر نديم عواد: خرجنا من ذل السجن إلى ذل الحياة
قال عواد: "اضطررت للنوم تحت الجسر لمدة 15 يومًا، والصورة التي انتشرت ليست سوى جزء مما عشته خلال تلك الفترة"
قانون انتخابات التشريعي: أسئلة تتجاوز التعديل إلى مستقبل النظام السياسي الفلسطيني
المرسوم الرئاسي بتعديل قانون الانتخابات فتح نقاشًا واسعًا يتجاوز الجانب التقني للتعديلات، ليصل إلى جوهر النظام السياسي
عن بعد.. الولايات المتحدة وإيران توقّعان مذكرة تفاهم لإنهاء الحرب
كان في الأصل مقررًا إتمام التوقيع الرسمي يوم الجمعة في سويسرا، غير أن مصادر دبلوماسية أفادت بأن مناقشات جرت لتقديم الموعد، وذلك بهدف فتح مضيق هرمز في أقرب وقت ممكن، وهو ملف توصّل إليه الطرفان إلى اتفاق مسبق.
إسرائيل تسرع اتصالاتها مع لبنان لسـحب ورقـة الانسحاب من الجنوب من يد إيران
قال مسؤول إسرائيلي إن تل أبيب لا تتوقع ضغطًا أميركيًا عليها للانسحاب من لبنان في الوقت الحالي
نقاش في الكنيست: تصاعد الهجرة من إسرائيل بين الشباب وأصحاب الكفاءات
تسلط الأرقام الضوء على تنامي ما يُعرف بـ"هجرة الأدمغة"، إذ تتركز الهجرة بصورة متزايدة بين أصحاب المؤهلات العلمية والمهنية العالية
"سي أن أن" تنشر نسحة من الاتفاق الأميركي الإيراني المكون من 14 بندًا
وصف مسؤولون أميركيون المذكرة بأنها "وثيقة سياسية" لا تعكس الالتزامات الجوهرية التي قدمتها إيران للولايات المتحدة عبر القنوات الخلفية