ultracheck
قول

ماذا ألغى سموتريتش من "اتفاق الخليل"؟

17 يونيو 2026
ماذا ألغى سموتريتش من "اتفاق الخليل"؟
وزير المالية الإسرائيلي المتطرف بيتسلئيل سموتريتش والمستوطنون الإسرائيليون يحضرون افتتاح مستوطنة "دورن"، المُقامة جنوب الخليل في الضفة الغربية المحتلة، في السادس عشر من حزيران/يونيو 2026
Photo by Wisam Hashlamoun/Anadolu via Getty Images
وليد حباس
وليد حباس باحث في مركز مدار

بينما كان الوزير الإسرائيلي، سموتريتش، يفتتح مستوطنة في الضفة الغربية، خرج بإعلان دراماتيكي، قائلًا إنه قائم بإلغاء اتفاقية الخليل، أي ما يعرف رسميًا باسم بروتوكول الخليل الموقع في مطلع عام 1997، وبينما يشكل القرار انقلابًا على اتفاقية وقعها رئيس وزرائه نتنياهو، ما دفع الخارجية الإسرائيلية إلى إصدار توضيح بالإنجليزية، لتأكيد استمرار الاتفاقية التي رعتها واشنطن، فإن الواقع هو إلغاء جزء من بروتوكول الخليل، عبر سحب صلاحيات التخطيط والبناء من بلدية الخليل في التجمع الاستيطاني ومحيط الحرم الإبراهيمي ونقلها إلى المؤسسات الإسرائيلية، وهذه الجزئية لا تقلل من خطورة القضية بالطبع. 

تتناول هذه المقالة ثلاثة محاور رئيسية: أولًا، تستعرض اتفاق الخليل وترتيباته الأصلية، مع تركيز خاص على الحرم الإبراهيمي؛ وثانيًا، توضح أن صلاحيات بلدية الخليل في منطقة H2 كانت قد تعرضت للتآكل التدريجي قبل عام 2026؛ وثالثًا، تحلل البنود التي ألغتها الحكومة الإسرائيلية وما يترتب عليها من تداعيات سياسية وقانونية.

في حزيران 2026 لم تلغ الحكومة الإسرائيلية بروتوكول الخليل لعام 1997 بكامله، خلافًا لما أعلنه سموتريتش، لكنها ألغت أحد أهم ترتيباته المدنية

ما هو اتفاق الخليل؟

وقعت السلطة الفلسطينية وإسرائيل بروتوكول إعادة الانتشار في الخليل، المعروف باسم "اتفاق الخليل"، في 15 كانون الثاني/يناير 1997، بهدف معالجة الوضع الاستثنائي في المدينة. وجاء الاتفاق في سياق تصاعد عمليات المقاومة المسلحة، ولا سيما بعد "أحداث النفق" في أيلول/سبتمبر 1996، التي شهدت للمرة الأولى مواجهات مباشرة بين أجهزة الأمن الفلسطينية والقوات الإسرائيلية. كما أبرم الاتفاق بعد تولي بنيامين نتنياهو رئاسة الوزراء للمرة الأولى، بعد أن بنى سيرته السياسية على معارضة اتفاقيات أوسلو من أصلها.

قسم "اتفاق الخليل" المدينة إلى منطقتين إداريتين وأمنيتين. فقد انتقلت المنطقة الأولى (H1)، التي تشكل نحو 80% من مساحة الخليل ويقطنها الفلسطينيين، إلى سيطرة السلطة الفلسطينية المدنية والأمنية الكاملة. أما المنطقة الثانية (H2)، التي تضم المستوطنة اليهودية داخل المدينة القديمة ونحو ثلاثين ألف فلسطيني، فقد بقيت تحت السيطرة الأمنية الإسرائيلية المباشرة. 

ركز الجزء الأول من الاتفاق على الترتيبات الأمنية، إذ تم السماح للشرطة الفلسطينية بالانتشار في منطقة H1، في حين احتفظت إسرائيل بالمسؤولية الأمنية الشاملة في منطقة H2 وبمسؤولية حماية المستوطنين الإسرائيليين. كما تناول الاتفاق أيضًا أوضاع الأماكن المقدسة، إذ أوكل إلى الشرطة الفلسطينية مسؤولية حماية عدد من المواقع الدينية اليهودية بداخل المنطقة H1 وضمان وصول المستوطنين إليها. أما الجزء المدني من الاتفاق فقد نظم نقل الصلاحيات الإدارية إلى السلطة الفلسطينية في مجالات التخطيط والبناء والبنية التحتية والخدمات البلدية، وحدد مواقع مؤسسات السلطة الفلسطينية داخل المدينة. 

ورغم خضوع منطقة H2 في الخليل للسيطرة الأمنية الإسرائيلية الكاملة، أقر "اتفاق الخليل" وجود صلاحيات مدنية للسلطة الفلسطينية (تحديدًا بلدية الخليل) على الفلسطينيين فيها (والبالغ عددهم حينها 30 ألفًا)، شملت تقديم الخدمات البلدية لجميع سكان المنطقة، بما في ذلك المياه والصرف الصحي والنظافة والبنية التحتية، إضافة إلى صلاحيات التخطيط والبناء التي كانت تخضع للتنسيق مع الجانب الإسرائيلي في الحالات الحساسة، كما تولت بلدية الخليل صيانة البنية التحتية، وشغلت مفتشين بلديين غير مسلحين لتطبيق الأنظمة على الفلسطينيين فقط، مع السماح للسلطة الفلسطينية بإقامة مكاتب حكومية في H2 بالتنسيق مع إسرائيل. 

قبل إلغاء بعض بنود اتفاقية الخليل في 2026: كيف كان الوضع؟

منذ توقيع "اتفاق الخليل"، دأبت إسرائيل على تهميش دور بلدية الخليل في المنطقة، وتجاوزت أحكام الاتفاق بحكم الأمر الواقع في عشرات الحالات المتعلقة بالتخطيط والبناء وإدارة المواقع الدينية والاستيطانية. فقد خلق "اتفاق الخليل" بنية دائمة للاحتكاك بين السلطة الفلسطينية (بلدية الخليل والأوقاف) وبين الجيش والإدارة المدنية حول الصلاحيات والإجراءات داخل وحول الحرم. مثلًا، اعترضت السلطة الفلسطينية ووزارة الأوقاف مرارًا وتكرارًا على منع رفع الأذان في الحرم الإبراهيمي عشرات المرات سنويًا، أو على قرارات الجيش الإسرائيلي إغلاق الحرم الإبراهيمي بالكامل لعدة أيام متتالية بحجة الأعياد اليهودية.

لكن القضية الأهم كان أن إسرائيل استمرت بأعمال الحفر والبناء في ساحات الحرم الإبراهيمي (المصاعد، المنحدرات، تغطية الساحات، توسعة المداخل) بدون الرجوع بلدية الخليل أو وزارة الأوقاف الفلسطينية وبما يتجاوز صلاحيات التخطيط الفلسطينية وفق بروتوكول الخليل، بينما تنفذ السلطات الإسرائيلية هذه المشاريع عبر الإدارة المدنية والمجالس الاستيطانية بحجة تحسين الوصول لذوي الإعاقة وتعزيز "الخدمات للمستوطنين". مثلًا، تصاعد التوتر نتيجة شروع السلطات الإسرائيلية منذ 2020 تقريبًا في حفريات وأعمال بنى تحتية في الساحات الجنوبية والشرقية للحرم، مع اتهام فلسطيني رسمي بأن هذه الأعمال تهدف لتغيير الطابع المعماري والإسلامي للمكان وخلق وقائع مادية تُرسّخ السيطرة الإسرائيلية على جزء أكبر من المجمع، في حين تتعامل إسرائيل معها كمشاريع "تطوير موقع تراثي" داخل منطقة خاضعة لها أمنيًا وإداريًا بحكم السيطرة على منطقة H2. حصلت كل هذه التجاوزات قبل أن يلغي سموتريتش بنود "اتفاق الخليل" المتعلقة بصلاحيات بلدية الخليل في المنطقة H2. 

ماذا ألغى سموتريتش في حزيران 2026؟

في حزيران/يونيو 2026 لم تلغ الحكومة الإسرائيلية بروتوكول الخليل لعام 1997 بكامله، خلافًا لما أعلنه سموتريتش، لكنها ألغت أحد أهم ترتيباته المدنية المتعلقة بالصلاحيات التنظيمية والتخطيطية داخل ما يسمى "الحي اليهودي" في الخليل وفي عدد من المواقع الدينية المحيطة به، ونقلت هذه الصلاحيات من بلدية الخليل الفلسطينية إلى مؤسسات التخطيط الإسرائيلية. ورغم أن هذا التجاوز ظل يحكم الواقع على الأرض منذ سنوات، فإن المستجد يكمن في انتقال إسرائيل من مرحلة الالتفاف العملي على اتفاقيات أوسلو إلى مرحلة تفكيك بعض بنودها وإلغائها بصورة معلنة وأحادية الجانب، وهو مسار تكرر منذ عام 2023 في أكثر من ملف. أما السلطة الفلسطينية، التي تنتظر الإفراج عن مليارات الشواكل المحتجزة لدى إسرائيل، فقد اكتفت بتصريحات "الامتعاض" و"الاستهجان" دون أن يصدر عنها أي اعتراض سياسي أو قانوني ذي أثر.

استندت هذه خطوة سموتريتش إلى قرار اتخذه المجلس الوزاري الأمني المصغر في شباط/فبراير 2026، واستكمل تنفيذه المجلس الأعلى للتخطيط التابع للإدارة المدنية، الذي سحب من بلدية الخليل صلاحيات التخطيط والبناء في منطقة المستوطنة اليهودية وفي محيط الحرم الإبراهيمي، إضافة إلى مواقع أخرى مثل قبة راحيل والمقابر اليهودية. وأعلن سموتريتش أن أعمال التخطيط والبناء في هذه المواقع ستخضع حصريًا للمؤسسات الإسرائيلية، من دون أي دور أو موافقة من بلدية الخليل أو الهيئات الفلسطينية الأخرى ذات الصلة. في المقابل، أوضحت وزارة الخارجية الإسرائيلية أن بروتوكول الخليل ما زال قائمًا، وأن التعديل يقتصر على صلاحيات التخطيط والبناء المتعلقة بالمستوطنين والمواقع التراثية اليهودية في الخليل.

عمليًا، تستهدف هذه الخطوة البنود الواردة في بروتوكول الخليل التي منحت بلدية الخليل اختصاصات مدنية تشمل التخطيط والبناء في جميع أنحاء المدينة، بما في ذلك منطقة الاستيطان اليهودي والحرم الإبراهيمي، رغم ترتيبات التقسيم الأمني بين منطقتي H1 وH2. وبذلك فقدت البلدية آخر أدواتها الإدارية ذات الأثر الفعلي داخل الجيب الاستيطاني في H2 وفي محيط الحرم الإبراهيمي.

سياسيًا وقانونيًا، تعزز هذه الخطوة السيطرة الإسرائيلية المباشرة والأحادية على أكثر المناطق حساسية في الخليل، وتحول الجيب الاستيطاني من مساحة تخضع لترتيبات مدنية مشتركة، وإن كانت غير متكافئة، إلى فضاء تنظمه حصريًا القوانين والمؤسسات الإسرائيلية. كما تتيح توسيع مشاريع البناء الاستيطاني وأعمال البنية التحتية والترميم من دون أي مشاركة فلسطينية، وتقوض أحد المبادئ التي قامت عليها ترتيبات أوسلو، والقائم على احتفاظ الهيئات الفلسطينية بقدر من الصلاحيات المدنية حتى داخل المناطق الخاضعة لهيمنة أمنية إسرائيلية مكثفة. وفي هذا المعنى، تمثل الخطوة حلقة إضافية في مسار الضم الزاحف الذي تعتمده إسرائيل في الضفة الغربية، مع تركيز خاص على المواقع الدينية والاستيطانية في مدينة الخليل.

الكلمات المفتاحية

قراءة في الانتخابات الإسرائيلية المقبلة

قراءة في الانتخابات الإسرائيلية المقبلة

منذ أكثر من عشرين عامًا، أثبت بنيامين نتنياهو قدرة استثنائية على الإفلات من كل الأزمات التي كان يعتقد أنها ستنهي مستقبله السياسي


ملامح أزمة جديدة في حركة فتح

ملامح أزمة جديدة في حركة فتح

تاريخيًا، كانت فتح تستفيد من كونها الحركة الوطنية الأكثر شعبية وحضورًا داخل مؤسسات السلطة ومنظمة التحرير، إلا أن هذا الامتياز لم يعد كافيًا في ظل الانقسامات التنظيمية التي تراكمت خلال السنوات الماضية


إعلان الرئيس الفلسطيني تحديد الانتخابات.. سؤال التوقيت

إعلان الرئيس الفلسطيني تحديد الانتخابات.. سؤال التوقيت

إعلان موعد الانتخابات يأتي في ظل تحديات داخلية لا تقل تعقيدًا عن التحديات الخارجية


لماذا اختار عباس الانتخابات التشريعية الآن؟

لماذا اختار عباس الانتخابات التشريعية الآن؟

انتخابات المجلس التشريعي تأتي عمليًا بديلًا عن انتخابات المجلس الوطني، وأن الأخيرة لن تجرى في المدى المنظور

المرور عبر معبر كرم أبو سالم
تقارير

رحلة العودة إلى غزة.. ساعات طويلة من التفتيش والمصادرة والاعتقال عند كرم أبو سالم

إجراءات إسرائيلية مشددة وانتهاكات متكررة بحق المسافرين تشمل سرقة المقتنيات والاعتقال وسوء المعاملة، ازدادت تعقيدًا عقب استحداث نقطة تفتيش جديدة داخل معبر كرم أبو سالم.

المكتب الحكومي بغزة: 3689 خرقًا إسرائيليًا لاتفاق وقف إطلاق النار خلال 275 يومًا
أخبار

المكتب الحكومي بغزة: 3689 خرقًا إسرائيليًا لاتفاق وقف إطلاق النار خلال 275 يومًا

أشار المكتب يوم الثلاثاء إلى دخول 58,664 شاحنة فقط إلى قطاع غزة من أصل 165,000 شاحنة كان يفترض دخولها حتى اليوم


داخلية غزة: استشهاد مدير شرطة مخيم جباليا وضباط جراء مجزرة للاحتلال غربي المخيم
أخبار

داخلية غزة: استشهاد مدير شرطة مخيم جباليا وضباط جراء مجزرة للاحتلال غربي المخيم

ارتكب جيش الاحتلال الإسرائيلي ظهر يوم الثلاثاء، مجزرةً جراء استهدافه نقطة للشرطة غربي مخيم جباليا شمال قطاع غزة

اعتقالات في عدة مناطق بالضفة وهدم منشآت في بيت لحم وسلفيت
أخبار

الضفة: هدم منازل وردم بئر مياه وحملة احتجاز واعتقالات واسعة

شنت قوات الاحتلال فجر اليوم حملة مداهمات واعتقالات طالت ما لا يقل عن 22 مواطنًا، بالتزامن مع حملة احتجاز وتحقيق ميداني واسعة في مدينة الخليل.

الأكثر قراءة

1
مقابلات

خاص | محمود مرداوي: اتفاق على غالبية بنود مفاوضات القاهرة وإسرائيل تعطل التوصل لاتفاق


2
تقارير

الانتخابات التشريعية.. هل يصمد موعد نوفمبر أمام تحديات الانقسام والقدس وغزة؟


3
تقارير

شهادات لـ"الترا فلسطين": نساء بالضفّة يتعرضن للإرهاب الجنسي من المستوطنين


4
تقارير

قبل أن يحمل ابنته ويحرس عرين فلسطين.. رصاصة الاحتلال تُسقط حلم الحارس سليم الأشقر


5
تقارير

"بابا تعال عندنا".. آخر مكالمة بين مالك ووالده قبل استشهاده في دير البلح