ما الذي تفعله بنا الإبادة؟
21 يونيو 2026
ترتكز دراسات الاستعمار الاستيطاني، في كثير من منطلقاتها، على رؤية باتريك وولف القاضية بأن الاستعمار ليس مجرد حدث عابر، بل هو عبارة عن "بنية"، بحيث لا يعود الأمر يتعلق فقط بالاستهداف المادي المباشر للشعب أو السكان الأصليين عبر الحرب والعنف في سبيل إقصائهم وإبادتهم، بل يمتد الأمر عبر تعزيز الوجود الاستعماري من خلال سياسات وممارسات ذات مستويات ثقافية وتاريخية واجتماعية واقتصادية، تصبح بالنهاية بنية شاملة لإزالة وتهميش الشعب المستعمَر.
فإذا ما قمنا بسحب تعريف وولف للاستعمار الاستيطاني، وقمنا باستخدامه لتفحص الإبادة الجماعية الصهيونية التي يتعرض لها الشعب الفلسطيني منذ النكبة الكولونيالية عام 1948، وتصاعدت وحشيتها بحق غزة منذ السابع من أكتوبر 2023، سنجد بأن الإبادة هي أيضًا بنية وليست مجرد حدث يخفت تارة ويشتعل تارة أخرى.
الإبادة كبنية تمتلك وعيها الرهيب المتمثل بممارسة كيّ الوعي الفلسطيني وإزاحة إمكانيات أمله وصموده وحبه للحياة
إن تثبيت النكبة في سياق ذي أبعاد كولونيالية تأسيسية للمشروع الصهيوني، الذي لو لم ينتهج سياسات التطهير العرقي والترانسفير "التهجير القسري" والإبادة لما استطاع إقامة كيانه الغاصب، ومن أجل ضمان استمرارية هذا الكيان، فهو بحاجة إلى استدامة وتنمية سياسات الموت المتمثلة بالإبادة الجسدية المباشرة، وتجلياتها وتمثيلاتها الأخرى كالإقصاء والفصل العنصري والإبعاد والتهجير وهدم البيوت ومصادرة الأراضي والاعتقال والاحتجاز. غير أن الأهم في هذا الجانب هو قدرة النكبة الكولونيالية الصهيونية على خلق كينونة تحت إنسانية، خلقت بدورها كائناتها وإفرازاتها المشوهة على صعيد الزمكان الثقافي والتاريخي للفلسطينيين.
إذ ولد من هذه الكينونة كائنات كولونيالية سعى ويسعى نظام الأبارتهايد الكولونيالي الصهيوني نحو تفكيك إنسانيتها ومحو ملامحها الثقافية والزمنية والتاريخية، عبر تصنيفها مسبقًا، وحشرها في خانة الخطر الوجودي والإرهابي والتخريبي واللا إنساني، وبهذا ينزع عنها كل ما يشي بالإنسانية ويضيف إليها كل ما يكفل إبادة هذه الكائنات التي وُزعت وشُردت إما داخل أرضها أو خارجها، ليغدو الفلسطيني، بهذه الحالة، كائنًا معينًا تعريفه إما لاجئ، أو نازح، أو مخرب، وأسير، وشهيد، ومبعد، ومطارد، وجريح، أي أن تعريفه جاء من خارجه، من قسرٍ خارجي استعماري وإبادي، بالإضافة إلى الإفراز الزمكاني المشوه المتمثل بأحياز متعددة ومغايرة كالمخيم، والأرض المصادرة، ومنع التجول، والإقامة الجبرية، والمنطقة العسكرية المغلقة، والمحاكم العسكرية، وقوانين الطوارئ. وكان أحد أهم أهداف الإبادة ومنطقها البنيوي هو ضرب تجانس ونسيج الشعب الفلسطيني، الذي كان في ذروة صيرورة تشكله قبل النكبة، أي إحالة الشعب إلى عدة جماعات تعيش في أحياز مختلفة، وهي على النحو التالي:
- الجماعة الفلسطينية الباقية في أرضها منذ نكبة 1948 (الداخل).
- الجماعة الفلسطينية في الضفة الغربية.
- الجماعة الفلسطينية في قطاع غزة.
- الجماعة الفلسطينية في مخيمات اللجوء والشتات.
- الجماعة الفلسطينية في القدس (بعد نكسة 1967).
وهذه الجماعات، إذا ما سلمنا بوجودها بهذه الصورة الاستعمارية المشوهة، مُورس ويمارس عليها أشكال وسياسات قتل وتنكيل متعددة ومختلفة، وليست موحدة في استهدافها للوجود الفلسطيني. ففي القدس، على سبيل المثال، يُعد شكل الإبادة الأمثل هو التهويد وهدم البيوت والضرائب الباهظة التي تُفرض على المقدسيين، وفي غزة فإن شكل الإبادة يصل إلى أعلى مستوياته القاضية بأكثر من ثمانين ألف شهيد وشهيدة وتدمير غزة بصورة شبه نهائية.
ولكن هل هذا ما تفرزه النكبة الكولونيالية وإبادتها فقط؟ أم أن ثمة إفرازات ثقافية ونفسية تحيط بكل جماعة من هذه الجماعات؟
فإذا كانت الإبادة بنية شاملة وليست مجرد حدث، فإن هذا يعني، فيما يعنيه، أن هناك إفرازات بنيوية داخل الوعي الخاص بكل جماعة، وهذه الإفرازات بدورها نشأت في السياق اللّا طبيعي لنشوء وتطور الجماعة، ألا وهو سياق الإبادة الهُوَوِيّ، الذي يهدف نحو تذويت الإبادة وجعلها جزءًا لا يتجزأ من ملامح وهوية الفلسطيني أينما وُجد. ولكن الذي فقد أسرته وبيته وأحبته وزمنه في غزة يختلف في رؤيته لذاته ومحيطه عن رؤية الفلسطيني الذي ينتمي إلى جماعة فلسطينية أخرى تعيش داخل سياق إبادي مشوه آخر ومغاير لسياق الإبادة في غزة، وهذا هو هدف الإبادة النهائي، ألا وهو تذويت أشكال إبادة مختلفة لدى الفلسطينيين بما يسمح بضرب وتشتيت تضامنهم وتعاضدهم وإرادتهم الداخلية والجماعية.
إن الإبادة كبنية تمتلك وعيها الرهيب المتمثل بممارسة كيّ الوعي الفلسطيني وإزاحة إمكانيات أمله وصموده وحبه للحياة، واستنزافه عبر خلخلة وضرب سلم أولوياته الذي بات يتمثل بضرورة البقاء والانهماك بهموم وجودية ذات أبعاد خلاصية فردية تدفعها الحاجة الطبيعية لدى الإنسان إلى الانعتاق من ظروف لا طبيعية.
ولا يغدو الخلاص جماعيًا إلا عندما يدرك الفلسطيني أن الإبادة خلّفت به العديد من الجراح العميقة والندوب التي طالت جوانبه النفسية واللغوية والثقافية ونظرته لذاته وللعالم أيضًا، والمتمثلة بالغضب، وهو غضب مشروع ضد كل من أدى بالفلسطيني نحو التشظي وهذا النفق المظلم. وعلة هذا النفق هي نظام الأبارتهايد الكولونيالي الصهيوني، أما المعلول فهو نحن الفلسطينيون، نحن الذين بتنا بأمسّ الحاجة اليوم إلى توحيد خذلاننا وغضبنا وخيبتنا وأملنا في الوقت نفسه، لا بل توحيد الجماعات الفلسطينية المتعددة بجماعة واحدة، ألا وهي غزة. بلى، غزة هي فلسطين وفلسطين هي غزة التي كشفت مآلات المشروع الصهيوني القاضي بالإبادة الشاملة للفلسطينيين أينما وجدوا. فإذا كان لا مفر من هذا النفق المؤقت، فلنكن به جميعًا إذن، لا غزة وحدها، إلى أن يبزغ الأمل من إرادتنا الجماعية المستعادة.
الكلمات المفتاحية
هل يعيش النظام الصهيوني سنواته الأخيرة؟
الأزمة الداخلية الصهيونية يتوجب قراءتها بعمق، بعيدًا عن الصور النمطية المعبأة باليأس والإحباط نتيجة إمعان النظام الصهيوني في كيّ وعي الجماعات المقاومة والمناوئة له
في غزة.. حتى الموتى ينتظرون دورهم
في غزة، فقد يسقط البيت فوق من فيه، ويعرف الناجون أن أهلهم تحته، لكنهم لا يملكون طريقًا إليهم. لا معدات كافية، ولا وقت آمن للحفر
نحو صياغة عهد تربوي جديد
إن فكرة المعهد الوطني التربوي، ضرورة وطنية ملحّة، فما نراه من ارتجالية في رسم السياسات التعليمية، ينذر بذهابنا في التعليم إلى هناك.
ضغوط أميركية لوقف النار ونزع سلاح حماس... وأوغندا تنضم للقوة الدولية
هيئة البث الإسرائيلية: إسرائيل لم توقع بعد على الاتفاق الذي يتيح إدخال قوة الاستقرار الدولية إلى قطاع غزة
تحقيق: شهادات عن تعذيب واعتداء جنسي بحق نشطاء أسطول الصمود
كشف التحقيق عن نمط منهجي من سوء المعاملة والانتهاكات الجسدية، وحالة اعتداء جنسي موثقة، تعرض لها نشطاء "أسطول الصمود العالمي" خلال احتجازهم لدى القوات الإسرائيلية في أيار الماضي
مقاومة الجدار: 59 أمرًا بإزالة الطبقة الشجرية من أراضي المواطنين منذ مطلع العام
أصدر الاحتلال ثمانية أوامر عسكرية، نصّت على إزالة النباتات البرية واقتلاع أشجار الزيتون من الأراضي المحددة في الخرائط المرفقة بالأوامر، واستهدفت مساحة إجمالية بلغت 316,636 دونمًا
غضب في الكابنيت من نتنياهو.. رئيس الشاباك: موافقة حماس على خريطة الطريق "7 أكتوبر سياسي"
كشفت إذاعة الجيش الإسرائيلي أن اجتماع "الكابينت"، خصص جزءًا واسعًا من مداولاته لبحث تطورات الأوضاع في قطاع غزة ومسار المفاوضات مع حركة حماس بشأن الاتفاق