ultracheck
قول

متحفة الجسد الفلسطيني

1 يونيو 2026
متحفة الجسد الفلسطيني
متحفٌ هو جسد الفلسطيني اليوم، متحف للندوب والجراح التي خلّفتها اعتداءات المستعمر الصهيوني عليه، ولكنه ليس للفرجة المجانية وإلقاء عبارات المواساة والشفقة عليه، بل هو جسد للاحتجاج ولتأكيد البقاء على قيد الذاكرة والوطن والأمل.
باسم خندقجي
باسم خندقجي كاتب فلسطيني وأسير محرر

للمتحف تمثيلات متعددة، وأما ظهوره كحيز للعرض وأرشفة المدهش والغريب والعجيب وأهم المنجزات والمكتسبات الحضارية للجماعات البشرية، فيمكن إرجاعه للقرن الثالث قبل الميلاد في سياق العصر البطلمي في الفترة الذهبية لمكتبة الإسكندرية التي كانت تحتوي على متحف لا يمكن وصفه واعتباره اليوم بأنه كان متحفًا احترافيًا للعرض أمام الجمهور، ولكنه أسس لفكرة المتحف بصورته الحديثة التي أخذت بالاتضاح مع خروج أوروبا من عصور الظلام وازدهار المنظومة الجامعية المتحررة من رقابة حكم الإكليروس، وذلك مع عدة متاحف من أهمها متحف الأشموليان التابع لجامعة أكسفورد والذي افتُتح عام 1683 للجمهور.

بات الجسد المستهدف حيزًا متنقلًا وحيًا لعرض ومتحفة الذاكرة والإبادة والمعاناة والرموز الوطنية، وهذا ما يتضح بصورة جلية مع فلسطينيّي الشتات والمنفى بشكل خاص

غير أن المهمة الحقيقية للمتحف أخذت بالاتضاح في مسارات القرن التاسع عشر التنويرية والقومية والكولونيالية، عندما أصبح المتحف يلعب دورًا هامًا في تسهيل عملية التخيل لدى الجماعات الأوروبية، مما ساهم في خلق هوياتها وقومياتها ودورها التاريخي كجماعات متخيلة بلغة بندكت أندرسون في كتابه المؤسس "الجماعات المتخيلة: تأملات في أصل القومية وانتشارها"، الصادر عن المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، بيروت 2014، وترجمه ثائر ديب وبمقدمة عميقة للمفكر العربي عزمي بشارة.

وبهذا أصبح المتحف أحد الرموز والمراكز السيادية والثقافية لدى الدول والإمبراطوريات، ولا يمكن إنكار أن الانفجار الكولونيالي العظيم لأوروبا القرن التاسع عشر تجاه العوالم الأخرى، ساهم في تعزيز حضور وتأسيس المتاحف في الميتروبوليتان على المستويين الجماهيري والفردي الخاص بأرستقراطية أوروبا شديدة النخبوية، وذلك عبر نهب البلاد والأراضي الواقعة خارج المركز الكولونيالي الحداثي، والسطو ليس فقط على ثرواتها بل استلاب تاريخها، والسعي نحو كتابته من جديد بصورة تكفل سمو الرجل الأبيض في السياق المعرفي والكولونيالي الغربي. فإذا ما قمنا نحن المستعمَرين بإعداد وإجراء جولات سياحية ملتبسة إلى المتاحف الميتروبوليتانية الكبرى في لندن وباريس وواشنطن فيما بعد، سنجد أن غالبية المعروضات في هذه المتاحف لا تجسد الموروث الحضاري لهذه الإمبراطوريات بل الموروث الإنساني بصيغته المحافظ عليها غربيًا، أي أنه لولا جلب تلك اللقى الآثارية والمنجزات الحضارية لشعوب العوالم اللاغربية لتبددت وزالت إثر عدم اكتراث أصحابها بقيمتها الحضارية والتاريخية، بحسب الادعاء الغربي الاستعلائي والباطل.

من جهة أخرى يُمثّل المتحف بكافة تمثيلاته الحضارية حيزًا لتمجيد العنف والاضطهاد والإقصاء بصورة لامرئية يجري إخفاؤها خلف المعروضات والمقتنيات والتحف وكافة اللقى الآثارية العتيقة، فعندما نتأمل في لقية أو تحفة تعود لعشرات آلاف السنين، فنحن لا نرى سوى جمال هذه التحفة وتملّكها لنا بالدهشة والروعة وخلب ألبابنا، مما يمنعنا عن التفكير أو تخيل السياق التاريخي الذي خُلقت أو صُممت وصُنعت فيه هذه التحفة، وكيف أن المتحف قام بكتم أنّات وأنفاس أولئك الذين اضطُهِدوا وقُمعوا وعُذّبوا أثناء مساهمتهم القسرية في صناعة المعروضات، باعتبار أن من أسّس لمجده وإرثه الخالد هو الملك أو الإمبراطور الذي لم يكن يدّخر بطشًا وسيطرة إلا ومارسه بحق المستضعفين والمضطهدين. وهذا ما يبعث بالنفوس الحاجة إلى بعث المسكوت عنه من تحت ركام التاريخ الغربي ذي المتن الحداثي المشحوذ بمقولات الإنسان الجديد وأعباء الحضارة الغربية إزاء العالم وضرورة إصلاحه بكل ما أوتي هذا الإنسان المستعمِر الأبيض من كولونيالية وحشية وفاشية عنصرية، إذ لم تعد الحاجة اليوم إلى متاحف مضادة واستعادة ما نهبه الاستعمار الغربي من ثروات الشعوب الأخرى الحضارية والثقافية والتاريخية فحسب، بل يستحيل الجسد الفردي في هذه الحالة أحد أهم الأركان في عملية الاستعادة والتدوين والتوثيق.

وهذا هو دأب الفلسطيني اليوم مع جسده. الفلسطيني الملاحق بكل أنماط الإبادة بدءًا من الإبادة الجسدية وليس انتهاءً بالإبادة الثقافية، فبعد التحامه واشتباكه مع المستعمر الصهيوني في كافة المجالات، بات الجسد المستهدف حيزًا متنقلًا وحيًا لعرض ومتحفة الذاكرة والإبادة والمعاناة والرموز الوطنية، وهذا ما يتضح بصورة جلية مع فلسطينيّي الشتات والمنفى بشكل خاص إلى جانب الشعب الفلسطيني الصامد في أرضه داخل فلسطين، عندما يعرض الفلسطيني على جسده حكايته الجماعية أو الفردية، متقلدًا قلادة خريطة فلسطين، أو مفتاح العودة، أو شجرة الزيتون، أو نموذجًا مصغرًا لمسجد قبة الصخرة، أو الصليب مع علم فلسطين، وغيرها من الرموز الوطنية والثقافية إما أساور أو سلاسل وأطواق، ومن التمظهرات والمعروضات الأخرى فهي الأزياء والملابس وأهمها الثوب الفلسطيني التقليدي المطرز بخيوط الحياة والأمل والصمود، والقمصان المطرزة والمطبوع عليها إشارات ودلالات الهوية الوطنية الفلسطينية بكافة مستوياتها، ناهيك عن الكوفية التي باتت معروضًا أساسيًا لمعظم الأجساد الفلسطينية.

ويبقى الوشم بصوره المتعددة هو أهم الآثار التي يعرضها الفلسطيني على جسده، وهو أيضًا يبدأ من رسم يشي بالوطن والأرض وجملة مكثفة تغدو بمثابة تعويذة بقاء واستمرارية، والوشم بهذا الحال هو أيضًا إفصاح للجسد عن أصله في ممرات وميادين العالم ومنافيه، وهو لا يزول، إذ يظل الوشم عالقًا بالجسد والروح حتى الفناء الأخير.

متحفٌ هو جسد الفلسطيني اليوم، متحف للندوب والجراح التي خلّفتها اعتداءات المستعمر الصهيوني عليه، ولكنه ليس للفرجة المجانية وإلقاء عبارات المواساة والشفقة عليه، بل هو جسد للاحتجاج ولتأكيد البقاء على قيد الذاكرة والوطن والأمل.

الكلمات المفتاحية

حساسية الإبادة غير المفرطة

حساسية الإبادة غير المفرطة

أعادت الإبادة تشكيل علاقة الغزيين بالكلمات، وحوّلت بضعة حروف إلى رصاص قادر على القتل كالطائرات تمامًا


قراءة في الانتخابات الإسرائيلية المقبلة

قراءة في الانتخابات الإسرائيلية المقبلة

منذ أكثر من عشرين عامًا، أثبت بنيامين نتنياهو قدرة استثنائية على الإفلات من كل الأزمات التي كان يعتقد أنها ستنهي مستقبله السياسي


ملامح أزمة جديدة في حركة فتح

ملامح أزمة جديدة في حركة فتح

تاريخيًا، كانت فتح تستفيد من كونها الحركة الوطنية الأكثر شعبية وحضورًا داخل مؤسسات السلطة ومنظمة التحرير، إلا أن هذا الامتياز لم يعد كافيًا في ظل الانقسامات التنظيمية التي تراكمت خلال السنوات الماضية


إعلان الرئيس الفلسطيني تحديد الانتخابات.. سؤال التوقيت

إعلان الرئيس الفلسطيني تحديد الانتخابات.. سؤال التوقيت

إعلان موعد الانتخابات يأتي في ظل تحديات داخلية لا تقل تعقيدًا عن التحديات الخارجية

حساسية الإبادة غير المفرطة
قول

حساسية الإبادة غير المفرطة

أعادت الإبادة تشكيل علاقة الغزيين بالكلمات، وحوّلت بضعة حروف إلى رصاص قادر على القتل كالطائرات تمامًا

فقد ابنه وزوجته وأُسِر وعُذّب.. صاروخ ينهي رحلة الشرطي سميح الأسود في غزة
تقارير

فقد ابنه وزوجته وأُسِر وعُذّب.. صاروخ ينهي رحلة الشرطي سميح الأسود في غزة

انتهت رحلة رجل لم تمنحه الحرب فرصة لوداع ابنه، ولا للحزن على زوجته، ولا حتى لبدء حياة جديدة مع بناته الأربعة


دعوى قضائية ضد إدارة ترامب بسبب عقوبات مرتبطة بالجنائية الدولية وفلسطين
أخبار

دعوى قضائية ضد إدارة ترامب بسبب عقوبات مرتبطة بالجنائية الدولية وفلسطين

تقول المنظمتان إن الحزمة الواسعة من العقوبات التي أصدرتها إدارة ترامب عام 2025 أحدثت "أثرًا مخيفًا" على المدافعين عن حقوق الإنسان

"سجانات اغتصبنها على مرأى جنود".. ناشطة ألمانية تروي تفاصيل الاعتداء عليها في إسرائيل
أخبار

ناشطة ألمانية تروي تفاصيل اغتصابها في إسرائيل من 3 سجانات وسط ضحكات جنود

كان الجنود يضحكون وهم يشاهدون السجانات يعتدين عليها، وربما صوروها أيضًا فقد كان بإمكانهم ذلك

الأكثر قراءة

1
مقابلات

خاص | محمود مرداوي: اتفاق على غالبية بنود مفاوضات القاهرة وإسرائيل تعطل التوصل لاتفاق


2
تقارير

الانتخابات التشريعية.. هل يصمد موعد نوفمبر أمام تحديات الانقسام والقدس وغزة؟


3
تقارير

شهادات لـ"الترا فلسطين": نساء بالضفّة يتعرضن للإرهاب الجنسي من المستوطنين


4
تقارير

قبل أن يحمل ابنته ويحرس عرين فلسطين.. رصاصة الاحتلال تُسقط حلم الحارس سليم الأشقر


5
تقارير

"بابا تعال عندنا".. آخر مكالمة بين مالك ووالده قبل استشهاده في دير البلح