مجاعة غزّة.. وهمُ المساعدات وخديعةُ الإعلام
18 ديسمبر 2024
تزامنًا مع عدوانها العسكريّ المستمرّ على قطاع غزّة منذ ما يزيد عن العام، تشنّ إسرائيل حربًا صامتة على الفلسطينيّين في القطاع، عنوانها الأبرز مجاعة قاتلة وحصار مطبّق.
لم تغفل إسرائيل أن تمارس حرب التجويع بأبشع الأساليب ضدّ المدنيّين من شمال القطاع إلى جنوبه، حتّى باتت تتحكّم في كلّ ما يدخل بطون الغزيّين من طعام وشراب، تعاير وتضبط فيها كمّيّة السعرات الحراريّة الّتي تصل أجسادهم، في صورة هي الأقسى من القهر والحرمان على مرّ التاريخ من الحروب الحديثة.
بينما يسمح الاحتلال بإدخال السلع والبضائع من الأغذية الأساسيّة بكمّيّات شحيحة ومتقطّعة عبر فترات طويلة، يغرق الأسواق من البضائع الثانويّة الكماليّة الّتي لا تتّسق مع ما يحتاج إليه السكّان القابعون تحت حصار دام لأكثر من 18 عامًا
وتوهّم إسرائيل المجتمع الدوليّ أنّها تخوض حربًا بـ"معايير أخلاقيّة"، وفق أعراف القانون الدوليّ، عبر مزاعم تسهيل إدخال المساعدات الإنسانيّة والإغاثيّة والطبّيّة والإمدادات الغذائيّة والبضائع التجاريّة إلى داخل القطاع. وهو ما يدرك أهالي غزّة "كذبه"، لا عبر تفكيك هذه المزاعم، ولكن حتّى باختبارها على أجسادهم، وفي حياتهم اليوميّة، فأزمة الطحين حاضرة، والاصطفاف الطويل على المخابر، شهادة يقدّمها أهل غزّة بأجسادهم على الواقع.
ومن خلال نظرة سريعة على الأسواق في قطاع غزّة، يتكشّف الخداع الحقيقيّ الّذي تتستّر خلفه عناوين الاحتلال ومزاعمه في إعلامه المُجيش ومنصّاته الرقميّة، مثل صفحة المنسّق، وإسرائيل تتكلّم بالعربيّة، وصفحة الناطق بلسان الجيش للإعلام العربيّ، حول نوعيّة تلك المساعدات، ومدى ما تلبّيه من احتياجات للمحاصرين، في أكبر سجون العالم مساحة وأضيقها أملًا.
وبينما يسمح الاحتلال بإدخال السلع والبضائع من الأغذية الأساسيّة بكمّيّات شحيحة ومتقطّعة عبر فترات طويلة، يغرق الأسواق من البضائع الثانويّة الكماليّة الّتي لا تتّسق مع ما يحتاج إليه السكّان القابعون تحت حصار دام لأكثر من 18 عامًا، وهو مستمرّ ويمتدّ في التطلّع إلى كلّ يوم جديد.
فمثلًا يمنع الاحتلال إدخال اللحوم والدواجن، المجمّدة والطازجة، والبيض والحليب ومشتقّاته، والخضار والفاكهة لفترات طويلة، وهي الّتي لم يتذوّقها الغزيّون طيلة أشهر عديدة، حتّى اقترب بعضهم من نسيان طعمها، دون مبالغة.
لكن على الجانب الآخر، يسمح الاحتلال من ضمن ما "يسمح به"، في مرور بضائع دون أهمّيّة، لمن يفتقر لكلّ مقوّمات الحياة الأساسيّة.
فمثلًا تجده يمرّر بضائع مثل "الكاتشب والمايونيز والشيبسي والنسكافيه وخلّ التفّاح وبعض العصائر والمخلّلات والمعلّبات مثل الذرة والفطر" اللازمة في تزيين المأكولات، بينما يوصد الأبواب على ما يهمّ من الأغذية الصحّيّة الأساسيّة الّتي تحتوي على الفيتامينات والبروتينات والعناصر الضروريّة للجسم.
هكذا "تزيّن" إسرائيل حصارها ضدّ الفلسطينيّين، وتبرزه للعالم ضمن حزمة التسهيلات الإنسانيّة خلال الحرب، في حين يتضوّر الغزيّون جوعًا بما يلزمهم من خبز وموادّ أساسيّة. وفيما تتمكّن إسرائيل من التبجّح أمام العالم، باحتساب ما سبق على أهالي غزّة، باعتبارها شاحنات أغذية، ودخلت إلى القطاع.
الأزمة الأكبر من ذلك، هو إدخال تلك المساعدات بكمّيّات شحيحة جدًّا؛ لأنّها تعلم يقينًا أنّ قلّة المعروض منها سيؤثّر في حجم الطلب عليها، وبالتّالي ترتفع أسعارها، في ظلّ انعدام القدرة الشرائيّة للمواطنين وحرمانهم من الحصول عليها.
بيد أنّ أمر الحصار لا يتوقّف عند هذا الحدّ، فأسواق القطاع تفتقر أيضًا لأغذية الأطفال والمكمّلات والحليب العاديّ والعلاجيّ والحفاضات، لدرجة باتت فيه الولادة في غزّة، واستقبال المواليد مشهدًا مقلقًا لأيّ أسرة، مع انعدام القدرة على توفير احتياجات الرضّع والأطفال، وهو ما يكرّسه الاحتلال لوأد أيّ من مقوّمات الحياة.
ما كان لإسرائيل أن تفعل كلّ ذلك، إلّا حين أدركت أنّ قرارات محكمة الجنايات الدوليّة ومجلس الأمن الدوليّ بضرورة إنهاء الحرب وتسهيل تدفّق المساعدات الإنسانيّة ما هي إلّا قرارات تحتكم إلى القوّة في تنفيذها، وعلى أهميتها ودون ذلك، لن تغير الكثير في الواقع. أمّا القوة، فهي منطق تحتكم إسرائيل إليه منذ بداية الحرب، أو حتّى بداية احتلالها لفلسطين، بينما لا يمتلك العالم، إلّا إدانة وشجب إسرائيل، وهو أمر قادرة إسرائيل على تجاوزه بطبيعة الحال، في طريقها لاستكمال حصارها.
الكلمات المفتاحية

لقاء ترامب–نتنياهو: شراكة لتعطيل المرحلة الثانية من اتفاق غزة
لا تكمن خطورة المشهد في تعطيل مرحلة بعينها، بل في تكريس سابقة سياسية تُدار فيها الاتفاقات وفق موازين القوة لا قواعد الالتزام

الحريديم في المستوطنات: ديموغرافيا غير أيديولوجية تعمّق الاستيطان وتُفشل أي حل سياسي
تشير المعطيات الرسمية إلى أن الحريديم يشكّلون اليوم نحو 38% من مجموع الإسرائيليين المقيمين في مستوطنات الضفة الغربية، أي ما يقارب 200 ألف شخص

أرض الصومال والقرن الإفريقي: قراءة في استراتيجية إسرائيل بعد حرب غزة
تُعد أرض الصومال واليمن، بحكومتيهما المناهضتين للحوثيين، عناصر محورية ضمن التصور الإسرائيلي للأمن الإقليمي

حوار عارف بكر | عن حرب لم تلتقطها الكاميرات.. كيف أبادت إسرائيل الثقافة في غزة؟
عارف بكر: المشهد الثقافي في غزة بعد حرب الإبادة يبدو مُثقلاً بالخسارة والغياب. العشرات من المواقع الأثرية والمراكز والمؤسسات الثقافية والمكتبات ودور النشر دُمّرت كليًا أو جزئيًا

البيت الأبيض يعلن تشكيل مجلس تنفيذي لـ"مجلس السلام" لغزة ويعيّن قائدًا لـ"قوة الاستقرار الدولية"
جرى تكليف نيكولاي ملادينوف، عضو المجلس التنفيذي، بمنصب "الممثل السامي لغزة"، فيما عُيّن الجنرال جاسبر جيفرز قائدًا لقوة الاستقرار الدولية

القطاع الصحي في غزة: كيف أعادت الحرب تعريف الخطأ الطبي؟
لم يكن الوصول إلى الرعاية الصحية في قطاع غزة يومًا مسألة مضمونة، لكن الحرب الأخيرة نزعت عنه ما تبقّى من يقين

المنازل الآيلة للسقوط.. تهديد مستمر بالموت في غزة
انهيار 49 مبنى بشكل كلي، منها أكثر من 20 مبنى انهار نتيجة المنخفضات الجوية، في الوقت الذي تعرض فيه أكثر من 110 مبانٍ للتدمير الجزئي، فيما وصلت أعداد ضحايا هذه المنخفضات إلى 27 ضحية

