محاولات لإعادة الحياة إلى "محور الموت" وسط غزة.. والاحتلال يتحرك لإجهاضها
24 مايو 2026
لطالما عرف محور نتساريم فلسطينيًا بأنه "محور الموت"، إذ استُشهد فيه آلاف الفلسطينيين من سكان قطاع غزة، بينهم نازحون هربوا من القصف شمال القطاع واستهدفهم الاحتلال أثناء نزوحهم، وآخرون أعدمهم الاحتلال على الحواجز العسكرية المنتشرة فيه، فضلًا عمّن اعتقلوا وما زال مصيرهم مجهولًا.
استُحدثت في "محور نتساريم" ورش متخصصة لإعادة تأهيل واستخدام المعادن والماكينات وألواح الزينكو ومواد البناء والأخشاب، إلى جانب استصلاح الخردة التي خلّفتها آلة الحرب الإسرائيلية
وفوق أنقاض المواقع الإسرائيلية والحواجز العسكرية التي اجتاحت "محور نتساريم"، حيث ارتُكبت تلك الفظاعات، بدأ الفلسطينيون رحلة جديدة لإحياء هذه المناطق وإعادة إعمارها، محاولين استصلاح هذه المساحات الواسعة في قلب قطاع غزة، بين مدينة غزة والمحافظة الوسطى.
وظلت هذه المناطق موحشة وخطيرة لأشهر طويلة بعد وقف إطلاق النار في 10 تشرين الأول/أكتوبر 2025، نتيجة امتلائها بمخلّفات الحرب وحجم الدمار الهائل الذي لحق بها، إلى جانب انقطاعها الكامل عن الخدمات وانعدام مقومات الحياة فيها، إلا أن هذا الواقع بدأ يشهد تغيرًا تدريجيًا خلال الأشهر الأخيرة.
وعمل فلسطينيون في قطاع غزة على تهيئة هذه الأراضي واستثمارها في مجالات زراعية وصناعية واقتصادية وحتى ترفيهية، إلى جانب استخدام أجزاء منها لإقامة مخيمات ومناطق سكنية. ويأتي ذلك في إطار إعادة الحياة إلى تلك المناطق التي بقيت، طوال الإبادة، خالية من السكان.
وزار "الترا فلسطين" مناطق في "محور نتساريم"، وهي بلدة المغراقة ومدينة الزهراء ومنطقة الشيخ عجلين وسط قطاع غزة، واطّلع ميدانيًا على التغيّرات التي شهدتها تلك المناطق في إطار جهود الغزيين المبذولة لإعادة إحيائها.
استصلاح ما دمره الاحتلال
واستُحدثت في تلك المناطق ورش متخصصة لإعادة تأهيل واستخدام المعادن والماكينات وألواح الزينكو ومواد البناء والأخشاب، إلى جانب استصلاح الخردة التي خلّفتها آلة الحرب الإسرائيلية عقب استهدافها الواسع للمصانع والقطاع الصناعي بشكل عام.
وتوفر هذه الورش بدائل جزئية لاحتياجات قطاع غزة المرتبطة بالصناعة، في ظل الإغلاق الإسرائيلي الكامل ومنع إدخال مواد البناء والمواد الصناعية والمواد الخام إلى قطاع غزة، نتيجة الحصار الخانق المستمر حتى الآن.
وأصبحت هذه الورش، التي تعيد تدوير واستصلاح ما دمّره الاحتلال، مصدرًا مهمًا لتزويد السوق المحلية بمواد خام ومعدات ساعدت في إنشاء أعداد من الكرفانات والبركسات والمخازن، وتوفير قطع غيار.
يقول معتصم سليم إنه بدأ قبل أربعة أشهر في إقامة ورشة على أطراف حي الزيتون، متخصصة في جمع الخردة وإعادة استخدامها.
وأوضح معتصم أنه يركز على المعادن مثل الألمنيوم والنحاس، إلى جانب جمع مواتير المياه والكهرباء ومحاولة إصلاحها أو استخراج أجزاء منها لإعادة استخدامها كقطع غيار.
كما يعمل معتصم في مجال استخراج الحديد وإعادة تعديله، بالإضافة إلى إصلاح الألمنيوم والنوافذ وتعديلها، ضمن جهود تهدف إلى الاستفادة من المواد المتضررة وإعادة تدويرها، في ظل النقص الحاد في المعدات والمواد الخام داخل قطاع غزة.
وأشار إلى أن الحرب الإسرائيلية دمرت بشكل كامل المصانع في قطاع غزة، خصوصًا في المنطقة الصناعية شرق مدينة غزة، وهذا الدمار خلّف كميات كبيرة من المخلفات التي يمكن إعادة ترميم جزء منها أو إصلاحه، ما دفع كثيرًا من السكان إلى إقامة ورش عمل داخل "محور نتساريم"، بهدف الاستفادة من المعدات والمواد المتبقية وإعادة توظيفها ضمن الإمكانيات المتاحة.
محاولة النهوض بالزراعة
وبجانب الورش الصناعية، برز توجهٌ لتدشين مشاريع زراعية باعتبارها الأسرع في إعادة الحياة إلى الأراضي التي تعرضت للتجريف خلال الحرب، إذ شهدت الأشهر الماضية محاولات واسعة لاستصلاح الأراضي عبر إزالة الركام وتسوية التربة وإعادة زراعتها بالمحاصيل الموسمية والخضروات.
وكانت مناطق "نتساريم" قبل الحرب من أكثر المناطق خصوبة في قطاع غزة، وتضم مساحات واسعة من البيارات والمزارع، وكانت تساهم بشكل أساسي في توفير احتياجات القطاع من المحاصيل الزراعية، وبعد احتلالها حُرم الفلسطينيون في غزة من هذه السلة الغذائية.
كما يجري العمل على إنشاء شبكات ري بدائية تساعد في إعادة تشغيل الأراضي الزراعية رغم محدودية الإمكانيات.
المزارع سلمان بريعم، أحد المبادرين للعودة إلى الزراعة في هذه المناطق، وكان ذلك قبل عدة أشهر، بإعادة زراعة أراضٍ تعود له شمال مخيم النصيرات، بعدما امتنع لفترة طويلة عن استغلالها خشية عودة الاحتلال للتوغل في المنطقة، إضافة إلى صعوبة الوصول إليها وكثرة التحديات المرتبطة بإعادة تأهيلها للزراعة.
وأوضح بريعم أن الشح في الخضار والغلاء في أسعارها، كان مما دفعه إلى العودة للزراعة، خصوصًا مع الإغلاقات المتكررة للمعبر وسياسة الاحتلال في حرمان القطاع في العديد من الأصناف الغذائية.
وأضاف: "في موقع أرضي، كان الاحتلال يقيم مربضًا وتجمعًا لآلياته العسكرية، حيث قام بتجريف الأرض بصورة جعلت زراعتها بالغة الصعوبة. لذلك عملت على تحديد الجزء الأقل تضررًا منها، وحرثته باستخدام جرار زراعي تمهيدًا لإعادة زراعته، لكن تكلفة الزراعة هنا مرتفعة للغاية، وحتى مع التحسن النسبي في الظروف، فإن التكاليف لا تزال باهظة جدًا".
وبيّن بريعم أن المنطقة لا تضم حتى الآن آبار مياه، كما أن حفر الآبار فيها لا يزال محفوفًا بالمخاطر بسبب استهدافات الاحتلال والظروف الأمنية القائمة.
وأضاف أن المزارعين يضطرون إلى شراء المياه ونقلها من أطراف مخيم النصيرات إلى الأراضي الزراعية، ما يضاعف التكاليف في ظل ارتفاع أسعار الوقود وبعد المسافات وشح المياه، خصوصًا أن المزروعات تحتاج إلى الري بشكل شبه يومي.
وشدد على أنه رغم هذه الصعوبات، ورغم أن هذه المشاريع تبدو في كثير من الأحيان غير مجدية أو أقرب إلى الخيال، إلا أنه لا بديل عن إعادة الحياة إلى هذه المناطق واستئناف الزراعة وإعادة الإعمار مهما كانت الظروف.
ترفيه وسباقات خيل
ولا يقتصر استغلال هذه المناطق على الورش الصناعية والزراعة، بل امتدت إلى الترفيه أيضًا، وقد لقيت إقبالاً بالفعل من النازحين الذين يأتون إليها للتخفيف من أعباء حياة الخيام، وهربًا من الازدحام السكاني.
وقال إبراهيم الشافعي إنه قبل الحرب كان يحضر تجمع كل نهاية أسبوع في مناطق المواصي جنوب القطاع، حيث تُستعرض الخيول وتُجرى تدريباتٌ استعدادًا للسباقات على مستوى القطاع، لكن مع اندلاع الحرب، تحولت المواصي إلى مخيمات للنازحين، ولم تعد هناك مساحات متاحة للسباقات.
وأضاف الشافعي أنه مع انسحاب الاحتلال من "محور نتساريم" وتوفر مناطق شاسعة فيه، باتت هذه المناطق بديلًا، وبدأت إعادة تنظيم تجمعات الخيل، وإن كان بشكل محدود جدًا مقارنة بما كان عليه الوضع قبل الحرب.
وتابع: "فقدت رياضة الفروسية العديد ممن كانوا يهوونها ويشاركون في سباقاتها من الفرسان، وكذلك الكثير من الخيول التي قُتلت بقصف الاحتلال، إضافة إلى أعداد كبيرة منها تم توظيفها في جر العربات مع تعطل النقل وتوقف معظم السيارات مع منع الوقود من دخول القطاع. لذلك وبعد كل ما عصف بنا، فمن الإنجاز أن نعود لنرى بداية عودة هذه الرياضة".
وبيّن الشافعي أن بعض المناطق تحولت إلى ملاعب كرة قدم يرتادها الأطفال والشبان، فيما بدأت مظاهر الحياة تنمو تدريجيًا، على خلاف ما كانت عليه خلال الحرب وفي الأشهر الأولى التي أعقبت الانسحاب. وبصورة عامة، لم تعد هذه المناطق مهجورة أو معزولة، بل تشهد اليوم تواجدًا سكانيًا ملحوظًا.
توسعة الخط الأصفر
غير أن الجهود الشعبية الفلسطينية الرامية لإعادة الحياة إلى "محور نتساريم" اصطدمت بتصعيد إسرائيلي مستمر منذ أسابيع، تمثل في توسيع ما يُعرف بـ"الخط الأصفر"، الذي امتد حتى شارع صلاح الدين، وشمل مناطق شمال مخيم البريج وقرية جحر الديك وأجزاء من المناطق الشرقية المحيطة.
ومؤخرًا، عزز الاحتلال وجوده العسكري عبر تحركات متقدمة لآلياته بالقرب من شارع صلاح الدين، بالتزامن مع إطلاق نار وقصف مدفعي واستخدام طائرات "الكواد كابتر" باتجاه المناطق التي بدأت فيها أعمال إعادة الإعمار، ما أدى إلى سقوط عدد من الشهداء، بينهم عمال ومزارعون، وسط صعوبات كبيرة واجهتها الطواقم الطبية في الوصول إلى تلك المواقع.
الكلمات المفتاحية
رحلة العودة إلى غزة.. ساعات طويلة من التفتيش والمصادرة والاعتقال عند كرم أبو سالم
إجراءات إسرائيلية مشددة وانتهاكات متكررة بحق المسافرين تشمل سرقة المقتنيات والاعتقال وسوء المعاملة، ازدادت تعقيدًا عقب استحداث نقطة تفتيش جديدة داخل معبر كرم أبو سالم.
الانتخابات التشريعية.. هل يصمد موعد نوفمبر أمام تحديات الانقسام والقدس وغزة؟
يتناول هذا التقرير فرص الالتزام بالموعد المعلن للانتخابات، في ظل التعقيدات السياسية والأمنية والقانونية التي لا تزال تحيط بالعملية الانتخابية.
الغارديان: التعذيب والموت في سجون إسرائيل أمر اعتيادي لا يحاول الإسرائيليون إخفاءه
كل ذلك يحدث على مرأى من الجميع، ومع ذلك، نادرًا ما تُقابل باحتجاج داخل إسرائيل، أو تثير غضبًا حقيقيًا لدى حلفاء إسرائيل في الغرب
رحلة العودة إلى غزة.. ساعات طويلة من التفتيش والمصادرة والاعتقال عند كرم أبو سالم
إجراءات إسرائيلية مشددة وانتهاكات متكررة بحق المسافرين تشمل سرقة المقتنيات والاعتقال وسوء المعاملة، ازدادت تعقيدًا عقب استحداث نقطة تفتيش جديدة داخل معبر كرم أبو سالم.
داخلية غزة: استشهاد مدير شرطة مخيم جباليا وضباط جراء مجزرة للاحتلال غربي المخيم
ارتكب جيش الاحتلال الإسرائيلي ظهر يوم الثلاثاء، مجزرةً جراء استهدافه نقطة للشرطة غربي مخيم جباليا شمال قطاع غزة
الضفة: هدم منازل وردم بئر مياه وحملة احتجاز واعتقالات واسعة
شنت قوات الاحتلال فجر اليوم حملة مداهمات واعتقالات طالت ما لا يقل عن 22 مواطنًا، بالتزامن مع حملة احتجاز وتحقيق ميداني واسعة في مدينة الخليل.
الاحتلال يحتجز 43 أسيرًا من غزة رغم انتهاء محكوميات عدد منهم
الاحتلال يرفض الإفراج عن عدد من الأسرى رغم استكمالهم كامل مدة محكومياتهم، كما يُتوقع أن يمتنع عن إطلاق سراح آخرين فور انتهاء مدة أحكامهم.