"محطات عمل" لصحفيات على خط النار في غزة.. الحرب لا تزال مستمرة
24 ديسمبر 2025
لا تشعر ولاء أبو جامع بأيّ أثر لاتفاق وقف إطلاق النار على حياتها اليومية؛ فهي لا تزال تلازم مكانها في "محطة عمل" خاصة بالصحفيات، قبالة مجمع ناصر الطبي في مدينة خانيونس، جنوب قطاع غزة، والتي باتت بالنسبة لها ولصحفيات أخريات "الملاذ الوحيد" للعمل والمبيت.
"هذه المحطة هي حياتنا، نعمل وننام هنا"، تقول أبو جامع لـ"الترا فلسطين". وقد اضطرت للنزوح مع أسرتها من بلدة بني سهيلا، شرق خانيونس، ولا يمكنها العودة إليها، إذ تقع البلدة ضمن نطاق المناطق التي تطلق عليها قوات الاحتلال "الخط الأصفر"، وتسيطر عليها عسكريًا، بعدما حوّلتها إلى "مصيدة" لممارسة القتل.
لا يزال الخطر يحدق بالصحفيات والصحفيين في قطاع غزة، ولم تختلف أنماط حياتهم اليومية كثيرًا، حتى بعد التوصل إلى اتفاق وقف إطلاق النار، الذي دخل شهره الثالث على التوالي
وطوال عامين من حرب الإبادة الإسرائيلية، افتقدت ولاء وأسرتها الاستقرار، وأُجبرت نحو 15 مرة على النزوح والتنقل من مكان إلى آخر. وفي كل مرة، كانت تبحث، بصفتها صحفية حرة (فريلانسر)، عن مكان تتوفر فيه خدمات الكهرباء والإنترنت لمواصلة عملها. وتقول: "كان العثور على مكان مناسب تتوفر فيه مقومات العمل مهمة غاية في الصعوبة، إذ دُمّرت مكاتبنا الصحفية، وأغلقت كثير من المؤسسات أبوابها".
مخاطر وتعقيدات ميدانية
في ظل هذا الواقع المعقّد، افتقدت أبو جامع الاستقرار مهنيًا وأسريًا، وواجهت تعقيدات ميدانية أعاقت عملها الصحفي. ومن أبرز هذه المعوقات، بحسب رأيها، توفير مصدر طاقة لشحن معداتها، كالهاتف النقال والحاسوب المحمول، إلى جانب إنترنت مناسب لرفع وإرسال القصص المصوّرة.
ومنذ نزوحها الأخير مع أسرتها من منزلها شرق خانيونس، تقيم أبو جامع في "محطة عمل" تدعمها مؤسسة "فلسطينيات". وعن ذلك تقول: "هنا، كصحفيات، أصبحنا عائلة؛ نعمل ونقيم في هذا المكان بشكل دائم، حيث تتوفر الكهرباء والإنترنت، ونكون على مقربة دائمة من الميدان وتطوراته".
كانت هذه المحطة في البداية عبارة عن "مخزن" أسفل بناية سكنية مقابلة للبوابة الشرقية لمجمع ناصر الطبي، قبل أن تنتقل إلى شقة في الطابق الأرضي من البناية نفسها، التي نجت من دمار واسع لحق بمدينة خان يونس إبان العملية العسكرية البرية الإسرائيلية مطلع كانون الأول/ديسمبر 2023، والتي استمرت أربعة أشهر.
واختارت أبو جامع العمل والإقامة الدائمة في محطة العمل، برفقة صحفيات أخريات تقطعت بهن السبل بفعل النزوح المتكرر. وغالبيتهن فقدن منازلهن، ولم يعد لهن مكان مناسب للعمل والإقامة، لا سيما الصحفيات القادمات من مدينة رفح، المحتلة بالكامل منذ اجتياحها في أيار/مايو 2024، إضافة إلى صحفيات نازحات من شرق خانيونس ومدينة غزة وشمال القطاع.
وتقيم أسرة أبو جامع في خيمة بمنطقة المواصي، غرب مدينة خان يونس، حيث لا تتوفر خدمات الكهرباء والإنترنت المناسبة لعملها. وإضافة إلى ذلك، تقول إن أزمة المواصلات تزيد من صعوبة التنقل، ما جعل وجودها الدائم في محطة عمل قريبة من مجمع ناصر الطبي مناسبًا لطبيعة عملها الصحفي.
ولا تتوقف معاناة أبو جامع عند حدود تعقيدات العمل الصحفي والبعد عن الأهل؛ فقد نالها نصيب من ويلات الحرب، فقدًا وتدميرًا. وتقول: "الحرب تركت آثارها الثقيلة علينا جميعًا في غزة، ونحن، كصحفيين، جزء من هذا الشعب، وعانينا من الويلات، وحتى القصص التي نتابعها للناس والمكلومين تبقى عالقة في أذهاننا ونُصاب بتأثيرات نفسية".
وتضيف أنها نجت من استهداف إسرائيلي لمنزلها، قائلة: "نجوت وأسرتي بأعجوبة". وتتابع: "كصحفية، أشعر وزملائي بأننا في خطر دائم؛ فتنقلنا في الميدان وملاحقة الأحداث والتطورات يجعلنا عرضة للاستهداف في أي لحظة".

عائلة صحفية
وفي "محطة عمل" مماثلة بمدينة دير البلح، وسط القطاع، تقيم شيرين خليفة، وهي محررة صحفية في شبكة "نوى". وتقول لـ"الترا فلسطين"، إنها نزحت للمرة الأولى مع أسرتها من منزلها في حي الشيخ رضوان بمدينة غزة إلى مدينة رفح، أقصى جنوب القطاع. وفي تلك المحطة من النزوح، أصبح العمل الصحفي بالنسبة لها شديد التعقيد، بسبب قيود اجتماعية في محيط النزوح.
وظلت خليفة بعيدة عن العمل الصحفي طوال فترة نزوحها في مدينة رفح، نتيجة مخاوف المجتمع المحيط من الصحفيين، الذين جعلهم الاحتلال "مصدر خوف" للناس، في ظل الاستهداف المتكرر لهم.
وتغير حال خليفة مع النزوح من رفح عشية اجتياحها بريًا، وانتقالها مع أسرتها إلى مدينة دير البلح، حيث بدأت تدريجيًا باستئناف عملها الصحفي، رغم تعقيدات العيش في خيمة تفتقر إلى مقومات العمل. وتشير إلى أنها كانت تضطر يوميًا إلى قطع مسافات طويلة سيرًا على الأقدام، بحثًا عن مكان تتوفر فيه خدمات الكهرباء والإنترنت.
ولم يكن العثور على مكان ثابت أمرًا سهلًا، ما انعكس سلبًا على قدرتها على إنجاز عملها الصحفي. وتقول: "كل الأماكن كانت مزدحمة، ولا يتوفر فيها الهدوء اللازم للعمل، كما أن الخدمات كانت متردية ولا تناسب طبيعة عملي الصحفي".
استمرت خليفة على هذا الحال في دير البلح حتى عودتها إلى مدينة غزة في شباط/فبراير الماضي، عقب التوصل إلى اتفاق وقف إطلاق النار، قبل انهياره. وتقول: "منزلنا في حي الشيخ رضوان مدمر كليًا، وأقمت مع أسرتي في مخزن بعيد عن المدينة، حيث لا تتوفر مقومات العمل، واستمرت معاناتي اليومية في السير لمسافات طويلة بحثًا عن مكان مناسب للعمل".
وعلى إثر التهديدات الإسرائيلية بشن عملية عسكرية واسعة في مدينة غزة، في أيلول/سبتمبر الماضي، أُجبرت خليفة وأسرتها على النزوح مجددًا نحو مدينة دير البلح. وهذه المرة، اختارت الإقامة في "محطة عمل" توفر مساحة للعمل والمبيت للصحفيات.
وكان لهذه المحطة، بما توفره من خدمات، أثر واضح على أدائها المهني، إذ تمكنت من استعادة عافيتها الصحفية. وتقول: "هنا تخلصت من عناء التفكير والبحث عن مكان لإنجاز عملي، إذ وفرت لنا مؤسسة فلسطينيات الكهرباء عبر نظام الطاقة الشمسية، والإنترنت، إضافة إلى الأجواء المهنية التي افتقدتها لمتابعة الأحداث والتطورات".
وتضيف: "لم أعد مضطرة لحمل حقيبة الحاسوب المحمول وأدواتي الصحفية لمسافات طويلة بحثًا عن مكان للعمل". وتعدد خليفة مزايا محطة العمل، مشيرة إلى أنها خلصتها من عناء النزوح والعيش في خيمة، غير أنها، في المقابل، تفتقد أسرتها، وتعيش تجربة اجتماعية قاسية بالابتعاد عنها، إذ يُعدّ من غير المألوف في مجتمع غزة أن تعيش فتاة بعيدًا عن أسرتها، ولا سيما الوالدين، لفترات طويلة.
وتتابع: "شعور صعب جدًا أن يكون أهلي يقيمون في خيام داخل المدينة نفسها، ولا أرى أبي وأمي إلا في زيارات خاطفة ومتباعدة، ونكتفي بمكالمات هاتفية للاطمئنان". وتضيف: "أشعر بقلق دائم عليهم، وخلال المنخفض الأخير غرقت خيامهم بمياه الأمطار واقتلعتها الرياح".
وبحسب خليفة، فإن ما يخفف عنها وعن رفيقاتها من الصحفيات هو "أجواء الألفة بيننا؛ ظروفنا متشابهة، ونحاول دعم بعضنا بعضًا نفسيًا، ونواسي أنفسنا بأن البعد عن الأهل يتيح لنا العمل بشكل أفضل، ويمنحنا فرصة دعم أسرنا معنويًا وماديًا".
حرب مستمرة
ولا يزال الخطر يحدق بالصحفيات والصحفيين في قطاع غزة، ولم تختلف أنماط حياتهم اليومية كثيرًا، حتى بعد التوصل إلى اتفاق وقف إطلاق النار، الذي دخل شهره الثالث على التوالي.
ورغم انخفاض معدلات القتل والاستهداف المباشر للصحفيين، فإن عملهم الميداني لا يزال محفوفًا بكثير من التحديات والمخاطر، في ظل سيطرة الاحتلال على نحو 60% من مساحة القطاع، وهي المناطق الواقعة خلف ما يُسمى "الخط الأصفر" في مدينة رفح، وشرق القطاع، وشماله.
ومنذ مطلع العام الجاري، استُشهد 56 صحفيًا. وبحسب توثيق المكتب الإعلامي الحكومي، ارتفع عدد الشهداء الصحفيين إلى 257 صحفية وصحفيًا منذ اندلاع حرب الإبادة الإسرائيلية.
الكلمات المفتاحية
خاص الترا فلسطين | ترقّب لردّ حماس على "ورقة ملادينوف".. والوسطاء يسعون لتقديم مقترح جديد
مصدر لـ"الترا فلسطين": ملادينوف حاول الضغط على حركة حماس خلال اللقاء الثنائي، مطالبًا إياها بالرد على ورقته بـ"نعم أو لا"
تفتيش مُهين وأمل خائب.. عودة مؤقتة لنساء مخيم جنين تكشف حجم الكارثة
لساعتين فقط، سُمح لعشرات النساء من مخيم جنين بالدخول إلى ما تبقى من منازلهن، بعد شهور من التهجير القسري، ليجدن أن ما تركنه خلفهن لم يعد يشبه ما كان.
أزمة متعددة الأبعاد: نقص الوقود وقطع الغيار يعرقل إنقاذ الأرواح في غزة
ولدت في قطاع غزة أزمة جديدة زادت المشهد تعقيدًا وتهدد بانهيار العمل الإغاثي والإنساني، وهي أزمة نقص الوقود وقطع الغيار
مشروع الحاجز التحت أرضي في غزة: منظومة هندسية معقّدة لمواجهة الأنفاق
كشفت قناة "آي 24 نيوز" الإسرائيلية، في تقرير خاص بثّت فيه تفاصيل ما وصفته بمشروع "الحاجز التحت أرضي"، الذي يعمل جيش الاحتلال على إقامته في قطاع غزة
بعد أوربان: المجر تواصل دعم نتنياهو بدعوة رسمية وزيارة مرتقبة
أجرى رئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو، يوم الأربعاء، اتصالًا هاتفيًا وُصف "بالودي" مع رئيس الحكومة المجري المنتخب بيتر ماغيار