مدينة لا تتعرّف عليها الذاكرة
28 أبريل 2026
لم تكن أمي صامتة في الطريق إلى غزة. كان صمتها هو الشيء الوحيد الواضح وسط ضجيج الطريق.
في وسيلة نقل عامة، بين أصوات الركاب واحتكاك العجلات بالإسفلت، جلَست أمي قرب النافذة تميل قليلًا مع كل انعطافة، كأنها تحاول أن تسبق المشهد بعينيها. عند كل منطقة نمرّ بها، كانت تحدّق ثم تُشيح بنظرها فجأة، كما لو أنها تراجعت في اللحظة الأخيرة.
ربما لهذا يتأخر البعض في العودة. ليس لأنهم لا يريدون أن يروا، بل لأنهم يعرفون أن ما سيُرى لن يترك ما في الداخل كما هو
مررنا بأماكن أعرف أنها تحفظها جيدًا، لكنها لم تُشر إلى شيء. لم تقل “هنا”، ولم تُسمِّ شارعًا ولا بيتًا. فقط شدّت طرف ثوبها بيدها، وبقيت تنظر.
في مرات قليلة، فتحت فمها كأنها ستقول شيئًا، لكنها لم تنبس ببنت شفة. كأن الاسم الذي صعد إلى طرف لسانها لم يعد يجد ما يطابقه في الخارج.
كنت أراقبها أكثر مما أراقب الطريق. حركة يدها، ارتعاشة خفيفة في شفتيها، إغماضة قصيرة للعين. كأنها تحاول أن تُبقي صورة واحدة ثابتة، بينما كل شيء في الخارج ينفلت. لم تكن تنظر لتتأكد، كانت تنظر لتؤجل.
كانت هذه المرة الأولى التي تدخل فيها أمي وأخواتي مدينة غزة منذ بداية الحرب. جئنا لأمر يبدو بسيطًا: ترتيبات فرح، زواج أخي الأصغر. لكن الطريق نفسه لم يترك لنا فرصة أن نفكر في الفرح كفكرة ممكنة.
كلما اقتربنا، كانت المسافة بين ما نعرفه وما نراه تكبر. الأماكن التي كانت تُختصر بأسماء، صارت تحتاج إلى وقت أطول حتى تُفهم، إن فُهمت أصلًا.
في لحظة ما، بدا أنها تحاول أن تمرّ بعينيها مرورًا خفيفًا، دون أن تثبت طويلًا على شيء. لكن بعض المشاهد كانت أقوى من هذا الحذر. عندها، كانت تتصلّب لثوانٍ قصيرة، لا تتحرك فيها، ثم تعود كأنها لم ترَ شيئًا.
لم تقل إن المكان تغيّر، ولم تقل إن شيئًا اختفى. لكن يدها التي لم تفلت طرف ثوبها طوال الطريق كانت تقول ما يكفي.
في داخلها، كانت صورتان تتحركان معًا: صورة قديمة، واضحة، مرتبة، تعرف أين تبدأ وأين تنتهي، وأخرى أمامها الآن، بلا ملامح كافية، بلا حدود يمكن الإمساك بها. لم تحاول أن تجمعهما، كأن جمعهما معًا سيكسر شيئًا أكبر.
أتذكر اللحظة التي توقفت فيها عن المحاولة. لم تعد تنظر بحثًا عن شيء محدد، صارت تنظر فقط. نظرة ممتدة بلا هدف، كأن العين تواصل عملها بينما انسحب المعنى.
في تلك اللحظة، لم تعد الذاكرة تساعدها. كلما كانت الصورة القديمة أوضح، كان الوقوف أمام هذا الفراغ أصعب.
ربما لهذا يتأخر البعض في العودة. ليس لأنهم لا يريدون أن يروا، بل لأنهم يعرفون أن ما سيُرى لن يترك ما في الداخل كما هو. أن تحتفظ بمدينة كاملة في ذاكرتك، أحيانًا أهون من أن تراها وهي لا تكتمل أمامك.
لكن ما رأيته في تلك الرحلة قال شيئًا آخر أيضًا: أن هذا الألم ليس فراغًا، بل امتلاء لا يجد مكانه في الخارج.
في طريق العودة، لم يكن في السيارة إلا البكاء. هذه المرة، لم تحاول أمي أن تُخفي شيئًا.
كانت تبكي بصوت منخفض، كأنها لا تريد أن يسمعها أحد، رغم أن كل شيء فيها كان مسموعًا. لم تكن تبكي حجارة سقطت، ولا شوارع تغيّرت. كانت تبكي أشياء لم أرها أنا، لكنها ما زالت حاضرة فيها كما هي، بأسمائها، بترتيبها، وبالطريقة التي كانت تُعاش بها.
كانت تبكي مدينة كاملة، لا تظهر في الخارج كما تعرفها، ولا تغيب في داخلها كما يجب.
الكلمات المفتاحية
حين احتضنت قونية فلسطين
عندما ظهر أطفال غزة في الملعب، شعرت أنني لم أعد أشاهد المباراة من بعيد، بقيت عيني معلقة بهم؛ أطفال أعرف المكان الذي جاؤوا منه، وأعرف جيدًا ما تعنيه غزة حين تظهر في الأخبار
السؤال هل ستجري الانتخابات أم لا يكشف أزمة الحكم
حين يسأل الفلسطينيون "هل ستجري الانتخابات التشريعية أم ستؤجل مرة أخرى؟"، فإنهم لا يعبرون عن فضول تجاه حدث سياسي مقبل، بل يكشفون عن أزمة عميقة في علاقتهم بالنظام الذي يحكمهم
ألبانيز: إبادة غزة مستمرة.. والعالم أمام مفترق طرق
اتهمت ألبانيز الولايات المتحدة بدعم الإبادة في غزة وباستخدام التهديد ضد الدول التي تصفها واشنطن بأنها شريكة لها.
الاحتلال يواصل عزل الصحفية بشرى الطويل منذ 46 يومًا
قضية الطويل تسلط الضوء على تصاعد سياسة العزل بحق الأسرى والأسيرات.
بدو النقب في مرآة المؤسسة الأمنية الإسرائيلية: تحولات الهوية وانفجار التناقضات
لا تقتصر المخاوف الإسرائيلية حيال النقب على البعد الأمني والعسكري الطارئ، بل تلتحم بها بعمق هواجس ديموغرافية ووجودية مزمنة.
هآرتس: البنوك الإسرائيلية تخشى عقوبات دولية بسبب تمويل الاستيطان
أفادت "هآرتس" بأن البنوك الإسرائيلية تخشى تعرضها لعقوبات دولية بسبب تمويل مشاريع استيطانية في الضفة الغربية، وسط قلق متزايد من تداعيات المشاركة في مشروع E1 الاستيطاني