مستشفى الشفاء بعد الترميم الجزئي.. ذاكرة المجازر حاضرة وعجز طبي مستمر
5 يناير 2026
لا يزال مجمع الشفاء الطبي في مدينة غزة عاجزًا عن تغطية الاحتياجات الطبية للغزيين، رغم اقتراب وقف إطلاق النار من إتمام شهره الثالث، والجهود المبذولة خلالها لإعادة ترميم أجزاء منه، إذ تستمر التحديات التي تعيق عودته إلى العمل بكامل طاقته، وعلى رأسها منع الاحتلال إدخال الأدوية والمواد اللازمة، والأجهزة الطبية، ومواد البناء.
ما رُمِّمَ حتى الآن لا يتجاوز 30% من احتياجات مجمع الشفاء الفعلية. فقبل الحرب، كان المجمع يضم أكثر من 750 سرير مبيت، بينما لا يتوفر حاليًا سوى نحو 300 سرير فقط
وأعادت وزارة الصحة في غزة ترميم مبنيين فقط من أصل 11 مبنى تعرضت للتدمير والإحراق على يد الاحتلال الإسرائيلي خلال الحرب، خصوصًا خلال الاقتحام الوحشي الثاني للمستشفى في 18 آذار/مارس 2024. وجاء هذا الترميم بإمكانات بسيطة جدًا، وبصعوبة بالغة، وبتكاليف باهظة للغاية نتيجة ندرة المواد اللازمة في قطاع غزة.
وأوضحت الوزارة أن ما رُمِّمَ حتى الآن لا يتجاوز 30% من احتياجات مجمع الشفاء الفعلية. فقبل الحرب، كان المجمع يضم أكثر من 750 سرير مبيت، بينما لا يتوفر حاليًا سوى نحو 300 سرير فقط. وأفادت بأن المستشفى كان يحتوي على أكثر من 22 غرفة عمليات، لم يتبق منها اليوم سوى ثماني إلى تسع غرف تعمل بإمكانات محدودة. أما أسرة العناية المركزة، فقد انخفض عددها من 40 سريرًا إلى 13 سريرًا فقط.
وأشار مدير مستشفى الشفاء، الدكتور محمد سلمية، في تصريحات صحفية، إلى أن الأجهزة الطبية المستخدمة حاليًا أُخرِجَت من تحت الركام، ثم أُصلِحَت على أيدي مهندسين من المستشفى، في ظل غياب أي معدات جديدة، مؤكدًا أن المباني التي رُمِّمت لا تزال تفتقر إلى الأجهزة الطبية المتخصصة، والمختبرات، والأدوية، الأمر الذي يجعلها غير قادرة على تقديم الخدمات الصحية المطلوبة لسكان القطاع بالشكل المناسب.
وينعكس النقص في الأجهزة والمختبرات والأسرة بصورة مباشرة وسلبية على المرضى والمصابين، ويُضعف قدرة المستشفى على تقديم الرعاية الصحية اللازمة.
وبحسب بيانات وزارة الصحة، يعاني مجمع الشفاء من عجز يقدر بنحو 60% في الأدوية الأساسية، بما في ذلك أدوية الطوارئ والعمليات الجراحية، ما يؤدي بشكل مستمر إلى وفاة مرضى ومصابين نتيجة نقص العلاج.
ورغم ما أُنجِزَ في إعادة إعمار المستشفى، لا تزال المباني الرئيسية فيه مدمرة بالكامل، وعلى رأسها مبنى الجراحات التخصصية، الذي كان يضم غرف العمليات، والعناية المركزة، وأقسام الأشعة، إضافة إلى مبنى الاستقبال والطوارئ.
ورغم أعمال الترميم الجزئية، تعرض مجمع الشفاء الطبي لغرق واسع جراء أمطار غزيرة هطلت فجر يوم الثلاثاء، 16 كانون الأول/ ديسمبر 2025، إذ تسربت مياه الأمطار داخل أقسام عدة من المستشفى، خصوصًا قسم الاستقبال والطوارئ، ما تسبب في تعطيل العمل فيه.
ذكريات الاقتحام الدامي
وتعرض مجمع الشفاء الطبي لاقتحامين من قبل جيش الاحتلال الإسرائيلي، الأول في تشرين الثاني/نوفمبر 2023، والثاني في 18 آذار/مارس 2024. وبعد انسحاب الاحتلال من الاقتحام الثاني، تكشفت آثار مجازر مروعة ارتكبت بحق المرضى وذويهم والكوادر الطبية على مدار أسبوعين.
ووفق تقريرٍ للمرصد الأورومتوسطي، أسفرت هذه الجرائم عن أكثر من 1500 شخص بين شهيد وجريح ومفقود، نصفهم من النساء والأطفال. كما لم تسلم جثث الشهداء من التمثيل والحرق، والدعس تحت عجلات الآليات العسكرية، وبأسنان الجرافات.
محمد ناصر، أحد الشهود على اللحظات الأولى بعد المجزرة التي ارتكبها الاحتلال في الاقتحام الثاني، قال إنه توجه إلى مستشفى الشفاء فور انسحاب قوات الاحتلال من أجل البحث عن شقيقه الطبيب الذي كان على رأس عمله في الاقتحام، وعن ابن عمته، الذي كان نازحًا مع أسرته داخل المجمع وانقطع الاتصال بهم.
يقول ناصر إنه صُدم بالمشاهد التي رآها، إذ كانت جثامين الشهداء منتشرة في مختلف أرجاء المستشفى، وفي زواياه وساحته ومحيطه. وأضاف: "بحثت كثيرًا عن أخي ولم أتمكن من العثور على جثته، وبعد شهرين من الاقتحام أبلغنا الصليب الأحمر أنه محتجز لدى قوات الاحتلال مع عدد من زملائه في المستشفى. أما ابن عمتي فقد استشهد مع زوجته وطفلتيه".
ويلخص ناصر المشهد بأنه "مروع ويفوق كل وصف، فقد غطت الدماء الجدران، وكانت المباني تحترق، والدخان والدمار يملآن المكان، فيما محيط المستشفى شهد دمارًا واسعًا ومجازر بشعة نتيجة تدمير المنازل في المنطقة المحيطة بشكل شبه كامل، وبدت المنطقة وكأنها تعرضت لضربة بقنبلة ذرية" على حد وصفه.
أما المشهد الأكثر إيلامًا، وفقًا لناصر، فكانت ملامح أقارب النازحين الذين توافدوا إلى المستشفى وهم يبحثون بيأس عن جثامين ذويهم بين الأنقاض وفي ممرات المستشفى، ويتفحصون الجثث عسى أن يشير شيء من الجسد إلى هوية صاحبه.
وأكد أنه بعد اكتشاف المقابر الجماعية في ساحة مستشفى الشفاء، تبين أن بعض الضحايا كانوا مرضى ومصابين، وما زالت أنابيب المحاليل الطبية مغروسة في أجسادهم، ما يشير إلى أنهم أعدموا داخل المستشفى وهم على أسرتهم، وأن قوات الاحتلال قامت بعدها بدفنهم.
وأضاف أن اكتشاف هذه المقابر مكن الناس من معرفة مصير جزء من المختفين خلال الهجوم الإسرائيلي على المستشفى، بينما بقيت بعض الجثث بلا ملامح واضحة، مما جعل السكان عاجزين عن تحديد هويتها، وأعيد دفنها.
وأضاف: "اليوم، ورغم ترميم جزء من المستشفى وعودة بعض الأقسام تقريبًا إلى طبيعتها، والجهود المبذولة لإزالة آثار القصف ودهان الجدران التي كانت ملطخة بالدماء، إلا أنني لا أزال أتذكر تلك الصورة البشعة عند وصولي. لا يمكنني نسيانها أبدًا، إذ كانت رائحة الموت المنتشرة في المكان، وحتى اللحظة، تظل هي المسيطرة على المكان بالنسبة لي، وكذلك بالنسبة للكثيرين ممن فقدوا عائلاتهم وذويهم خلال حصار واقتحام المستشفى".
خسائر المنظومة الصحية
وأفاد المكتب الإعلامي الحكومي باستشهاد أكثر من 1700 من الكوادر الطبية على يد الجيش الإسرائيلي خلال حرب الإبادة، إضافة إلى اعتقال نحو 350 آخرين.
كما تكبدت المنظومة الصحية في غزة خسائر فادحة، أدت إلى خروج 34 مستشفى و80 مركزًا صحيًا عن الخدمة، وتدمير 132 مركبة إسعاف، بحسب بيانات مكتب الإعلام الحكومي في القطاع.
وكان مجمع الشفاء الطبي، أكبر مستشفى في قطاع غزة، من أبرز المنشآت التي تعرضت للتدمير بعد حصار استمر أسبوعين.وتأسس مجمع الشفاء عام 1946 في عهد الانتداب البريطاني، ويقع في مدينة غزة على مساحة تقدر بنحو 42 ألف متر مربع.
ويضم مجمع الشفاء ثلاثة مستشفيات تخصصية: مستشفى الجراحة، ومستشفى الأمراض الباطنية، ومستشفى النساء والتوليد، إلى جانب قسم حضانة للأطفال الخدج، وقسم الطوارئ، ووحدة العناية المركزة، والأشعة، وبنك الدم، وقسم التخطيط. وكان يحتوي قبل الحرب على ما بين 500 و700 سرير.
ويعمل في مجمع الشفاء نحو 1500 موظف، من بينهم أكثر من 500 طبيب، و760 ممرضًا، و32 صيدلانيًا، و200 موظف إداري.
وخلفت حرب الإبادة الإسرائيلية على غزة على مدار عامين أكثر من 71 ألف شهيد، إضافة إلى أكثر من 171 ألف جريح ومصاب، إلى جانب نحو 9,500 مفقود ما زالوا تحت الأنقاض، غالبيتهم من الأطفال والنساء، ودمار هائل قدرت الأمم المتحدة كلفة إعادة إعماره بنحو 70 مليار دولار.
الكلمات المفتاحية
رحلة العودة إلى غزة.. ساعات طويلة من التفتيش والمصادرة والاعتقال عند كرم أبو سالم
إجراءات إسرائيلية مشددة وانتهاكات متكررة بحق المسافرين تشمل سرقة المقتنيات والاعتقال وسوء المعاملة، ازدادت تعقيدًا عقب استحداث نقطة تفتيش جديدة داخل معبر كرم أبو سالم.
الانتخابات التشريعية.. هل يصمد موعد نوفمبر أمام تحديات الانقسام والقدس وغزة؟
يتناول هذا التقرير فرص الالتزام بالموعد المعلن للانتخابات، في ظل التعقيدات السياسية والأمنية والقانونية التي لا تزال تحيط بالعملية الانتخابية.
الغارديان: التعذيب والموت في سجون إسرائيل أمر اعتيادي لا يحاول الإسرائيليون إخفاءه
كل ذلك يحدث على مرأى من الجميع، ومع ذلك، نادرًا ما تُقابل باحتجاج داخل إسرائيل، أو تثير غضبًا حقيقيًا لدى حلفاء إسرائيل في الغرب
رحلة العودة إلى غزة.. ساعات طويلة من التفتيش والمصادرة والاعتقال عند كرم أبو سالم
إجراءات إسرائيلية مشددة وانتهاكات متكررة بحق المسافرين تشمل سرقة المقتنيات والاعتقال وسوء المعاملة، ازدادت تعقيدًا عقب استحداث نقطة تفتيش جديدة داخل معبر كرم أبو سالم.
داخلية غزة: استشهاد مدير شرطة مخيم جباليا وضباط جراء مجزرة للاحتلال غربي المخيم
ارتكب جيش الاحتلال الإسرائيلي ظهر يوم الثلاثاء، مجزرةً جراء استهدافه نقطة للشرطة غربي مخيم جباليا شمال قطاع غزة
الضفة: هدم منازل وردم بئر مياه وحملة احتجاز واعتقالات واسعة
شنت قوات الاحتلال فجر اليوم حملة مداهمات واعتقالات طالت ما لا يقل عن 22 مواطنًا، بالتزامن مع حملة احتجاز وتحقيق ميداني واسعة في مدينة الخليل.
الاحتلال يحتجز 43 أسيرًا من غزة رغم انتهاء محكوميات عدد منهم
الاحتلال يرفض الإفراج عن عدد من الأسرى رغم استكمالهم كامل مدة محكومياتهم، كما يُتوقع أن يمتنع عن إطلاق سراح آخرين فور انتهاء مدة أحكامهم.